في الرياضات الجماعية ككرة القدم، دائمًا ما يتوج تعزيز روح الفريق الواحد والالتزام بالعمل الجماعي بالفوز في المنافسات، وعلى ما يبدو فإن هذه القاعدة تنطبق أيضًا على الخلايا البشرية التي تتعاضد معًا وتعمل بروح الفريق الواحد لحمايتنا من الأمراض القاتلة، ويتعرض الإنسان باستمرار لعدد لا يحصى من العوامل الضارة بالحمض النووي (DNA) التي يمكن أن تؤثر على صحته، لكن خلايا الجسم تقوم بدور بطولي لإصلاح هذا الضرر، إذ تمتلك أجسامنا أنظمةً معقّدة لتنظيم حمضنا النووي بشكل صحيح، ومنها أن كل خلية جديدة تحصل على نسخة كاملة غير متغيرة.

ولكن إذا فشل هذا النظام في مهمته لأي سبب، تحدث أخطاء في تسلسل الحمض النووي تسمى "الطفرات"، تنجم عنها مشكلات صحية خطيرة، إذ يؤدي تعطيل مسارات إصلاح الـDNA أو تحريرها إلى إلحاق الضرر بالجينوم والإصابة بالأمراض، في أثناء العمل على فهم أفضل لهذه العملية المعقَّدة، اكتشف فريق بحثي بريطاني يقوده البروفيسور المصري شريف الخميسي -أستاذ الطب الجيني، ورئيس قسم الأبحاث بجامعة شيفيلد في المملكة المتحدة- مسارًا جديدًا للعلاج الجيني، كشف عن آلية تنظيمية مهمة للحفاظ على صحة الجينوم.

وأوضح الباحثون في دراستهم المنشورة في العدد الأخير من دورية نيتشر كومينيكيشن (Nature Communications) أن هذا المسار الجديد له القدرة على حمايتنا من الأمراض الخطيرة مثل السرطان والخرف، ويوفر فرصًا علاجيةً جديدةً لها.

ويُمثّل السرطان والتنكس العصبي أو الخرف تحديان صحيان رئيسيان، يؤثران حاليًّا على حياة أعداد كبيرة من سكان العالم، ويمثلان وجهين لعملة واحدة، إذ ينتج السرطان عن تكاثر الخلايا غير المنضبطة بسبب تلف الجينوم، أما الخرَف فينتج عن تلف الجينوم المفرط الذي يتسبب في موت الخلايا.

فريق واحد

وعن أصل المشكلة، أوضح الباحثون أن الخلايا عندما تقرأ الحمض النووي (DNA) لبناء البروتينات، فإنها قد ترتكب أخطاءً يمكن أن تُلحق الضرر بجينومنا البشري، وتسبب أمراضًا مثل السرطان والخرف.

 بحث الفريق آلية إصلاح الخلايا للضرر الواقع في الحمض النووي، إذ أجرى مجموعةً من التجارب على خلايا سرطانية وأخرى سليمة، ليكتشف فوائد 3 بروتينات تعمل معًا كفريق واحد لإصلاح هذا الضرر.

وأوضح الباحثون أن البروتينات الثلاثة، المسماة (USP11) و(KEAP1) و(SETX) تتلقى تعليمات من مدربها لتوجيه وظيفتها في المكان والزمان بتناغم ملحوظ -مثلما يحدث في كرة القدم- للحفاظ على صحة الحمض النووي لدينا وسلامته.

وعن أهمية هذا الاكتشاف، يقول شريف الخميسي لـ"للعلم": إنه من خلال فهم كيفية حماية الخلايا لنفسها من هذه الأخطاء، وبالتالي منع الأمراض، يستطيع العلماء تعديل سلوك هذه البروتينات لتعزيز صحة الناس، ويضيف أن نتائج الدراسة ستمكّن العلماء من تطوير الاختبارات التشخيصية والأدوية لاستهداف واحد أو أكثر من البروتينات الثلاثة، للكشف المبكر عن أنواع معينة من السرطان والأمراض العصبية، ومن المتوقع أن يؤدي تنظيم مستويات واحد أو أكثر من هذه البروتينات إلى فتح الباب لتطويرعلاجات جديدة للسرطان والخرَف.

Credit: Sherif F. El-Khamisy الخميسي وسط فريق من الباحثين من جامعة شيفيلد في المملكة المتحدة

(R-loops)

ويُعتبر مصطلح الحمض النووي شاملًا للحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA)، الذي يتألف من شريط مزدوج من خيطين متداخلين من المواد الجينية، أما الحمض النووي الريبوزي (RNA) فيتألف غالبًا من خيط واحد، لكن هناك نوعًا من المادة الوراثية يتألف من خليط بين الـ(DNA) و(RNA) ويتكون من 3 شرائط متداخلة يسمى (DNA:RNA hybrids) أو (R-loops)، وهي بنية حمض نووي ثلاثي الخيوط المجدولة.

وأوضح "الخميسي" أن الدراسة ركزت بشكل أساسي على الـ(R-loops)، وهو نوع شائع من المادة الوراثية وأحد المصادر الشائعة أيضًا لحدوث أضرار في المادة الوراثية لأجسامنا، لأن أحد أجزائه يكون مكشوفًا ولا تتوافر له الحماية، وبالتالي يكون معرضًا للاصطدام بمكونات الخلية فيصاب بالضرر.

وأضاف أن الجسم لديه آلية طبيعية لإصلاح الضرر الذي يصيب الـ(R-loops) عبر مجموعة من الإنزيمات التي تقوم بفك الترابط بين الشرائط الثلاثة في الـ(R-loops)، وبالتالي يوقف الضرر الذي يمكن أن يحدث في الحمض النووي، وبعض هذه الإنزيمات كان معروفًا من قبل، لكن تظل الآلية التنظيمية لها غير معروفة، ومنها "سيناتاكسين" (SETX)، وهو لاعب رئيسي في إصلاح الضرر الذي يصيب الحمض النووي عبر فك تشابك الشرائط المترابطة في الـ(R-loops) مع الحفاظ على سلامة كل شريط من الأضرار التي قد تنتج عن فك هذا التشابك، ويعاونه في الفريق كلٌّ من (USP11) و(KEAP1).

مسار جديد

وتابع "الخميسي" أن فريق البحث اكتشف مسارًا جديدًا يتم من خلاله التحكم في زيادة مستويات إنزيم الـ"سيناتاكسين" أو تقليلها، هذا المسار يتم عبر "يوبيكويتين" (Ubiquitin)، وهو عبارة عن جزيء تنظيمي صغير الحجم، يوضع على بروتين، ويعمل كإشارة للخلية للتخلص من هذا البروتين، إذ اكتشفنا الإنزيم الذي يضع "يوبيكويتين" على الـ"سيناتاكسين" وهو (KEAP1)، كما اكتشفنا الإنزيم الذي يزيله وهو (USP11).

وواصل حديثه: "من خلال هذه المعرفة، التي توصلنا إليها لأول مرة حول هذه الآلية، يمكننا زيادة مستويات "سيناتاكسين" أو تقليلها عبر تطوير أدوية مخصصة لهذا الغرض، فإذا وضعنا الـ"يوبيكويتين" بكميات كبيرة فإنه يقوم بتكسير إنزيم "سيناتاكسين" ولا توجد كميات كافية منه لإصلاح الضرر الذي يصيب الـ(R-loops)، ويمكن عكس هذه الخطوة عبر تقليل كميات الـ"يوبيكويتين" الذي يقوم بدوره بزيادة الإنزيم الذي يصلح الضرر".

وأشار "الخميسي" إلى أن الضرر الذي يصيب الـ(R-loops) يحدث بشكل طبيعي ومستمر في جميع الأعمار، لكن إذا لم تعمل آلية إصلاح هذا الضرر بالشكل السليم، وبالتالي زاد الضرر بشكل مفرط، فإنه يتسبب في حدوث أمراض عصبية، أبرزها التصلب الجانبي الضموري (ALS) والاختلاج الحركي (Ataxia) الذي يُفقد الإنسان القدرة على التحكم في العضلات، وبالتالي فإن فهم هذه الآلية يُسهم في إيجاد أدوية فعالة تنظم هذه العملية وتقلل مستوى تلف الجينوم، والتوصل إلى علاج فعال للاضطرابات الأخرى المرتبطة بالشيخوخة مثل الخرف.

وهناك فائدة أخرى شديدة الأهمية، تترتب على فهم تلك الآلية -وفق "الخميسي"- وهي استخدامها في قتل الخلايا السرطانية، عبر زيادة الـ(R-loops) بشكل حاد لإلحاق الضرر بها وقتلها.

من جانبه، أشاد أحمد مصطفى -أستاذ المعلوماتية الحيوية وعلم الجينوم في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- بالتجارب الدقيقة والمصممة بعناية، التي أجراها الفريق لاستنباط التنسيق الذي يحدث بين البروتينات الثلاثة بشكل طبيعي في الجسم لإصلاح أضرار المادة الوراثية.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن التجارب كشفت مدى التناغم الذي يحدث بين بروتينات (USP11) و(KEAP1) و(SETX) لأداء دورها الفعال في تنظيم بنية الـ(R-loops) وتثبيتها.

وأوضح "مصطفى" أن هذه النتائج تلقي الضوء على دور جديد وحاسم لهذه البروتينات الثلاثة، وإمكانية استهدافها المحتمل، لاكتشاف أدوية فعالة لعلاج السرطان والأمراض العصبية وتطويرها.

Credit: Sherif F. El-Khamisy الخميسي وسط فريق من الباحثين في زويل للعلوم والتكنولوجيا

نقطة التقاء

محمد سلامة -الأستاذ المشارك في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- وصف نتائج الدراسة بـ"الرائعة"؛ لأنها حددت بشكل عملي نقطة الالتقاء بين السرطان والأمراض العصبية، من حيث آلية الحدوث وإمكانيات العلاج.

وأضاف لـ"للعلم" أن الضرر الذي يصيب الحمض النووي وتنجم عنه أمراضٌ عصبية، وكذلك النمو غير المتحكم فيه الذي يحدث في الخلايا السرطانية، مشكلتان يسيران سيرًا متوازيًا، وما يميز الدراسة أنها حددت نقطة التقاء هاتين المشكلتين، وحددت الآلية التي يمكن من خلالها التحكم فيهما، وإذا نجح الفريق في إيجاد علاج فعال يتحكم في هذه الآلية فإنه يضرب بذلك عصفورين بحجر واحد لعلاج مجموعة من الأمراض العصبية والسرطانية.

وأوضح أن هذه النتائج تعضد فكرة إنتاج دواء يمكن توجيهه لعلاج عدد من الأمراض التي تتقاطع معًا في مسارٍ واحد، وليس دواءً واحدًا لكل مرض على حدة كما يحدث حاليًّا.

وأشار إلى أن ما يميز الدراسة أيضًا أنها ركّزت على آلية حدوث المرض، قبل تطوير دواء موجه يستهدف بشكل دقيق للغاية هذه الآلية التي تحدث بشكل طبيعي في الجسم، وبالتالي فإن الدواء الذي يطمح الفريق إلى تطويره لا يركز على تقليل أعراض المرض، لكنه يهدف إلى علاج فعال للمشكلة من جذورها، وهو أمر نفتقده حاليًّا في أدوية الأمراض العصبية والسرطان.

في المقابل، تحدث "الخميسي" عن الخطوة التالية، مؤكدًا أن هذه النتائج تعتبر بداية الطريق، ويعمل الفريق الآن على تطوير بعض الأدوية التي يمكن أن تثبط عمل إنزيم (USP11)، وبالتالي تتيح التحكم في زيادة الـ(R-loops) في الخلايا أو تقليلها، ومن المقرر أن تُختبر هذه الأدوية على خلايا بشرية في المعمل، قبل إجراء التجارب ما قبل السريرية على الفئران، وهي خطوة تسبق التجارب السريرية على البشر.