قدم باحثون أمريكيون من مركز جامعة نيويورك الطبي NYU langone medical center بالاشتراك مع مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان Memorial Sloan Kettering دراسةً جديدة حول ما يُظَن أنه أحد الجينات الرئيسية التي تقف وراء إصابة النساء بسرطان الثدي والمبيض.

تُعَد هذه الدراسة هي الأولى التي تقدم نتائج أول تقييم متكامل لتسلسل بروتينات الجين EMSY، ما أعطى صورةً أكثر دقةً وعمقًا عن دوره وآلية عمله في حدوث الإصابة بالسرطان، إذ تُظهر أنه يعمل بشكل مستقل عن جيناتBRCA1  أو BRCA2. ويتوقع الباحثون أن يسهم إعادة الفهم الدقيق لهذا الجين في تفسير السبب وراء إصابة بعض النساء بالسرطان على الرغم من خلوهن من أي عيوب مكتشفة بجينات BRCA1 وBRCA2 في الحمض النووي.

أظهرت نتائج الدراسة التي نُشرت في  يناير/ كانون الثاني الماضي بدورية أون كوتارجيت "Oncotarget"، امتلاك الجين الجديد آلية عمل تتشابه إلى حدٍّ ما مع كلٍّ من جين BRCA1 وBRCA2 واللذَين يُعرفان بدورهما في الوقاية من سرطان الثدي والمبيض لدى النساء، إذ يؤدي حدوث أي خلل بهما إلى التأثير سلبًا على قدرة الجسم على الدفاع الذاتي والصمود أمام التغييرات الجينية التي يُحدثها السرطان. يقول فريق الدراسة: "لقد جرت للمرة الأولى دراسة الجين بكامل تسلسله البروتيني، وبما يعطي تصورًا واضحًا عن علاقة العيوب الحادثة فيه بتحفيز نمو الخلايا السرطانية، ويفتح المجال لتقديم خيارات علاجية أفضل لنسبة كبيرة من مريضات سرطاني الثدي والمبيض"، وذلك وفق ما ورد على الموقع الإلكتروني لجامعة NYU.

وكانت جهود ماري كلير كينغ Mary-Claire King، أستاذة الوراثة الطبية في جامعة واشنطن، قد ساعدت في كشف الأصل الوراثي لمورِّثات سرطان الثدي، إذ قاد عملها أولاً إلى اكتشاف الشكل الطافر للمورثة BRCA1، في عام 1994، وفي وقت لاحق من العام ذاته، اكتشفت المورثة BRCA2.

وتشير الإحصاءات إلى أنه كان هناك 1.7 مليون إصابة جديدة بسرطان الثدي الذي يمثل ثاني أكثر أنواع السرطان انتشارًا حول العالم، و239 ألف إصابة جديدة بسرطان المبيض عام 2012، وفقًا لصندوق أبحاث السرطان العالمي الدولي.

قمع عمليات الإصلاح

ويعطي الجين الإرشادات اللازمة لخلايا الجسم لإنشاء أنواع من البروتينات تساعد على إصلاح تلف الحمض النووي الذي يمكن أن يسبب السرطان. وعندما يحدث تغيير بالجين أو نشاطه بشكل مفرط “overly active” تتغير هذه الإرشادات وتفشل عملية إصلاح الحمض النووي، بما يسمح بنمو الخلايا السرطانية.

كشفت الدراسة الجديدة عن كيفية حدوث هذا التغيير الذي يصل إلى جزء من جين EMSY بواسطة إنزيم يسمى بروتين كينيز إيه kinase A (PKA). كما استطاع الباحثون بواسطة التجارب المعملية تحديد موقع جزيئات الفوسفات في ثريونين 207 EMSY threonine 207 phospho-site ودوره في دفع الجين إلى قمع عملية إصلاح الحمض النووي من التلف.

"في الواقع تشكل الطفرات الجينية المتراكمة على مدار سنوات العمر عاملًا مهمًّا لحدوث السرطان، ولكنها ليست كل شيء" وفق قول الدكتورة وفاء المتناوي، أستاذ بيولوجيا الأورام والإشعاع وأمراض الدم بكلية طب قصر العيني، وتستطرد: هذه العوامل الجينية لا بد من أن تقترن بالتعرُّض المتكرِّر للمسبِّبات الخارجية، مثل نمط الحياة غير الصحي كالسمنة وقلة الحركة، أو التعرض لجرعات من هرمون الإستروجين، كما هو الحال في علاجات تنشيط التبويض، أو التعرُّض للملوِّثات البيئية لسنوات طويلة، لينتهي الأمر بالإصابة بالسرطان نتيجة التلف الحادث في أجزاء محددة من الحمض النووي، ووفق موقعها ووظيفتها يصاب الشخص بنوعٍ ما من أنواع السرطانات المختلفة.

وهناك حالات أخرى تورث هذه العيوب (الطفرات) من الأب أو الأم إلى أبنائهما عبر المعلومات الجينية في الحيوان المنوي والبويضة، فيما يُعرف بالطفرة الجرثومية germinal mutation وعادة ما يكون هناك تاريخ مرضي في العائلة مثل إصابة الأم بسرطان الثدي أو إصابة الأب بسرطان البروستاتا لتنقل هذه الطفرات إلى الابنة مسببة الإصابة بسرطان الثدي. ويزداد معدل خطر الإصابة بسرطان الثدي إلى الضِّعف مع وجود العامل الوراثي إذا جرى تشخيص إصابة مماثلة لدى الأم أو الأخت أو الابنة.

3 آلاف من الطفرات

وفقًا للتقديرات العلمية، تشكل طفرات الحمض النووي نحو 5-10% من إصابات سرطان الثدي لدى النساء، ومعظمهن يعاني الإصابة بالورم في سن صغيرة، دون الـ45 عامًا، منهن 40% هن الحاملات لطفرات جين BRCA1,2. وتنشأ الإصابة بسبب تغيرات البروتين المنتج من الجين المعيب أو عدم قدرته على أداء وظيفته بشكل سليم، إذ يفقد البروتين المصنّع القدرة على إصلاح العيوب في الحمض النووي، وبالتالي يستمر السرطان في إحداث التغيرات من دون إصلاح.

استطاع الباحثون تحديد نحو 3 آلاف طفرة في جين عائلة BRCA تسبب أنواعًا مختلفة من السرطانات، بعضها غير مَرَضي. وتُعَد هذه العائلة أحد أهم جينات الحماية من السرطان بوجه عام. وهناك عدد آخر من الجينات المرتبطة بحدوث سرطان الثدي نتيجة نشوء طفرات بها، ومنها CDH1 وCHEK2 وPALB2 وSTK11 وTP53 وRAD51 وCCND1.

الاكتشاف الدقيق لدور الجين الجديد كانت قد مهدت له الطريق دراسة سابقة نُشرت مبكرًا، في عام 2003 في دورية سلcell ، تناولت آنذاك جين EMSY باعتباره متهمًا بمنع الجينات من أداء مهامها في إصلاح العيوب في الحامض النووي "دي إن إيه"، بجانب دوره في منع جين BRCA2 من العمل على أكمل وجه، إذ إنه وفقًا للدراسة يجري ذلك من خلال التفاعل المباشر معه مؤديًا إلى قمع وظيفة البروتين المنتج بواسطته.

وأظهرت التجارب التي أجريت على عينات من الأورام السرطانية أن 13% من أورام سرطان الثدي و17% من أورام سرطان المبيض تحتوي على نسبة كبيرة من هذا الجين، مما ينذر –آنذاك ـ بأن له دورًا هو الآخر في الإصابة بسرطاني الثدي والمبيض.

ليست نهاية المطاف

"الآن بعد أن عرفنا بالضبط كيف يمكن للتغييرات في جين EMSY أن تحفز نمو الخلايا السرطانية، يمكننا البدء في تصميم علاجات خصيصًا لاستهداف هذا النشاط ووقفه"، هكذا يأمل الدكتور دوغلاس ليفين، الباحث الرئيسي بالدراسة ومدير شعبة الأورام النسائية في جامعة نيويورك ومركز بيرلماتر للسرطان التابع لها.

"ولكن لا يُعَد هذا نهاية المطاف"، كما تقول الدكتورة ابتسام سعد الدين، أستاذ الأورام بكلية الطب جامعة القاهرة، فقد جرى اكتشاف أن زيادة الچين الجديد EMSY تؤثر أيضًا في إصلاح الخلل الجيني في DNA، وكل ذلك بشكل مستقل ودون اعتماد على BRCA2 في طريقة عمله.

ووفقًا لهذه المعطيات، يمكن زيادة مجال العلاج الموجه للمرضى المصابين بهذا الچين، من أمثال هؤلاء المصابين بالأورام ذات التحولات الجينية في BRCA1/2 مما يسمح بطريقة أخرى بفتح المجال أمام المزيد من المرضى للاستفادة من العقاقير الموجهة الحديثة مستقبلًا في حالة وجود التحولات في چين EMSY وهو ما يعني إيجاد خيارات علاج أفضل لنحو 11% من النساء المصابات بسرطان الثدي والمبيض، اللائي لا يُظهِرن أي عيوب في جينات BRCA.

وتُسَبِّب أدوية العلاج الكيميائي تلفًا في الحمض النووي، يحفز موت الخلايا السرطانية سريعة الانقسام، وتلك الأدوية هي العلاج النموذجي لعديد من السرطانات، لكنْ لأنها تؤثر أيضًا على الخلايا السليمة المنقسمة، فإن أدوية العلاج الكيميائي تلك قد تسبِّب أضرارًا غير مرغوب فيها، إذ تؤدي إلى حدوث تأثيرات جانبية قصيرة المدى، كالغثيان، وسقوط الشعر.

ويحمل تلف الحمض النووي الناجم عن العلاج الكيميائي أيضًا إمكانية زيادة عدد الطفرات، التي قد تؤدي على المدى الطويل إلى ظهور سرطانات أخرى، أو تمكين الورم الأصلي من تطوير مقاوَمة للعلاج. لذا صُمّمت العلاجات الموجَّهة لحصار مسارات جزيئية معينة في الخلايا السرطانية، ولتحفيز موت الخلايا الورمية، دون التسبب في تلف الحمض النووي، وفق دورية نيتشر.

صورة أكثر وضوحًا

"لدينا الآن صورة أكثر وضوحًا تُظهر تغيرات جينية تسبب سرطاني الثدي والمبيض لدى النساء اللاتي لا يُصَبن بالسرطان لأسباب وراثية"، كما تقول الدكتورة نهال المشد، أستاذ الأورام بكلية الطب في جامعة طنطا، لـ"للعلم". وتضيف: "يعد اكتشاف هذا الجين الجديد أمرًا غاية في الأهمية، خاصة وأنه يقدم لنا جزءًا من حل اللغز الذي سعى العلماء إلى فك طلاسمه على مدار سنوات عدة".

وتعيش النساء المصابات بورم سرطاني في الثدي يحتوي على نسبة عالية عادةً من هذا الجين لمدة 6.4 أعوام، مقابل 14 عامًا للنساء المصابات، ولديهن نسبة عادية منه.

جانب آخر مهم تراه الدكتورة المشد، هو ضرورة الاهتمام بتوفير اختبارات كشف لهذا الجين، سواء في بداية البرنامج العلاجي للنساء المصابات للتنبؤ بمدى استجاباتهن لبروتوكولات العلاج، أو بين النساء الأكثر عرضة للإصابة بالمرض؛ للاكتشاف المبكر والوقاية من حدوث السرطان.