تمتلئ كيلومترات من سراديب الموتى المصرية، من الأرض وحتى السقف، بملايين الأوعية التي تحتوي طيور أبو منجل المقدس Threskiornis aethiopicus المُحنّطة. ويكشف تحليل غير مسبوق لحمضها النووي من الميتوكوندريا عن أن هذه الطيور ربما جرى استئناسها على فترات زمنية قصيرة، ولم تتم تربيتها على مدار أجيال.

تمثّل طيور أبو منجل المقدس -التي اختفت من مصر بحلول عام 1850- المومياوات الأكثر عددًا، فهي أكثر شيوعًا من القطط والكلاب والحيوانات الأخرى، بل ومن البشر. وقد قدمها الحجاج قرابين لتحوت، إله الحكمة والكتابة والوقت عند المصريين القدماء، والذي تم تمثيله برأس على هيئة أبو منجل. بيد أن العلماء اختلفوا حول كيفية حصول المصريين القدماء على هذا العدد الهائل من الطيور التي قُدمت كقرابين. وقد ورد وصف مزارع أبو منجل في كتابات ونصوص هيروغليفية، إلا أن الحيوانات ربما تمت تربيتها على مدار أجيال، أو تم استقدامها من البرية واستئناسها موسميًّا.

وقد نجح فريق دولي، بقيادة باحثين من جامعة جريفيث بأستراليا، في استعادة الحمض النووي البالغ من العمر 2,500 عام من أنسجة أبو منجل المستخرجة من ستة مواقع دفن مصرية. وتمكنوا من الحصول على جينومات الميتوكوندريا الكاملة، والتي تُسمى ميتوجينومات، من 14 من طيور أبو منجل. وهذا أول إنجاز من نوعه لمومياوات مصرية غير بشرية.

ويقول عالِم الآثار هانيس شرودر، من جامعة كوبنهاجن بالدنمارك، والذي لم يشارك في الدراسة: "لقد انبهرت بتمكُّن الفريق من استعادة ميتوجينومات كاملة من المومياوات، وأعتقد أن هذا يبشّر بمستقبل واعد لدراسات الرفات المحنط من مصر".

فتّش الباحثون عن دلائل على الاستيلاد الداخلي، وقارنوا هذه الميتوجينومات مع تلك الموجودة لدى 26 من طيور أبو منجل المعاصرة من مختلف أنحاء أفريقيا. وتقول عالِمة الأحياء الجزيئية، سالي واصف، من جامعة جريفيث: "استنادًا إلى العدد الضخم من المومياوات، كان الافتراض أن هذه الطيور جرت تربيتها، وبالتالي، كان من المتوقع العثور على تشابهات جينية بين الطيور الموجودة في السراديب نفسها. بيد أن النتائج كانت مثيرة للدهشة: كانت الميتوجينومات لدى هذه المومياوات مختلفة عن بعضها بقدر اختلافها عن تلك الموجودة لدى طيور أبو منجل المعاصرة. وتشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أن طيور أبو منجل تم إطعامها، وليس تربيتها، تحديدًا من أجل التضحية بها".

ويقول عالِم الوراثة الجزيئية، يحيى زكريا جاد، من المركز القومي للبحوث في مصر، والذي لم يشارك أيضًا في الدراسة: إنه تم تمثيل كل موقع بعدد محدود من الطيور، وإنه توجد حاجة إلى دراسة أكثر شمولًا ذات حجم عينة أكبر؛ "لتفنيد نظرية التربية المركزية طويلة الأجل تمامًا".

ويخطط مؤلفو الدراسة لمواصلة التحليل، وتوسيع نطاقه ليشمل الحمض النووي للنواة، وهو أقل وفرةً من الحمض النووي للميتوكوندريا، إلا أنه يمكن أن يقدم مزيدًا من المعلومات الجينية والأدلة التطورية حول هذا الطائر المثير للاهتمام.