بالتزامن مع عصر انقراض الديناصورات نتيجة ارتطام نيزك بالأرض قبل 66 مليون سنة مضت- نهاية العصر الكريتاسي- حدثت موجة انقراض هائلة شملت معظم الكائنات الحية التي عاشت على سطح الكوكب آنذاك، ومن بينها الأسماك والكائنات البحرية.

أحد أبرز الأسماك التي شملتها موجة الانقراض تلك، كانت فصيلة نادرة من الأسماك تسمى "البكنودونت" (Pycnodont)، وهي فصيلة منقرضة من الأسماك العظمية متوسطة الحجم، ذات جسم مضغوط أفقيًّا ومخطط دائري تقريبًا، بدأت بالظهور خلال العصر الترياسي المتأخر (منذ حوالي 200 مليون سنة) وانقرضت تمامًا في أثناء العصر الإيوسيني العلوي، فكان آخر ظهور لها منذ حوالي 39 مليون سنة مضت.

وخلال فترة ازدهارها، استعمرت تلك الأسماك جميع مياه الكوكب تقريبًا، وخاصةً المناطق الاستوائية، واستطاع علماء الحفريات تحديد نحو 57 جنسًا على الأقل لهذه الأسماك في أواخر العصر الطباشيري، لكن بالتزامن مع انقراض الديناصورات تقلصت أعدادها، واقتصر وجودها على البحر التيثي (Tethys Sea)، وهو بحر قديم كان يفصل بين القارات خلال هذه الحقبة من عُمر الأرض.

ورغم اكتشاف العديد من الحفريات لهذه السمكة حول العالم، إلا أن مصر ومنطقة شمال أفريقيا تعاني ندرةً شديدةً فيما يتعلق بالعثور على بقاياها، خاصةً تلك التي تنتمي إلى أواخر العصر الكريتاسي.

ونجح فريق بحثي من جامعة الوادي الجديد -بقيادة عبد العزيز طنطاوي، رئيس جامعة الوادي الجديد- في تسجيل جنس جديد من هذه الأسماك المنقرضة، عاش في مصر قبل نحو 65 مليون سنة.

وأوضح الباحثون في دراستهم المنشورة في العدد الأخير من دورية "هيستوريكال بيولوجي" (Historical Biology)، أن الجنس الجديد من أسماك "البكنودونت" أُطلِقَ عليه اسم (Diastemapycnodus tavernensis)، وعُثر على بقاياه في الداخلة بالصحراء الغربية في مصر.

جبيلي عبد المقصود -أستاذ الحفريات الفقارية المساعد، ومدير مركز الحفريات الفقارية بجامعة الوادي الجديد، والباحث الرئيسي للدراسة- يقول: إن الحفرية الجديدة هي أول اكتشاف لحفرية من أسماك "البكنودونت" في أواخر العصر الكريتاسي في مصر، أي منذ حوالي 65 مليون سنة، كما أنها تُعد الاكتشاف الأول لهذه الأسماك في الصحراء الغربية.

وأضاف -في حديث لـ"للعلم"- أن هذه الأسماك تتميز بتنوعها الكبير، لكن الجنس الجديد المكتشَف يتميز عن غيره من الأجناس المُكتشفة حول العالم بوجود مسافات بينية بين بعض الأسنان وبعض، كما يتميز بوجود أسنان دائرية ومُفلطحة، وهذا يجعله الأول على مستوى العالم الذي يُكتشف بهذا الشكل، إذ إن أسنان الحفريات المُكتشَفة من قبل كانت مصفوفة بعضها بجوار بعض دون مسافات بينية، وسُجل هذا الاكتشاف في دورية (Q1) العلمية، وتُعد من أهم الدوريات الدولية المتخصصة في علم الأحياء القديمة.

بعض أفراد الفريق البحثي في أثناء عمليات التنقيب السطحي بالصحراء الغربية  Credit: Gebely Abdelmaksoud Abu El-Kheir

أسماك "البكنودونت"

"البكنودونت" هي سلسلة من أسماك (Neopterygii) المنقرضة التي تتميز بأسنانها القوية والمُرتَّبة في عدة صفوف أسنان على الرصيف السني، وبأجسامها المضغوطة جانبيًّا والزعانف غير المتجانسة، ويتضح من أسنانها التي تشبه الشفرة مع حواف القطع الحادة المناسبة للثَّقب والتمزيق أنها كانت تتغذى على الأصداف والأسماك الأخرى.

هذه الأسماك سُميت بذلك نسبةً إلى نوع من أنواع الأصداف (المحار) التي كانت موجودة بغزارة في المياه العذبة والمالحة خلال نهاية العصر الكريتاسي وتسمى "بكنودونت"، وتسمى أيضًا الأسماك آكلة الأصداف، وفق ما صرّح به وليد جمال كساب، أستاذ الطبقات والحفريات المساعد بقسم الجيولوجيا في كلية العلوم بجامعة القاهرة لـ"للعلم".

أما محمد قرني -أستاذ مساعد بقسم الجيولوجيا، ومدير معمل الحفريات بجامعة القاهرة- فيقول في حديث لـ"للعلم": إن التسمية التي أطلقها الفريق على هذا الجنس الجديد (Diastemapycnodus tavernensis) لم تأتِ صُدفة؛ لأن الجزء الأول منها وهو (Diastema) جاء ليوضّح العلامة المميزة لهذا النوع من الأسماك وهي الفجوات الواضحة بين الأسنان في العينة، أما الجزء الثاني من الكلمة الأولى وهو (Pycnodus) فيشير إلى المجموعة التي تتبعها العينة من حيث التصنيف، في حين تُنسب الكلمة الثانية (Tavernensis) إلى العالِم البلجيكي لويس بول تافيرن، الذي عكف على اكتشاف الآلاف من هذه المجموعة من الأسماك في عشرين سنة ماضية.

وأضاف "قرني" أن هذا الكائن تم تعريفه في مصر وفقًا لـ6 عينات اكتُشفت من قبل وتعود إلى العصر الكريتاسي، إحداها ظهرت في الصحراء الشرقية وتحديدًا في منطقة السباعية بمدينة إدفو بأسوان، والثانية بجبل الضو بمنطقة السباعية أيضًا، والثالثة عينة أقدم من المكتشَفة حديثًا بمنطقة الصحراء الليبية (جزء من الصحراء الغربية المصرية)، بالإضافة إلى عينتين بمنطقة أبو رواش جنوبي الجيزة في 1908 و1914، وعينة في الواحات البحرية.

وتمثل العينة المُكتشفة أحدث ظهور لهذا النوع من الكائنات في نهاية حقبة العصر الكريتاسيّ، إذ كانت العينات المكتشَفة من قبل في مصر أقدم في العمر من هذه العينة ويعود بعضها إلى 90 مليون سنة مضت، وتأتي بعدها عينة أخرى مكتشفة في منطقة وادي الحيتان في الفيوم، لكنها تعود إلى عصر الإيوسين (56 إلى 34 مليون سنة مضت)، ويساعد الاكتشاف الجديد على سد الفجوة الزمنية المفقودة بين العصور المختلفة فيما يتعلق بوجود هذه الكائنات البحرية في مصر.

حجم الحفرية وتفاصيلها

والحفرية المُكتشفة عبارة عن جزء من أسنان الفك العلوي (تحت العظمة الأنفية) لهذه الأسماك التى كان حجمها لا يتعدى المتر، ورغم اكتشاف عدد من الحفريات لهذه الأسماك حول العالم، فإنها تظل من أنواع الحفريات النادرة، وتقتصر الحفريات المُكتشفة على أعداد بسيطة ومنفصلة من أسنان تلك الأسماك، لكن ما يميز الحفرية المُكتشفة في الداخلة أنها جزء متصل من أسنان الفك العلوي، وهي عينة كبيرة مقارنة بالعينات المكتشَفة من قبل، وفق "عبد المقصود".

أجزاء من الحفريات المكتشفة Credit: Gebely Abdelmaksoud Abu El-Kheir

ويشير إلى أن ما يميز هذا الاكتشاف أيضًا أنه يعتبر عينة أولية تسجل لأول مرة على المستوى العالمي كمرجع لهذا الجنس من الأسماك الذي يحمل صفات العينة نفسها، مضيفًا أن الاكتشاف الجديد صحح تصنيفًا خطأً وُضع في عام 1916 لحفرية من هذه الأسماك اكتُشفت في أمريكا، وبعد تسجيل الجنس الجديد في الدورية العلمية، تم تغيير اسم تصنيف الحفرية المكتشفة في أمريكا، ووُضعت في جنسها الصحيح، لتحمل الاسم نفسه الذي يحمله الجنس المُكتشَف في مصر.

كما يشير "كساب" إلى أن ما يميز الاكتشاف أنه كان متفردًا، سواء من ناحية الجنس الجديد الذي تم تحديده، أو شكل الأسنان أو المكان، إذ هي المرة الأولى التي تُكتشف فيها تلك الأسماك في الصحراء الغربية.

ويضيف أن الجزء المكتشف كان عبارة عن فك فيه 5 صفوف من الأسنان، مجموعها 22، وبينها 13 سنة كاملة تتضمن (طربوش الأسنان)، والباقي (9 أسنان) كانت جذورًا وبقايا للأسنان، ومن الناحية التشريحية للحفرية، فإن حجم الفك المُكتشَف يُعد أصغر مقارنةً بالحفريات المكتشَفة لهذا النوع من الأسماك من قبل، إذ يبلغ حوالي 5 سنتيمترات، في حين يبلغ متوسط حجم فك بعض الأنواع المُكتشفة من قبل 10 سنتيمترات، كما أن المسافات البينية بين الأسنان أكبر، وحجمها أيضًا أكبر، كما أنها بيضاوية الشكل، ورغم أن الفك كان صغيرًا، لكن أحجام الأسنان كانت كبيرة، مقارنةً بأسنان الأجناس الأخرى لهذه الأسماك، وهذه المواصفات جعلت هذا الجنس متفردًا بين الأجناس المكتشَفة من قبل، لذا استحق أن يصنف كنوع جديد.

وعن سبب عدم اكتشاف حفريات كاملة للأسماك، أفاد "كساب" أنه بالنسبة للحفريات الفقارية، فإن البحث عنها في طبقات الأرض يتركز دائمًا على جزءين أساسيين هما الرأس الذي يمثل نصف الهيكل أو العمود الفقري الذي يمثل النصف الآخر، وكلاهما يحمل بصمة خاصة يمكن من خلالها تحديد نوع الحفرية وجنسها، ويمثل الفك المكتشف للحفرية نصف الرأس، وكلما زاد حجم الجزء المكتشف من الحفرية استطاع الفريق تمييز الجنس والنوع بسهولة.

لكن في الوقت ذاته من الصعب للغاية العثور على هيكل كامل للأسماك، نظرًا إلى البيئة التي كانت تعيش فيها، وتعرُّض الهيكل للحركة الدائمة والمستمرة نتيجة تيارات المياه، خاصةً في وجود كائنات أخرى في المياه تتغذى على هذه الأسماك.

ملاحظة عينة بهذا الحجم الصغير للغاية في طبقات الجبل يدل على دقة ومهارة فريق البحث في التنقيب، وملاحظة أدق التفاصيل في أثناء البحث، ومكوثهم لفترات طويلة في الجبال للعثور على مثل هذه العينات الدقيقة واستخراجها بنجاح، كما تنم هذه المسألة عن دراية واسعة بجيولوجيا المنطقة التي أكدت أن الرواسب المصاحبة لهذا الكائن هي رواسب معتمدة على البحر أو البيئة البحرية، وفق "قرني".

من نقاط القوة أيضًا -وفق "قرني"- اعتماد فريق البحث على الأشعة المقطعية لفحص العينة، واكتشاف وجود أسنان أخرى موجودة في سقف الحلق أو في منطقة عظمة الأنف، حيث عثر الفريق على بعض الآثار لأسنان أخرى كانت في طور الظهور، وهذه الأداة لجأ إليها العلماء في مصر مؤخرًا لتوصيف الحفريات الفقارية في حال سمحت العينة المكتشَفة بذلك، كما احتوت الدراسة على مقارنات لأنواع مختلفة من هذا الكائن، خاصةً مع عينة مكتشَفة في أمريكا، تنتمي إلى العصر الكريتاسي، شديدة الشبه بالعينة المُكتشفة.

ما يميز هذا البحث أيضًا أنه يقدم للعالم جنسًا جديدًا من الأسماك المنقرضة، وهو ما دفع إلى تغيير التسمية القديمة لأحد أنواع هذه الأسماك المكتشفة في أمريكا، وصُنف تحت مسمى النوع الجديد المُكتشف في مصر، وهذا يسد فجوةً كبيرةً كانت مفقودةً بالنسبة لعلماء الحفريات فيما يتعلق بهذا العصر في مصر ومنطقة شمال أفريقيا، وفق "قرني".

دلائل الاكتشاف

كما يشير "قرني" إلى أن هذا الاكتشاف يؤرخ لحقبة كانت تعتبر مفقودة وغير موجودة بالدرجة الكافية بالنسبة لهذا النوع من الأسماك في المنطقة، وكان هذا النوع معاصرًا لكائنات أخرى، منها السحالي البحرية.

ويضيف أن هذا الكشف يُعد دليلاً قاطعًا على أن منطقة جنوب الصحراء الغربية في مصر وتحديدًا مكون الداخلة، كانت في نهايات حقبة العصر الكريتاسيّ (بين 75- 65 مليون سنة مضت) عبارة عن بحر في ذلك الوقت، لوجود هذه السمكة المفترسة.

ووافقه الرأي "عبد المقصود"، الذى أكد أن وجود حفرية لهذا النوع من الأسماك في الصحراء الغربية يُدلّل على أن البحر التيثي كان يغطي معظم الصحراء الغربية، وخاصةً منطقة منخفض الداخلة التي كانت بحرًا زاخرًا بكميات كبيرة للغاية من الزواحف والأسماك البحرية، لانخفاض عمق المياه فيها نوعًا ما باعتبارها منطقةً معزولة، مقارنة بالبحر الواسع والعميق في مناطق أخرى، وكانت الأمواج فيها هادئة، وفيها وفرة من الغذاء، ذلك جعلها بيئةً ملائمةً لعيش هذا النوع من الأسماك.

ويضيف أن المنطقة التي اكتُشفت فيها الحفرية كانت قرب شاطئية ولها مصدر مياه عذبة جاء من الجنوب، لتمتزج المياه العذبة بالمالحة في البحر، وتخلق وفرةً كبيرةً في الغذاء، جذبت عددًا هائلًا من الأسماك والكائنات البحرية إلى هذه المنطقة، ما جعلها ملتقىً لعدد هائل ومتنوع من الكائنات البحرية من المحيط العميق إلى هذه المنطقة قرب الشاطئية التي تتميز بهدوئها وملاءمتها لمعيشة تلك الكائنات. 

ورأى أن هذا الاكتشاف يعظم من أهمية مصر بالنسبة لقارة أفريقيا، ويسد فجوة زمنية كبيرة كانت مفقودة، لعدم توافر سجل كافٍ لحفريات الأحياء المائية التي تنتمي إلى العصر الكريتاسي، ووجود اكتشاف بهذا الحجم في مصر سيعظِّم من أهميتها، باعتبارها مرجعًا دوليًّا لهذا الجنس الجديد، كما يعطينا دلائل مهمة حول خريطة توزيع هذه الأسماك في قارة أفريقيا.

كما أن هذا الاكتشاف يدل عن أن مصر تعتبر إحدى حلقات الوصل لتطور هذه الأسماك من جنس إلى آخر، إذ تميزت عن غيرها من الدول باستمرارية وجود هذا النوع من الأسماك وتطوره، لاكتشاف حفريات تنتمي إلى عصور وأزمنة مختلفة، ومنها اكتشافات سابقة لحفريات في مناطق بالقصير، وفي جبل الضو في القصير، والواحات البحرية يعود تاريخها إلى 90 مليون سنة، بالإضافة إلى حفرية أخرى مكتشَفة في الفيوم من العصر الإيوسيني العلوي ويعود تاريخها إلى 39 مليون سنة مضت.

إن توقيت الاكتشاف مهمٌّ للغاية، وفق "عبد المقصود"؛ لأن هذا النوع من الأسماك كان يوجد بوفرة كبيرة حول العالم خلال العصر الترياسي، أي قبل 200 مليون سنة، لكن أعدادها انخفضت بقوة خلال نهاية الكريتاسي قبل 66 مليون سنة مضت، والحفرية المكتشفة تعتبر نادرة، لانخفاض أعداد هذا النوع من الأسماك في ذلك الوقت، ووجودها في منطقة الداخلة قبل 66 مليون سنة يدل على أن هذه الأسماك كانت لا تزال تنتشر حول العالم لكن بأعداد قليلة للغاية، كما يؤكد أيضًا استمرار هذا النوع في التطور والهجرة عبر المحيطات رغم انخفاض أعدادها، بدليل اكتشاف هذا الجنس الجديد من أسماك "البكنودونت" في الداخلة.

اكتشاف أنواع جديدة من تلك الحفريات في الصحراء الغربية، يدُل أيضًا على أن هذه المنطقة ما زالت كنزًا مدفونًا يُخبئ الكثير من الحفريات المهمة والمتميزة، وكل كشف يتم فيها يعتبر كشفًا دوليًّا مهمًّا، ومحورًا رئيسيًّا لرصد تنوُّع الأحياء المائية والبرية في قارة أفريقيا خلال العصر الكريتاسي وحقبة الحياة المتوسطة في عصر الديناصورات التي كانت تسيطر على الحياة البرية في ذلك الوقت الذي كانت تعيش فيه هذه الأسماك، بالإضافة إلى وجود عدد هائل من الزواحف الضخمة التي تتغذى على هذه الأسماك وغيرها، مثل البليزوصور وهو نوع من الزواحف البحرية الضارية، والموزاصور وهو نوع من السحالي المائية المنقرضة آكلة اللحوم، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الأسماك العظمية، وفق "عبد المقصود".