في دراسة حديثة، أثبت باحثون وجود بصمة كيميائية لمتلازمة التعب المزمن يمكن التعرف عليها من خلال دراسة تحليلية لبلازما الدم للنواتج الأيضية لبعض العمليات الحيوية في السيدات والرجال على حد سواء. وقد أظهرت الدراسة المنشورة بتاريخ 29 أغسطس 2016 في دورية  PNAS تحت عنوان «ملامح أيضية لمتلازمة التعب المزمن»، أن تلك المتلازمة تنتج عن اضطراب في العملية الأيضية بالجسم، إذ تؤثر على سبعة أنظمة حيوية، من بينها جهاز المناعة، والجهاز العصبي الذاتي، وبعض وظائف المخ.

وتُعَد متلازمة التعب المزمن -أو ما يسمى أحيانًا بالتهاب الدماغ المؤلم للعضلات- مرضًا عضويًّا خطيرًا ومزمنًا، يحد بشكل كبير من أنشطة المرضى المصابين به، وفق تعريف المعهد الطبي للأكاديميات الوطنية (IOM) بالولايات المتحدة، في تقريره الصادر حول إعادة تعريف المرض عام 2015.

ويعاني الأشخاص المصابون بمتلازمة التعب المزمن من التعب بشكل يومي، والذي لا ينتهي مع النوم أو الراحة، كما أنهم أيضًا قد يعانون آلامًا في العضلات وصعوبة في التركيز. وقد تسبب متلازمة التعب المزمن كذلك مرضًا وعجزًا مزمنًا، على الرغم من أن الكثير من المصابين يتحسنون مع مرور الوقت.

 العامل الأيضي

درس الباحثون 84 مريضًا، 95% منهم يعيشون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وجميعهم تنطبق عليهم أعراض المتلازمة التي حددها تقريرIOM ، والتي تتراوح بين اختلال في أداء الوظائف اليومية، وشعور بالتعب عقب القيام بأي مجهود، وتفاقم الأعراض بعد القيام بأي نشاط جسدي، أو فكري، أو عاطفي، مع عدم الإحساس بالراحة حتى بعد النوم.

وجدت الدراسة أنه باختلاف السبب المؤدي لإصابة الفرد بالمتلازمة -سواء كان ذلك سببًا بيولوجيًّا كإصابة فيروسية أو بكتيرية أو فطرية، أو التعرض لتركيزات عالية من المواد الكيماوية، أو التعرض لصدمة جسدية أو نفسية- فإن رد فعل الخلايا لكل تلك المؤثرات البيئية كان متجانسًا، أي أن استجابة الخلايا مع اختلاف المثير أو المسبب الخارجي هي ذاتها في كل مرة، ما يرجح كون السبب وراء المتلازمة هو العامل الأيضي.

فقد أظهر مرضى متلازمة التعب المزمن وجود شذوذ في 20 مادة أيضية من أصل 612 مادة جرت دراستها، وهو ما أطلق عليه الباحثون البصمة الكيميائية، والتى يصاحبها حدوث خمول أيضي ونقص في 80% من تلك المواد ومنها البيورين والدهون الفوسفورية واللاثوستيرول وغيرها من المواد اللازمة لعمليات حيوية تحدث داخل الخلية، وذلك عند تعرض الشخص لضغوط من البيئة المحيطة، متفقةً بذلك مع متلازمات نقص الأيض.

وعلق د. كينيث فريدمان -أستاذ علم العقاقير المساعد المتقاعد، كلية طب نيوجيرسي في الولايات المتحدة- على هذا الاستنتاج قائلًا: "إن علاقة متلازمة التعب المزمن بمتلازمة نقص الأيض التي تم طرحها بالدراسة، في حاجة إلى أن تُستكشَف وتُوضَّح بالكامل، ومن ثَم توضع في الإطار الصحيح".

وأوضح د. روبرت نافيواكس -أستاذ مقيم، قسم الطب بجامعة كاليفورنيا، سان دييجو في الولايات المتحدة، والباحث الرئيس بالدراسة- أنه لدى جميع الحيوانات طريقة في التعامل مع تغيرات ظروف البيئة المحيطة التي تهدد بقاءها. ووجد الباحثون أن البصمة الكيميائية لمتلازمة التعب المزمن شابهت البصمة التي تتركها مرحلة ديوار dauer، وهي مرحلة تدخل فيها الديدان الأسطوانية عند وجود ضغوط في البيئة المحيطة بها، مثل: ارتفاع درجة الحرارة، ونقص الأكسجين ونقص المواد الغذائية، والتي تمنع تلك الديدان من استكمال مراحل نموها، فتبدأ في وقف نموها عن طريق التقليل من نشاطها الأيضي؛ كى تتخطى مؤثرات البيئية القاسية التي قد تقضي على حياتها.

وجدت الدراسة أن كل الشذوذ الأيضي الذي جرى تحديده في المتلازمة كان ينظم مباشرة عن طريق عمليات الأكسدة والاختزال، أو بتوافر فوسفات ثنائي نوكليوتيد أدينين نيكوتيناميد (NADPH) وهو عامل مساعد في تفاعلات التمثيل الغذائي. وحددت الدراسة أنه من الممكن نظريًّا أن تدعم التحسينات الإضافية في إنتاج NADPH، والتي قد تغير جذريًّا في عملية التمثيل الغذائي اللازمة لتحويل مرحلة ديوار (الخمول) بمتلازمة التعب المزمن إلى الحالة الصحية الطبيعية، وذلك من خلال التدخلات التي تستهدف أيض حمض الفوليك، فيتامين B12، والجلايسين والسيرين، وفيتامين B6. إلا أن سلامة هذه التدخلات وفاعليتها لم يجرِ اختبارها في تجارب سريرية مصممة بدقة.

وعلق فريدمان موضحًا أن نتائج الدراسة متسقة مع ملحوظات سابقة حول نقص بعض المواد، وقد أضافت الدراسة مواد أخرى إلى القائمة. "لقد استطاع مقدمو الرعاية الصحية تحسين جودة الحياة لمرضى متلازمة التعب المزمن من خلال تزويد المرضى بمكملات غذائية تحتوي على تلك المواد،" واستطرد موضحًا أنه يجب تطوير آلية لنشر تقارير عن الحالات التي استخدمت تلك المكملات الغذائية، مع تعيين شخص ليراقب تلك المدونات والمواقع الإلكترونية، وعندما يصبح هناك حالات كافية يجب أن تُجمَع المعلومات وتُنشَر في ورقة بحثية للتأكد من مدى فاعلية تلك المكملات الغذائية في علاج المتلازمة.

كما اعترض فريدمان على العدد الصغير للمرضى الذين قامت عليهم الدراسة، وعلى كونهم ينتمون إلى المكان الجغرافي ذاته، قائلًا: "الدراسة في حاجة لأن تعاد مع عدد أكبر من المرضى من أماكن جغرافية متفاوتة قبل أن تُقبَل النتائج بشكل عالمي على جميع مرضى المتلازمة". وأضاف: "يجب أن تُعاد على الأطفال لتحديد إن كان نفس التغيير الأيضي أو تغيير مشابه له يحدث في الأطفال و/أو البالغين"، وهو ما نصحت به الدراسة كذلك.

وقد أكدت الدراسة أن العلاجات الفعالة لمتلازمة التعب المزمن حتى الآن تتحقق من خلال الحرص على الاهتمام بالتغذية، والأيض، والضغوط ومثيراتها، والنشاط البدني كمنظومة متكاملة، جنبًا إلى جنب مع فهم العمليات البيولوجية التى تقف وراء رد فعل الخلية على الأخطار التى تواجهها، وكذلك الدخول والخروج من مرحلة ديوار وإليها.

دراسات أخرى

ويختلف الباحثون حول كون المتلازمة مرضًا واحدًا أو مجموعة من الأمراض التي قد تكون لها أسباب مختلفة في مرضى مختلفين. فهي أحيانًا توصم بأنها أقرب إلى المرض العقلي منها إلى الجسدي.

وفي حين لا توجد إحصاءات للمرض في المنطقة العربية، تكشف أرقام خاصة به في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا أنه يؤثر على حياة ما يقرب من مليوني أمريكي و250 ألف بريطاني. وقد قُدر العبء الاقتصادي في الولايات المتحدة الذي يتسبب به المرض بحوالي 24 مليار دولار سنويًّا، وذلك بسبب عجز المرضى عن الإنتاج، بالإضافة إلى التكلفة الباهظة للتشخيص والتي قد تصل إلى 100 ألف دولار للمريض الواحد عبر سنين من البحث والتحاليل الطبية.

وربما كان هذا ما دفع معاهد الصحة الوطنية الأمريكية إلى بذل المزيد من الجهود للتعامل مع المتلازمة، إذ كانت قد أعلنت في التاسع والعشرين من أكتوبر 2015، أنها ستركز برنامجها البحثي الخاص بمرضى المتلازمة في المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية، وتشتمل خطط البرنامج على إجراء دراسة إكلينيكية بحرم المعهد ـالواقع في بيثيسدا بولاية ميريلاندـ على مرضى ظَهَرَ عليهم المرض بشكل مفاجئ، غالبًا نتيجة لعدوى، وفق ما ذكرته دورية نيتشر العلمية.

وكانت دراسة سابقة أجراها فريق بحثي من المعهد الوطني للسرطان بالولايات المتحدة، وجرى الكشف عن نتائجها عام 2009، قد بينت أن كثيرًا من المصابين بمتلازمة التعب المزمن كانوا مصابين بفيروس يُعرَف اختصارًا بـ"إكس إم آر في" ينحدر من مجموعة من الفيروسات التي تسبب سرطانًا في الفئران. وكشفت الدراسة عن أن 68 من 101 من المرضى المصابين بمتلازمة التعب المزمن، أو 67%، كانوا مصابين بالفيروس المذكور، مقارنة بـ3.7% من 218 شخصًا من الأصحاء. كما كشف المزيد من الفحص بعد نشر الدراسة أن الفيروس موجود في نحو 98% من نحو 300 مريض مصابين بالمتلازمة. واستنتجت الدراسة أن الفيروس يمكن أن يوجد في كل مريض مصاب بالمتلازمة، إذ يؤثر الفيروس في جهاز المناعة، ويمكن أن يسبب مجموعة من العلل، وقد ينضم إلى فيروسات أخرى ليسبب المتلازمة.

من جانب آخر، كشفت دراسة أجراها علماء في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، ونُشرت نتائجها العام الماضي في دورية التطورات العلمية، حدوث زيادة في مستوى الجزيئات المناعية المسماة "سيتوكين" عند المرضى المصابين بالمتلازمة خلال المراحل المبكرة من المرض.

وأجرى الفريق البحثي اختبارات على عينات دم من 300 مريض بمتلازمة التعب المزمن، وكذلك نحو 350 شخصًا من الأصحاء، إذ وجدوا نمطًا بعينه من الجزيئات المناعية في المرضى المصابين بالمرض منذ نحو ثلاث سنوات. ووُجد عند هؤلاء المرضى مستوى أعلى من الجزيئات المناعية المسماة السيتوكين، وخاصة نوع يسمى "إنترفيرون غاما"، وهو مرتبط بالتعب الذي يلي العديد من أنواع العدوى الفيروسية، أما الأشخاص الأصحاء والمرضى لأكثر من ثلاث سنوات فلم يظهر عندهم هذا النوع من الجزيئات.

بعض مَن يُعانون من هذه المتلازمة لا يعلمون أنهم مصابون بها، ولا يزال تشخيصها مثار جدل كبير بين الأطباء أنفسهم. ومن هنا تأتي أهمية الدراسة الأخيرة التى نجحت في الوصول إلى ما يُعرف بالبصمة الكيميائية لها.

يقول نافيواكس: "إن أحد الأسباب الرئيسية للدراسة الأخيرة هو إعطاء العلماء أداة جديدة لتحليل حالات الخمول الأيضي، ومراحل تطورها؛ حتى يستطيعوا دراسة مواضع التشابه والاختلاف، ومن ثَم يمكنهم تطوير علاج جديد"، وأوضح أن الهدف الرئيسي للدراسة لم يكن إيجاد علاج لها، وبالرغم من ذلك قد تكون بداية الخيط، مستكملًا حديثه لـ"للعِلم": "إن الدراسة التحليلية للنواتج الأيضية كشفت عن "نافذة جديدة" تطل على بيولوجيا متلازمة التعب المزمن، مما يعطينا الأمل في تطوير علاج فعال قريبًا، بعد أن يكون قد جرى اختباره جيدًا في تجارب سريرية محكمة".