تمكَّن باحثون من مؤسسات دولية من تحديد المتغيرات الوراثية المرتبطة باضطراب "نقص الانتباه مع فرط النشاط" (ADHD)، وذلك من خلال دراسة تحليلية للجينوم، مما يبشر بتطوير علاج مستقبلي للمرض، سواء بالنسبة للأطفال أو الكبار.

الدراسة نشرتها دورية نيتشر جينيتكس (Nature Genetics)، وترأسَّها فريق بحثي من مشروع iPSYCH الدنماركي وجامعة "هارفارد و"معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" و"المستشفى العام في ماساتشوستس" وجامعة "صاني" الطبية بولاية نيويورك و"اتحاد الجينوم النفسي".

وتؤدي الجينات دورًا مهمًّا في الاضطرابات العقلية، ومنها نقص الانتباه وفرط الحركة، الذي تُعَدُّ العوامل الوراثية مسؤولةً عن احتمال الإصابة به بنسبة 75%.

وفحص الباحثون التغير الجيني عبر دراسة الجينوم الكامل لـ20,183 شخصًا مصابًا باضطراب "نقص الانتباه مع فرط النشاط"، وقارنوا بينهم وبين 35,191 شخصًا من الأصحاء، فوجدوا 12 موضعًا جينيًّا يرتبط بهذا المرض، وهي مواضع سبق أن أظهرت دراسات أخرى أنها ذات تأثير في الجهاز العصبي المركزي.

ومن خلال الترابط الجيني بين اضطراب "نقص الانتباه مع فرط النشاط" وأكثر من 200 مرض وصفة وراثية، وجد الباحثون أن 44 منها تتقاسم إشارات جينية مشتركة مع هذا الاضطراب، من بينها الاكتئاب الشديد وفقدان الشهية العصابي والأرق.

كما نجح الباحثون في تحديد الجينات التي تؤدي دورًا في تشكيل نقاط التشابك بين الوصلات العصبية وتطور الكلام والتعلم وتنظيم معدل إفراز الدوبامين في المخ.

يقول "أندرز بورجلام" –الباحث في جامعة آرهوس الدنماركية ورئيس الفريق البحثي- وفق البيان الصحفي المصاحب للدراسة: "إن المتغيرات الجينية نفسها التي تسبب الإصابة باضطراب "نقص الانتباه مع فرط النشاط" تؤثر على عدم التركيز والاندفاع لدى عامة الناس.

وتوضح "ديتي ديمونتس" -الأستاذ المساعد بجامعة "آرهوس"، والمشاركة في الدراسة-: "إن دراسة التداخل الجيني بين هذا المرض وغيره من الأمراض أظهرت علاقةً سلبيةً بينه وبين القدرة على التعلم؛ إذ إن المتغيرات الجينية المتوسطة التي تزيد من خطر اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه تؤثر أيضًا بشكل سلبي على التحصيل العلمي للأشخاص الذين يحملون هذه المتغيرات دون وجود اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط".

من جهته، يقول "ستيفن فاراوني" -نائب رئيس قسم أبحاث علم النفس بجامعة "صاني"، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "وجدنا ارتباطًا إيجابيًّا بين اضطراب "نقص الانتباه مع فرط النشاط" والسمنة وزيادة مؤشر كتلة الجسم والنوع الثاني من مرض السكري، وبالتالي فإن هذه المتغيرات مسؤولة أيضًا عن زيادة الوزن والإصابة بمرض السكري لدى عامة الناس".

يضيف "فاراوني": لقد وضعنا الأساس للعمل في المستقبل على معرفة كيفية اندماج المخاطر الوراثية مع المخاطر البيئية لإحداث اضطراب "فرط الحركة ونقص الانتباه"، وحينما تجتمع عناصر الصورة كاملة، سيتمكن الباحثون من تطوير تشخيص هذا المرض وعلاجه.

ويؤكد "فاراوني" أن الخطوة التالية للبحث هي جمع عينات أكثر، ربما تصل إلى ضِعف العدد الذي خضع للدراسة، وذلك خلال سنوات قليلة؛ بهدف اكتشاف مواضع جينية أكثر، وفهم بيولوجيا المرض بصورة أوضح، مضيفًا أن "الخط البحثي الذي انتهجته هذه الدراسة الموسعة يمهد الطريق لتطبيق أساليب علاجية جديدة لهذا الاضطراب، الذي عادةً ما يحدث في مرحلة الطفولة أو المراهقة، ويستمر إلى ما بعد البلوغ لدى ثلثي الحالات، كما يصيب الكبار في حالات نادرة".