قبل 65 مليون سنة من الآن بدأ عصر الحياة الحديثة، الذي أتاح الفرصة للثدييات لتهيمن على الحياة على هذا الكوكب، بعد موجة انقراض هائلة قضت على أكثر من ثلاثة أرباع أشكال الحياة، ومن ضمنها الديناصورات والزواحف البحرية الضخمة.

وشهد العصر الإيوسيني (حقبة جيولوجية استمرت من 56 إلى 34 مليون سنة مضت، وهي إحدى أطول فترات عصر الحياة الحديثة) وفرةً واسعةً من أشكال الثدييات التي هيمنت على الحياة على الأرض، ومنها الزواحف والطيور والأسماك واللافقاريات.

وكان لمنخفض الفيوم -الواقع جنوب غرب دلتا نهر النيل في مصر- نصيب الأسد من فك رموز هذه الحقبة الجيولوجية، إذ يُعرف بأنه من أهم مناطق تجمعات فقاريات العصر الإيوسيني في أفريقيا، إذ جرى العثور فيه على حفريات متنوعة لأسماك وسلاحف وثعابين بحرية، خاصةً منطقة وادي الحيتان التي تشتهر بحفريات وهياكل متحجرة لحيتان كانت تعج بها المنطقة قبل 40 مليون سنة.

وبالتوازي مع الحيتان والأسماك، شهد العالم خلال العصر الإيوسيني تنوعًا هائلًا وانتشارًا للحرشفيات (Squamata) (هي رتبة حيوانية تتبع طائفة الزواحف، ويغطي جلدها حراشف تتجدد بشكل دوري، وتقسم إلى مجموعتين هما: السحالي والحيّات)، ورغم ذلك، لا يُعرف الكثير عن تطورها المُبّكر في أفريقيا، بسبب ندرة حفرياتها المُكتشَفة من القارة السمراء ومنخفض الفيوم خلال العصر الباليوجيني، وهو أول العصور الثلاثة لحقبة الحياة الحديثة، والذي امتد من 66 إلى 23 مليون سنة مضت.

ولسد هذه الفجوة الزمنية، يبدو أن مفتاح السر وحل اللغز يأتي من منخفض الفيوم أيضًا، وتحديدًا في بركة قارون 2، حيث عثر فريق بحثي مصري من مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية -الذي أسسه هشام سلام، أستاذ الحفريات بالجامعة الأمريكية وجامعة المنصورة- على أقدم حفرية لأسلاف أفعى الكوبرا المصرية، يعود تاريخها إلى 37 مليون سنة.

وتسجل هذه الحفرية الجد الأكبر للثعابين الحديثة مثل الكوبرا والطريشة، أو الثعابين ذوات الأنياب في العموم، ويُعد هذا الثعبان هو أقدم سلف مكتشَف في مصر والقارة الأفريقية، أما مكان اكتشاف الحفرية فيُعَد الأقدم على الإطلاق في العالم بالهند، ويرجع تاريخها إلى 52 مليون سنة.

Credit: Marwa Ali EL-Hares عملية إحاطة عينات الدراسة بسترة من الجبس ومواد حافظة لنقله إلى المعمل بطريقة آمنة

وفي الدراسة المنشورة بالعدد الأخير من دورية (Journal of Vertebrate Paleontology) نجح الفريق في تسجيل نوع من السحالي بلا أرجل لأول مرة من العمر نفسه والمنطقة ذاتها في مصر، وتُعد الأكبر حجمًا على الإطلاق في العالم حتى الآن، وهو أول سجل لحفريات السحالي دودية الشكل (Amphisbaenia) التي تنتمي إلى العصر الباليوجيني في مصر.

ويُعرف عن هذا النوع من السحالي أنها عمياء، وتعيش دومًا تحت الأرض ولا تتحرك كثيرًا، وتعتمد بشكل كلي على فقرات الظهر للحركة، كما تعتمد في طعامها على التهام الحشرات التي تحفر تحت الأرض كالخنافس.

واحة الفيوم

ندرة الحفريات المكتشَفة للحرشفيات في واحة الفيوم دفعت الفريق إلى تكثيف بحثه الذي بدأ في 2018 بالتنقيب عن تلك الحفريات واستخراج عينات ذات صلة، وبعد العثور عليها عكف على دراستها بشكل دقيق إلى أن توصل إلى نتائجه.

تقول مروة الحارس، المعيد بقسم علم الحيوان بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية، وعضو فريق مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية والمؤلف الأول للدراسة: معظم الاكتشافات السابقة في الفيوم تركزت على الديناصورات والحيتان كبيرة الحجم، لكن ما يميز اكتشافنا أن الفريق عكف على البحث عن بقايات الحرشفيات، وهي مهمة صعبة للغاية؛ نظرًا لصغر حجم الحفريات ودقتها، وهو ما يحتاج إلى عين ثاقبة ويد ماهرة لاستخراجها من بين طبقات الأرض بنجاح.

Credit: Marwa Ali EL-Hares عًرف عن الباحثة المصرية مروة الحارس ولعها الشديد بالثعابين  

وعن طبيعة الاكتشاف، أوضحت لـ"للعلم" أن الحفريات كانت عبارة عن فقرة واحدة للسحلية عديمة الأطراف، بالإضافة إلى 7 فقرات للثعابين تنتمي إلى منطقتي الجذع والذيل، ويتراوح حجم الفقرات المُكتشفة بين ملليمترين إلى سنتيمتر واحد.

اكتشاف حفريات للحرشفيات في مصر يُعد أمًرا نادرًا للغاية، لأن حفريات الثعابين التي تنتمي إلى هذه الحقبة الزمنية موجودة بأعداد قليلة جدًّا، وهو ما يميز هذا البحث، وفق جبيلي عبد المقصود، أستاذ الحفريات الفقارية المساعد ومدير مركز الحفريات الفقارية بجامعة الوادي الجديد.

وفي تصريحاته لـ"للعلم"، أضاف أن موقع اكتشاف الحفريات الذي يقع شمال شرق بحيرة قارون في الفيوم يُعتبر من المواقع المتميزة جدًّا على مستوى العالم، وهو عبارة عن مصبات للأنهار داخل البحر، وهذا يعني أنه يُعد ملتقىً للحيوانات الأرضية والبحرية، وقد عُثر من قبل في هذا الموقع على حفريات متنوعة من الثدييات، وعلى رأسها حفرية لأقدم أسلاف القردة الموجودة على الأرض، بالإضافة إلى وجود بعض بقايا الثدييات العملاقة مثل الأفيال، ووجود كميات كبيرة من بعض بقايا الحيتان وعرائس البحر بالمنطقة.

"نحن المصريين محظوظون للغاية بوجود مكان كواحة الفيوم التي يُسجَّل فيها تاريخ مخلوقات وكائنات وحيوانات عاشت قبل ملايين السنين، وهو ما يميزها عن أي مكان آخر في أفريقيا والعالم"، وفق شروق الأشقر، الباحثة بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، ومسؤول الحفريات بجامعة المنصورة.

في تصريحات لـ"للعلم"، أضافت أن أهمية هذا البحث تكمن في أنه يسجل حفريات تُسجَّل في التاريخ لأول مرة، وترصد التاريخ التطوري للثعابين والوصول إلى نشأتها وتحديد أقدم عُمر مُسجَّل لها؛ إذ يحدثنا عن أنه كان لدينا في الفيوم منذ 37 مليون سنة، الجد الأكبر للكوبرا المصرية والطريشة المصرية ومعظم الثعابين الحديثة التي تعيش الآن.

إن تسجيل السحلية عديمة الأرجل الأضخم على وجه التاريخ، يُعَدُّ كشفًا مبهرًا، على حد تعبير "الأشقر"، وعند مقارنة هذه السحلية الضخمة بالسحالي التي تعيش الآن من الفصيلة ذاتها، تجد أن حجم سحلية الفيوم المكتشَفة يصل إلى ضِعف حجم مثيلاتها الموجودة حاليًّا، ولهذه الأسباب يُعَدُّ هذا البحث اللبنة الأساسية التي ستفتح آفاقًا جديدةً لفهم الحرشفيات من منظور تطوري أوضح.

تخصص وشغف

ورغم اقتصار الاكتشاف على فقرة عظمية واحدة للسحلية، إلا أن ما سهَّل على الفريق تحديد النوع والجنس، أن هذا النوع من السحالي يتمتع بوجود فقرات عظمية مميزة من حيث الشكل، قاعدتها مسطحة، وتتمتع بتشابك عصبي نصف دائري، مع غياب الشوكة العصبية.

هذا بالإضافة إلى أن تخصص "الحارس" في علم التشريح المقارن ساعدها في التعرُّف على نوع الحيوان المكتشَف عبر دراسات "المورفولوجيا"‏ أو علم التشكُّل، وهو علم يهتم بدراسة شكل الكائنات وبنيتها وخصائصها المميزة من ناحية المظهر الخارجي، وكذلك شكل وبنية الأجزاء الداخلية، مثل العظام والأعضاء، وكان ذلك مدفوعًا بشغفها وولعها بالزواحف والثعابين التي تربيها في منزلها.

ورغم أن هذه الدراسات ساعدت الفريق على تحديد نوع الحيوان الذي تنتمي إليه الفقرات المكتشفة سواء كانت ثعابين أو سحالي، لكن ما أخذ وقتًا أكبر -وفق تأكيد "الحارس"- هو تحديد النوع الذي ينتمي إليه هذا الثعبان أو السحلية المكتشفة.

وكشفت الدراسات أن سحلية الفيوم المُكتشَفة تتمتع بوجود نتوءات كبيرة في الفقرات، يلتحم بهذه النتوءات عضلات كبيرة وقوية تمكِّن السحلية من الحركة بسهولة في ظل عدم وجود أطراف تساعدها على الحركة.

وبمقارنة حجم الفقرة المكتشَفة للسحلية بأحجام أضخم السحالي عديمة الأطراف التي عاشت على وجه الأرض، تبيَّن للفريق أن سحلية الفيوم المصرية كانت الأضخم على الإطلاق، سواء على مستوى الحفريات المكتشَفة سابقًا أو الموجودة حاليًّا، بحجم قد يصل إلى ضِعف حجم سحالي البايبيدز الضخمة التي تعيش الآن في أفريقيا وآسيا.

وكان من بين فقرات الثعابين المكتشَفة أيضًا، فقرات ذيلية لم تُكتشف من قبل لثعبان الرنينوتت (Renenutet)، وسُمي هذا الثعبان على اسم رنينوتت إلهة التغذية والحصاد عند قدماء المصريين، والتي كان لها رأس كوبرا مصرية.

وتشير "الأشقر" إلى أن من مميزات البحث، أن الفريق تمكن من تسجيل حفريات جديدة لثعبان الرنينوتت، وفقرات لم تُكتشف من قبل لهذا النوع من الثعابين، وبعد مقارنة العينات الموجودة للنوع نفسه في الهند وناميبيا، يتضح لنا حدوث هجرةٍ ما للثعابين، من قارة آسيا وصولًا إلى أفريقيا، قاطعةً رحلةً طويلةً جدًّا.

في حين يؤكد "عبد المقصود" أن قلة الحفريات المكتشفة لم تمكِّن الفريق من اكتشاف تصنيفات جديدة للثعابين والسحالي؛ لأن هذا بطبيعة الحال يحتاج إلى بقايا بكميات أكبر، لكنها في الوقت ذاته كانت كفيلةً بتسجيل أقدم أسلاف الثعابين في مصر للمرة الأولى.

ويضيف أن البحث تركَّز بشكل كبير على التصنيف التي أجراه الفريق بشكل متميز، بالإضافة إلى التطرُّق إلى توزيع هذه الأنواع من الكائنات في أفريقيا، وهذه من نقاط التميز في الدراسة.

لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الفريق لم يتطرق إلى البيئة التي كانت تعيش فيها هذه الكائنات؛ نظرًا لقلة الحفائر المُكتشفة، فهذه العينات تكون صغيرةً للغاية، وليس من السهولة بمكان العثور عليها واكتشافها، وهذا أمر يدل على أن الفريق كان يعمل بدقة متناهية، للبحث عن هذه العينات واستخراجها، كما تميز بوضع وصف وتصنيف دقيقَين للفقرات المكتشفة.

ووافقته الرأي "الحارس"، مؤكدةً أن الفريق لم يستطع تحديد الطول الفعلي للثعبان المكتشَف، لأن الفقرات المكتشفة لا تمكِّنهم من ذلك، ويحتاجون إلى العثور على جمجمة وأكثر من فقرة متصلة، فالفقرات المكتشفة دلت فقط على نوعه والحقبة الزمنية التي عاش فيها، والعرض الذي يماثل حجم ثعبان الكوبرا المصرية الموجود حاليًّا، والذي لا يتعدى قطره العرضي 3 سنتيمترات، وفق "الحارس".

تصحيح مفاهيم

وجاء هذا الاكتشاف ليصحح كثيرًا من المعتقدات والمفاهيم السابقة، وفق "الحارث"، أولها أن الزواحف يصعب عليها الهجرة، لكن البحث يكشف أن هذه الزواحف استطاعت الهجرة بين آسيا وشمال أفريقيا خلال أوائل العصر الأيوسيني ومنتصفه، وامتد طريق الهجرة على طول الهامش الجنوبي لبحر تيثس (Tethyan)، وهو البحر القديم الذي كان يفصل بين القارات خلال العصور المختلفة من عمر الأرض، وكان موقعه غير ثابت؛ إذ كان يتغير تبعًا لحركة القارات.

وجاءت النتائج لتؤكد أيضًا أن الثعابين الحديثة وأبرزها الكوبرا لا يعود تاريخ وجودها في مصر إلى عصر قدماء المصريين كما كان يُعتقد، بل توجد في مصر منذ 37 مليون سنة، أي قبل وجود البشر من الأساس، وهكذا السحالي عديمة الأطراف.

Credit: Marwa Ali EL-Hares الفقرات الذيلية لثعبان الرنينوتت وسمى هذا الثعبان على اسم رنينوتت إلهة التغذية والحصاد عند قدماء المصريين والتى كانت لها رأس كوبرا مصرية.

وعند دراسة طريق هجرة الثعابين من الهند إلى القارة الأفريقية ومصر، ومراجعة الاكتشافات التي سُجلت لهذا النوع من الثعابين، وجد الفريق أن هناك فريقًا بحثيًّا سجل اكتشاف حفرية لثعبان من هذه الفصيلة، وكان على طريق الهجرة نفسه، وتبيَّن أنه يعود إلى 50 مليون سنة مضت، أي أنه ثاني أقدم حفرية لثعبان الكوبرا في العالم بعد حفرية الهند، لكن بدراسة تفاصيل العينة المكتشفة في ناميبيا ومقارنتها بتلك المكتشَفة في مصر، وجد الفريق أن صفاتها التشريحية أكثر تطورًا من حفريات الثعابين المُكتشفة في مصر، وقدروا أن تاريخ عينة ناميبيا قد يعود إلى 23 مليون سنة.

الهجرة والمناخ

اهتمام فريق البحث بهذه النوعية من الحيوانات يأتي -وفق "الحارث"- لرصد طريق هجرة الزواحف من ذوات الدم البارد التي تتأثر بشدة بدرجات الحرارة والرطوبة، لدوافع في مقدمتها تغيُّر المناخ الذي يدفع هذه الحيوانات إلى التنقُّل والترحال، على عكس حيوانات أخرى مثل الثدييات ذات الدم الحار التي لا تتأثر كثيرًا بدرجات الحرارة، بل ربما كانت تهاجر للبحث عن الغذاء وليس فقط بسبب تغير المناخ.

وأضافت أن النتائج تدفعنا إلى مزيد من البحث، للكشف عن طريق هجرة هذه الحيوانات بالتفصيل، والدوافع الحقيقية التي أجبرتها على ترك بيئتها، وقطع آلاف الأميال للتنقل من قارة إلى أخرى.

وعن طبيعة الهجرة التي سلكتها هذه الزواحف، يقول "عبد المقصود": إن القارات كانت قديمًا في حركة مستمرة، ما سهل عملية التواصل فيما بين القارات، على عكس العزلة التي فرضتها الطبيعة حاليًّا بين قارتي أفريقيا وآسيا.

وخلال العصر الأيوسيني، كان هناك معبرٌ بري يربط بين القارات، وخاصة بين قارتي آسيا وأفريقيا، وكان من الممكن أن تحدث عمليات هجرة لعدد كبير من الزواحف والثدييات من قارة إلى أخرى عبر هذا المعبر، وكان ذلك موجودًا أيضًا بين قارتي أمريكا الجنوبية وأفريقيا منذ 70 مليون سنة.

أسباب الهجرة بين القارات تنوعت وفقًا للبيئة الملائمة للعيش وتوافر الغذاء، وفق "عبد المقصود"، وخلال العصر الإيوسيني كانت أفريقيا تتمتع بمناخ حار وملائم للعيش بالنسبة لعدد كبير من الثدييات والزواحف، خلافًا للقارات الأخرى التي كانت عبارة عن مناطق جليدية، ومثلت منطقة شمال أفريقيا التي تضم الآن المغرب والجزائر وليبيا ومصر والأردن إحدى أهم مناطق الجذب للثدييات وأسلاف الكائنات الدقيقة، وتميزت منطقة الفيوم على سبيل المثال باكتشاف 12 رتبةً من مجموع 28 رتبة على مستوى العالم للحفريات الفقارية، يليها المغرب الذي ينافس مصر بشدة في وجود أسلاف الحفريات الفقارية القديمة.