بالرغم من أن احتمالات انتقال عدوى الأمراض عبر الاختلاط المباشر وغير المباشر مع الحيوانات الأليفة أصبحت حقيقة علمية موثقة، ومنذ سنوات. لكن معدل الخطورة هذا يزداد كثيرًا عندما تنقل تلك الحيوانات إلى الإنسان جينات سلالات من بكتيريا مقاوِمة للمضادات الحيوية.

"حازم رمضان" -أستاذ الأمراض المشتركة المساعد بكلية الطب البيطري، جامعة المنصورة، والباحث بالمركز القومي الأمريكي لأبحاث الدواجن التابع لوزارة الزراعة الأمريكية (USDA-ARS)- نجح وزملاؤه في العثور على جين بكتيريا الإيشيريشيا القولونية "إي - كولاي" المقاوِمة للمضادات الحيوية في الكلاب، كما جرى التأكد من أن هذا النوع من البكتيريا يتشـارك بعـض الخـواص الجينية مع نظيره المكتشَف لدى الإنسان في مصر، ما يمثل خطورةً كبيرةً على الصحة العامة.

توصل الفريق البحثي إلى هذه النتيجة، في دراستهم المنشورة بدوريـة "الأمـراض المشـتركة والصـحة العامـة" (Health Public and Zoonoses) أواخر شهر ديسمبر 2019، بعد نجاحهم في تحديــد مســودة الجينــوم الكامــل لهذه البكتيريا، التي جرى عزلــها مــن عينات مأخوذة من كلٍّ من الإنســان والكلاب في مصر، كما نجح أيضًا في تحديــد الارتباط الجيني لهذه العزلات.

وخلال الفترة من ديسمبر 2015 إلى أغسطس 2016، جمع الفريق 235 عينةً من الإنسان (عينة البول)، و332 عينة من الكلاب (مسحات من فتحة الشرج والبيئة المحيطة) في مدينة المنصورة المصرية، واستخرج الباحثون من تلك العينات 170 عزلةً بكتيرية بواسطة الطرق التقليدية لزراعة البكتيريا، وتَبيَّن أن 165 منها كانت لبكتيريا الإيشيريشــيا القولونيــة، أو كما تُعرف أيضًا بالإشريكية القولونية.

واستنادًا إلى اتفاقية التعاون البحثي بين جامعة المنصورة ووزارة الزراعة الأمريكية، أرسل "رمضان" تلك العزلات لتحليلها في مختبرات المركز القومي الأمريكي لأبحاث الدواجن، ولاحظ من النتائج الأولية وباختبار حساسية هذه العزلات لعدد 24 مضادًّا حيويًّا، أن جميع العزلات الـ165 كانت مقاوِمة للمضادات الحيوية من الجيل الثالث لمركبات "السيفالوسبورين" وعلى رأسها عقار "سيفوتاكسيم" (Cefotaxime)، وكانت نسبة كبيرة من العزلات فائقةَ المقاومة للمضادات الحيوية، أي تُظهر على الأقل مقاومة لثلاثة مضادات حيوية تنتمي إلى مجموعات دوائية مختلفة.

الملاذ الأخير

وقال "رمضان" في حديث لـ"للعلم": إن أخطر ما توصلت إليه الدراسة، أن 9 عزلات (2 من الإنسان و7 من الكلاب) من الـ165 كانت مقاوِمة لفئة من المضادات يُطلق عليها "الكاربابينيم" (Carbapenems)، وهو أحد مضادين حيويين يُعَدان خط الدفاع الأخير لدى البشرية ضد أنواع البكتيريا فائقة المقاوِمة للمضادات الحيوية وخاصةً سالبة الجرام منها، في حين يُطلق على الآخر "كوليستين" (colistin)، ويُعرفان بين المتخصصين بـ"الملاذ الأخير".

وأضاف أن ما يميز "الكاربابينيم" أنه أكثر أمانًا وأقل آثارًا جانبية، على عكس عقار "كوليستين" الذي نادرًا ما يصفه الأطباء؛ بسبب آثاره السامة على الكليتين والأعصاب، ويُعطَى فقط في حالات الضرورة القصوى، لكن حتى "كوليستين" ظهرت له عدوى بكتيرية خطيرة، مقاوِمة له، ولجميع أنواع المضادات الحيوية الأخرى، وتسببت تلك العدوى في وفاة إحدى السيدات بالولايات المتحدة في سبتمبر 2016.

ومن خلال تحليل الجينوم للعزلات المأخوذة من الإنسان والكلاب، جرى تحديد أنواع الجينات المسـؤولة عن مقاومة المضادات الحيوية ككل ومضاد "الكاربابينيم" بشــكل خــاص، وتحديد التسلسل النوعي، وكذلك تحديد البيئة الجينية المحيطة بمجموعة يُطلق عليها إنزيم "نيودلهي ميتالو بيتالاكتماز" (NDM) Metallo-β-Lactamases، إذ اكتُشفت لأول مرة في نيودلهي بالهند، في حين جاءت تسمية "بيتالاكتماز" لأنه يقاوم مجموعةً من المضادات الحيوية تسمى مضادات "بيتا-لاكتام" (β-Lactam) التي تندرج تحتها عائلة مضادات "الكاربابينيم" الحيوية.

أظهرت نتائج الدراسة الجديدة تحديد جين معين من إحدى عزلتي الإنسان وعـزلات الكلاب، وتُعَد هذه المرة هي الأولى التي يتم فيها تحديد هـذا الجين لدى الكلاب في مصر، والمرة الثانية في أفريقيا، حيث كان قد جرى اكتشافه في الجزائر.

من جانبه، اعتبر حازم رمضان أن هذه النتائج تدق ناقوس الخطر، حول إمكانية انتقال هذا الجين المقاوِم للمضادات الحيوية من الحيوانات الأليفة -وعلى رأسها الكلاب- إلى الإنسان.

وأشار إلى أن الكلاب عادةً ما تقوم بلعق فتحة الشرج الخاصة بها، وبالتالي تنتقل الطفيليات والبكتيريا من الشرج إلى اللسان، في حين يقوم الكلب بلعق الأسطح أو لمس الإنسان وملاطفته، ومن هنا تنتقل البكتيريا مباشرةً إلى الإنسان، في حين تنتقل بصورة غير مباشرة عبر لمس الإنسان للأسطح والأشياء الملوثة بلُعاب الكلاب على سبيل المثال.

وأوصى "رمضان" بضرورة استخدام تقنية تحديد الجينوم الكامل بصـورة دورية، ما يعزِّز من فاعلية إجراءات الترصُّد والتتبُّع للبكتيريا سـواء في الإنسـان أو الحيـوان، باعتبارها من الوسـائل الفاعلـة لمكافحة البكتيريـا المقاوِمـة للمضادات الحيوية.

أشرف أحمد -رئيس قسم البكتيريا والفطريات والمناعة، بكلية الطب البيطري بجامعة كفر الشيخ المصرية- رأى أن ما توصلت إليه الدراسة يعتبر تطورًا طبيعيًّا للتقدم الهائل الذي حدث في علم الجينوم، والذي يفحص الجينات الضارة التي قد تكون موجودةً على البكتيريا، وربما تكون مقاوِمةً للمضادات الحيوية أيضًا.

وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن الفريق استطاع عزل جينات من بكتيريا من البشر والكلاب، ووضعها تحت مراحل متعددة من التحليل المتقدم، وهو أعلى مستوى لتشخيص الأمراض المرتبطة بمقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، التي أضحت ظاهرةً عالمية، لكنها تزداد سوءًا في الدول النامية، نتيجة الاستخدام الخطأ والعشوائي للعقاقير.

وشرح "أحمد" الآلية التي تنتهجها البكتيريا لمقاومة العقاقير، قائلًا: إن البكتيريا الضارة عادةً تستحدث جينات مقاومة حديثة، تواكب المضادات الحيوية الجديدة التي تُستخدم في العلاج، وأحدث تلك الجينات المقاوِمة للمضادات الحيوية التي جرى اكتشافها في البكتيريا هي مجموعة يُطلق عليها إنزيم (NDM)، الذي تعددت أنواعه حتى وصلت إلى 26 حتى الآن، أولها (NDM-1) الذي تم اكتشافه في الهند، وعدة دول حول العالم في الفترة من 2008 حتى 2011.

وشدد على أن نجاح الفريق في اكتشاف تشابُه بين جينوم (NDM-5) في الكلاب والبشر، يشير إلى احتمالية انتقال هذا الجين من البشر إلى الكلاب والعكس. وأكد "أحمد" أن انتقال الأمراض من الحيوانات إلى الإنسان ثابت منذ مدة كبيرة، لكن الجديد في الأمر، والذي كشفته الدراسة، أن الحيوانات قد تنقل إلى البشر جينات تجعل البكتيريا أكثر مقاومةً للمضادات الحيوية، حتى ما يتسم منها بالقوة والفاعلية.

انتشار العدوى

من جانبه، اعتبر أحمد محروس داوود -مدرس مساعد وباحث الدكتوراة بقسم الكلينيكال ميكروبيولوجي في جامعة هيروشيما اليابانية- أن نتائج البحث تشير إلى أن هذا النوع من البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية منتشر في مصر، بين الإنسان والحيوانات الأليفة كالكلاب، لكن لم يحدَّد بعدُ أيهما يبدأ في نقل العدوى للآخر، لكن حتى الآن تستمر العدوى في حلقة دائرية بين الحيوانات والإنسان، ما يمثل خطورةً كبيرةً على صحة الإنسان والحيوان معًا.

وأضاف في حديث لـ"للعلم"، أن ما يدلل على انتشار هذا النوع من البكتيريا المقاومة في مصر، أنه حصل على عينات من البشر مأخوذة من مدينة طنطا المصرية، وسافر بها إلى اليابان لتحليلها، واكتشف في دراسة نُشرت أكتوبر 2019 وجود السلالة نفسها من بكتيريا الإيشيريشيا القولونية "NDM-5" المقاوِمة لـ"الكاربابينيم" في عينتين من البشر، كما أن هناك بحثًا آخر نشر في 2016 اكتشف وجود هذا النوع البكتيريا في عينة من البشر في مصر.

وأوضح "داوود" أن مضادات "ميرونيم" (Meropenem) و"تينام" (Tienam) التي تنتمي إلى عائلة "الكاربابينيم"، تُستخدم فقط لعلاج البشر من العدوى البكتيرية وليس الحيوانات، ويشير ظهور جينات مقاوِمة لهذين العقارين لدى الكلاب في مصر، إلى انتشار هذه البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية في مصر، وهذا يدفع إلى إجراء المزيد من الأبحاث على عينات مختلفة من مناطق متعددة في مصر، لقياس مدى انتشارها في مختلف أنحاء البلاد.

ونوه بأن انتشار جينات بكتيريا الإيشيريشيا القولونية المقاوِمة للمضادات الحيوية، أحد أبرز التهديدات الصحية الخطيرة التي تنتشر على مستوى العالم، وليس مصر فقط.

واعتبر "داوود" أن خطورة انتشار الجينات المقامة للمضادات الحيوية تنبع من أن فاعليها تكاد تكون معدومة، في حال تعرض الشخص لمرض يستدعي حصوله على المضادات الحيوية للتخلُّص من العدوى والأمراض.

وعن أسباب انتشار البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية في مصر، أشار إلى أن ذلك يرجع إلى استخدام المضادات الحيوية دون وصفة طبية، ودون أن تستدعي حالة المريض ذلك، مشيرًا إلى أنه في اليابان -على سبيل المثال- لا يتم صرف أية مضادات حيوية دون روشتة معتمدة من الطبيب، كما أن صلاحية هذه الروشتة 4 أيام فقط، وإذا تأخر المريض في صرفها، فلن يحصل على الأدوية إلا بروشتة جديدة.

حلول مقترحة

وفي محاولة لمنع انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، رأى أشرف أحمد أن هناك عدة توصيات يجب أخذها بعين الاعتبار وفقًا لهذه النتائج، أُولاها أن التعامل مع الحيوانات الأليفة يجب أن يتم بحرص شديد، ووفقًا لاشتراطات السلامة، وأبرزها غسل اليدين جيدًا بالماء والصابون بعد ملامسة الحيوانات لمنع انتقال البكتيريا؛ لأن هذه الحيوانات وإن كانت سليمة بدنيًّا وليست مصابة بأمراض، إلا أنها يمكن أن تحمل جينات مقاوِمة للمضادات الحيوية، ويمكن أن تنتقل إلى البشر.

وتابع: "ليس ذلك وحسب، لكن تلك الجينات المقاومة للعقاقير يمكن أن تنتقل من بكتيريا أخرى غير التي انتقلت عن طريق الكلاب، على سبيل المثال لو انتقلت بكتيريا الإيشيريشيا القولونية من الكلاب إلى الإنسان، وأصيب الإنسان في الوقت نفسه ببكتيريا أخرى مثل السالمونيلا، فإن المادة الوراثية للبكتيريا يختلط بعضها مع بعض وتشكل بكتيريا أخرى ذات خطر على الإنسان، كان من الممكن علاجها بسهولة، لو لم تنتقل إليه جينات مقاوِمة من الحيوانات.

وأشار إلى أن ذلك يترتب عليه أنه لو أصيب الإنسان بالتهاب اللوز مثلًا، فإن مضادًّا حيويًّا بسيطًا يمكن أن يعالجه، لكن لو أصيب بعدوى بكتيرية أخرى انتقلت إليه من حيوان أليف على سبيل المثال، فإن التهاب اللوز لا تُجدي معه المضادات الحيوية التقليدية، لكن يحتاج إلى مضادات حيوية أقوى، ومن ثم تتفاقم المشكلة.

في حين طالب "داوود" وزارة الصحة المصرية بوضع خطة محكمة للسيطرة على عشوائية تداول المضادات الحيوية واستخدامها في مصر، تجبر الصيدليات على عدم صرف المضادات الحيوية للجمهور دون "روشتة" معتمدة من الطبيب، كما نصح الأطباء بعدم صرف المضادات الحيوية دون إجراء اختبار مزرعة البول أو البراز للمريض، وذلك للكشف عن نوع البكتيريا المسبّبة للعدوى، وبالتالي اختبار المضاد الحيوي المناسب لها؛ كي يصبح العلاج فعالًا وغير ضار.

وطالب أيضًا بوضع نظام للتحكم بالعدوى في المستشفيات، عبر التخلُّص من النفايات الطبية بالطريقة السليمة، وعدم وضعها في سلة المهملات مع القمامة؛ لأن هذا يتسبب في انتقال العدوى إلى جامعي القمامة، وضرورة مسح مقابض الأبواب وجوانب الكراسي التي يلامسها البشر، بالكحول، لقتل العدوى البكتيرية التي يمكن أن تنتقل عبر الأسطح المعدنية، وضرورة الحفاظ على نظافة المستشفيات.

 ووفقًا لتقرير جديد، فإن البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية يمكن أن تسبب 300 مليون حالة وفاة مبكرة، وخسارة تصل إلى 100 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2050.

وتوقع التقرير أن يكون الناتج المحلي الإجمالي في العالم أصغر بنسبة 0.5٪ في 2020 وأقل بنسبة 1.4٪ بحلول 2030، بالإضافة إلى وقوع أكثر من 100 مليون حالة وفاة مبكرة، نتيجة مقاومة البكتيريا للعقاقير.