كشفت حفريات جديدة جرى العثور عليها محفوظةً في حالة استثنائية في مواقع جيولوجية غنية بالحفريات في كولومبيا والولايات المتحدة أن شكل جسم سرطانات البحر تغير بالكامل عدة مرات على مر العصور.

وأشارت ورقة بحثية نُشرت في دورية "ساينس أدفانسز" (Science Advances)، أن الحفريات التي كشف عنها فريق دولي بقيادة "خافيير لوكي" -عالِم الحفريات بجامعة "ييل" الأمريكية- تعود إلى منتصف العصر الطباشيري (من 95 إلى 90 مليون سنة).

وغالبًا ما يكتنف الأصول التطورية للقشريات الغموض، بسبب ندرة أحافيرها المبكرة والانتقالية أو وجودها في حالة حفظ سيئة.

وفي تلك الدراسة، يصف الباحثون نوعًا من سرطانات البحر المحفوظة بشكل استثنائي، وهو أمر سيلقي مزيدًا من الضوء على أصول السرطانات الحالية المنتشرة بطول الأرض وعرضها.

ووفق الدراسة، تتميز السرطانات المنقرضة بعينين مركَّبتين كبيرتين وغير محميتين، علاوة على جسم مغزلي صغير، أما أرجلها فكانت تشبه المجداف، وهو أمر يوحي بأن تلك القشريات كانت تسبح بكفاءة أعلى بكثير من مثيلاتها الحالية.

وتتحدى تلك الدراسة وجهات النظر التقليدية التي تُشير إلى أن الشكل الحالي لسرطانات البحر هو شكلها نفسه خلال العصر الطباشيري، كما تؤكد أن التحولات المورفولوجية اكتسبها الحيوان من جَرَّاء انتشاره في بيئات جديدة، بما في ذلك البحار والمحيطات العميقة، على عكس السرطانات الحالية التي تستوطن الشواطئ والمياه الضحلة.

ويُعد الاكتشاف الجديد واحدًا من أكثر اكتشافات الحفريات إثارةً خلال العقد الماضي. خاصةً في المناطق الاستوائية التي لم نكن نعرف الكثير عن التنوُّع فيها.

ولحسن الحظ، عثر فريق العمل على عشرات من العينات المحفوظة المتنوعة، من بينها أحافير لذكور وإناث ويرقات وسرطانات بحر يافعة. احتفظ بعضها بالعينين وقرون الاستشعار، والعضلات، وحتى الأعضاء التناسلية.

ويلقي الكشف الضوء على فرع جديد في شجرة تطور القشريات. ويقول الباحث في الدراسة "خافيير لوكي": إنه من المحتمل أن تكون الحفرية لأقدم نوع من المفصليات التي طورت أرجلًا تشبه مجداف السباحة منذ اختفاء العقارب البحرية قبل 250 مليون عام.

وأشار الباحث الرئيسي في تصريحات لـ"للعلم" إلى أن فريق العمل درس أكثر من 70 عينةً منفردةً من حفريات سرطان البحر، منها حفريات لذكور وإناث ويرقات وبالغين تم جمعها بين عامي 2005 و2014. ولأن العينات محفوظة في حالة جيدة، تمكَّن الباحثون من إجراء مقارنات بينها وبين حفريات أخرى، بل وعينات حية لسرطان البحر.

وأطلق فريق العمل اسم Callichimaeraperplexa على النوع المكتشَف من سرطان البحر، والاسم مأخوذ من اسم "كايميرا"، وهو حيوان معروف في الأساطير اليونانية القديمة مكون من رأس أسد، وجسد ماعز، وذيل حيّة.

وعن السر وراء اختيار هذا الاسم، يقول "لوكي": "إن سرطان البحر يبدو بطبيعته كـ"كائن خرافي"، يتشابه كل جزء منفصل من جسده مع جزء من أجسام أحد المفصليات البحرية، ولكن تلك الأجزاء لم تجتمع في كائن واحد قط. ولهذا السبب، كان من الصعب جدًّا في البداية أن نجزم أين بالتحديد يمكننا أن نضع تلك الحفريات في شجرة عائلة سرطان البحر. فكان علينا إجراء العديد من التحاليل الخاصة بالتطور؛ لاختبار ارتباط الحفريات الجديدة بفروع أخرى في شجرة حياة سرطان البحر. وخلصنا إلى حقيقة أن كلًّا من النهج التصنيفي والتطوري يشيران إلى أن هذا المخلوق لا يشبه أي شيء معروف، ويمثل سلالةً من سرطان البحر السَّبَّاح انقرضت منذ زمن طويل"، وفق قول الباحث الرئيسي.

وقد استغرق العمل على هذه الورقة البحثية أكثر من عقد من الزمان منذ اكتشاف الحفرية للمرة الأولى. ولأن الحفرية الجديدة كانت غريبة ومختلفة فقد تطلبت وقتًا طويلًا لمقارنتها بكل المجموعات الممكنة من سرطانات البحر حتى توصَّل فريق الباحثين إلى أنها نموذج مبكر وغريب لنوع من سرطان البحر لم يكن معروفًا من قبل.

في نهاية حديثه لـ"للعلم"، أكد الباحث الرئيسي أن الكشف عن Callichimaera ليس نهاية المطاف، وأنه لا يزال هناك الكثير لاكتشافه؛ لأن دراسة السجل الأحفوري هي المفتاح لفهم كيفية تطور الكائنات الحية الحديثة، وهو يشبه النظر إلى ألبوم صور عائلي عتيق، يعود إلى ملايين السنين، والصور والقصص فيه منقوشة على الحجر. ووفق قوله، ففي علم الحفريات، الواقع يتجاوز الخيال في أغلب الأحيان!