قبل 66 مليون سنة، وتحديدًا بين حقبة الحياة الوسطى (عصر الزواحف الكبرى، وتضم ثلاثة عصور جيولوجية، هي: الترياسي والجوراسي والطباشيري) وحقبة الحياة الحديثة، حدثت موجة انقراض هائلة، قضت على أكثر من ثلاثة أرباع أشكال الحياة على الأرض، بما فيها الديناصورات والزواحف البحرية التي امتازت بضخامة حجمها.

ورغم نجاح العلم في توثيق هذه الفترة جيولوجيًّا، هناك فجوة زمنية في قارة أفريقيا تحديدًا، تصل إلى قرابة 30 مليون سنة في الفترة ما بين (94 - 66 مليون سنة) بنهاية العصر الطباشيري. وظلت تلك الفجوة لغزًا يستعصي على العلم.

وعلى مدى العقدين الماضيين كانت هناك محاولات علمية جادة لسد هذه الفجوة، لكن دون جدوى، إلى أن نجح فريق بحثي مصري في اكتشاف أول ديناصور في مصر وأفريقيا يوثق هذه الفترة ويسد تلك الفجوة.

وفي البحث المنشور في دورية "نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن" العلمية الشهيرة، اليوم الإثنين، جرت تسمية الديناصور المكتشف بمنطقة تنيدة بالواحات الداخلة بالصحراء الغربية المصرية، باسم "منصوراصورس" (Mansourasaurus) ويحمل الرقم العلمي (MUVP-200)، وتُعَدُّ الأحرف (MUVP) اختصارًا لاسم مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية باللغة الإنجليزية، نسبة إلى الجامعة التي ينتمي إليها الفريق البحثي الذي اكتشفه.

هشام سلام -الأستاذ المساعد في قسم الجيولوجيا بجامعة المنصورة، وقائد فريق البحث- قال إن هذا الديناصور هو الأول من نوعه في أفريقيا الذي يوثق آخر 30 مليون سنة من العصر الطباشيري الذي امتد في الفترة (منذ 135 إلى 65 مليون سنة)، وإن جميع الديناصورات المكتشَفة من قبل كانت تنتمي إلى عصر ما قبل السينوماني، وهي مرحلة في العصر الطباشيري المتأخر، تعود إلى أكثر من 95 مليون سنة مضت.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف سلام أن هذا الديناصور هو السادس المكتشَف في مصر، لكنه الأول في مصر وأفريقيا الذي يوثِّق تلك الحقبة الجيولوجية. ويُعَدُّ أكمل ديناصور مكتشف في أفريقيا لهذه الفترة، ويبلغ طوله 10 أمتار، ووزنه حوالي 5 أطنان، وعمره حوالي 75 مليون سنة، وجرى توثيق كل ما يتعلق به من معلومات، بناء على دراسات معمقة للخرائط الجيولوجية والحفريات الدقيقة المكتشَفة.

وأشار إلى أن وزن هذا الديناصور منخفض نسبيًّا، مقارنةً بالديناصورات النباتية العملاقة من نفس نوعه، التي عاشت في العصر الطباشيري، إذ كان وزنها يصل إلى 70 طنًّا. يفسر سلام ذلك بفرضية لم يتم تأكيدها بعد، وهي إصابة الديناصورات في هذه الفترة بالتقزُّم.

وأوضح أن هذه الفترة الزمنية تم توثيقها عبر اكتشاف حفريات لديناصورات في أوروبا وأمريكا الجنوبية والشمالية وآسيا وجزيرة مدغشقر، لكنها ظلت مستعصيةً على العلم في أفريقيا حتى تم العثور على هذا الديناصور في الواحات الداخلة بمصر، في شهر ديسمبر من عام 2013.

وأكد سلام أن "منصوراصورس" هو أول دليل في تاريخ العلم يثبت وجود اتصال قارتي أفريقيا وأوروبا جيولوجيًّا في هذه الحقبة الزمنية؛ إذ اكتشف فريق البحث وجودًا للديناصور المكتشف في أوروبا.

ووفق البحث، تشير العلاقة الوثيقة بين الديناصور المكتشف وأقربائه في أوروبا إلى أن الفقاريات الأرضية تشتتت وانتشرت بين أوراسيا وشمال أفريقيا بعد انفصال أفريقيا عن أمريكا الجنوبية قبل 100 مليون سنة.

وأشار سلام إلى أن الفريق ضم أكبر عدد من الباحثات، للمرة الأولى على مدار التاريخ في مصر والوطن العربي، لاكتشاف مثل هذا النوع من الحفريات التي تتطلب ظروف عمل قاسية قد تتطلب التخييم في الصحراء لأسابيع.

الأوحد والأكمل من زمنه

من جانبه، وصف محمد سامح -مدير إدارة الجيولوجيا والحفريات بقطاع حماية الطبيعة ونقطة الاتصال الوطنية لمواقع التراث الطبيعي العالمي بمنظمة اليونسكو- الاكتشافَ الجديد بأنه الأوحد والأكمل من زمنه في أفريقيا، مضيفًا أنه يُعَدُّ من الأبحاث الرائعة النادرة، التي تتحدث عن مولد نوع جديد وجنس جديد من الديناصورات.

وترجع أهمية "منصوراصورس"، وفق تصريح سامح لـ"للعلم"، إلى ثلاثة أسباب: أولها أنه يعطي إجابةً واضحة لحقبة زمنية امتدت 30 مليون سنة من العصر الطباشيري، وهو الاكتشاف الأول من نوعه فيما يُعرف بأفريقيا القديمة، التي تضم قارة أفريقيا ومنطقة شبه الجزيرة العربية.

وثاني الأسباب أن هذا الديناصور يقدم دليلاً على هجرة الكائنات الحية من أوروبا إلى أفريقيا والعكس، وذلك من خلال شجرة الأنساب التي كشفت أن "منصوراصورس" مرتبط بصلة قرابة بديناصورات أخرى في أوروبا، وأخيرًا أنه يُنسب إلى فريق مصري عربي.

وعن الفرق بين "منصوراصورس"، والديناصورات الخمسة التي اكتُشفت في مصر من قبل، قال سامح إن الأخير يمثل نوعًا جديدًا، وعمرًا جيولوجيًّا مكتشَفًا لأول مرة، كما أنه في عمر أحدث وأكثر تطورًا، إذ يعود تاريخه إلى ما بين 70 و80 مليون سنة، أما حفريات الواحات الخمس، فقد كان عمرها يعود إلى قرابة 90 إلى 100 مليون سنة.

بداية الاكتشاف

إيمان الداوودي -طالبة الماجستير في قسم الجيولوجيا بكلية العلوم، جامعة المنصورة، وأحد أعضاء فريق البحث- قالت إن الفريق كان يعمل على اكتشاف بقايا الديناصورات في الصحراء الغربية منذ 2008، إذ لم يكشف قبل هذا الديناصور إلا على بقايا صغيرة، عبارة عن فقرات أو أجزاء من هياكل عظمية.

وأضافت في حديث لـ"للعلم"، أن الديناصور المكتشَف عُثر عليه، بعد رحلة طويلة من البحث في المكاشف بالواحات الداخلة (عبارة عن طبقات من الصخور تحتفظ ببقايا تلك الكائنات)، وكان موجودًا في طبقة من صخور الطين تدعى (shale).

بعدها خيّم الفريق في الصحراء مدةَ 3 أسابيع في مكان الاكتشاف، بعد إحضار أدوات خاصة لاستخراج الهيكل العظمي وإجراء المعالجة اللازمة له باستخدام نوع من أنواع الصمغ، لينجح في استخراج أكمل حفرية لديناصور في مصر وأفريقيا تعود لهذه الحقبة.

وأشارت إلى أن الفريق ضم من جامعة المنصورة، بالإضافة إليها، وإلى هشام سلام، كلًّا من محمود قورة، أستاذ الحفريات والطبقات، وسناء السيد، المدرس المساعد بقسم الجيولوجيا، هذا بالإضافة إلى سارة صابر، المدرس المساعد بقسم الجيولوجيا في كلية العلوم بجامعة أسيوط، وكان على عاتق هذا الفريق مهمة اكتشاف الديناصور ومعالجته.

وشارك في الجزء البحثي من الدراسة كلٌّ من إريك جورساك من قسم العلوم البيولوجية في جامعة أوهايو الأمريكية، وباتريك م. أوكونور من متحف التاريخ الطبيعي بشيكاغو، وجوزيف جيه. دبليو سرتيش بقسم علوم الأرض في متحف التاريخ الطبيعي في دنفر، وإريك ر. سيفرت من قسم العلوم التشريحية التكاملي بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، وماثيو لامانا من متحف كارنيجي للتاريخ الطبيعي.