"متمرد، عصبي، حاد، يتعامل بتحدٍّ مع الأوامر"، هذه بعض الصفات التي تعرِّف بها المهندسة نهى، ابنَها ذا السبعة عشر عامًا، وتختصر ذلك كله، في وصفه بكلمة واحدة: "مراهق".

نهى وغيرها الكثير من الآباء والأمهات الذين يلاحظون تغيُّرات في سلوكيات أبنائهم، وعندما يبحثون عن السبب لا يجدون سوى "مرحلة المراهقة"، ليلقوا عليها باللوم، متأثرين بما يقع لأبنائهم من تغيُّر في الهرمونات، تحت تأثير مرحلة أخرى، هي مرحلة البلوغ.

فعلى الرغم من أن علاقة البلوغ بالمراهقة "علاقة وثيقة"، إلا أنه غالبًا ما يتم التعامل مع المرحلتين على أنهما شيء واحد.

والبلوغ -وفق "عمرو نديم"، أستاذ النساء والتوليد- مرحلة تغيُّرات بيولوجية وفسيولوجية تحدث للفتى والفتاة، وتبدأ عادةً عند الذكور في سن 12- 14 عامًا، وعند الإناث في سن 10- 12 عامًا. ففي هذه المرحلة، تبدأ الغدة النخامية في إفراز هرمونات النمو (المسؤولة عن تكاثُر خلايا الجسم وتجدُّدها في مرحلة الطفولة)، والهرمونات المنشطة للغدد التناسلية، ما يتسبَّب في تغييرات جسدية تهيئ الفتاة لتتحول إلى امرأة والفتى ليصبح رجلًا.

خجل واضطراب سلوكي

تُواكِب هذه التغيرات ثورة نفسية تصيب الشباب، كما يوضح "نبيل زهار" المتخصص في علم النفس التربوي، بسبب عدم تقبُّلهم لشكلهم، أو لشعورهم بأنهم أصبحوا بالغين بما يكفي للخروج على القواعد المفروضة وإثبات الشخصية.

هذا ما نطلق عليه المراهقة، التي تبدأ نظريًّا -عادةً ما- بين سن الخامسة عشرة والثامنة عشرة، ويحدث فيها ارتباك سلوكي وخجل وشعور بالإحباط وقلق وصعوبات تكيُّف، وفق زهار، الذي يشدد على أن "هذا وضع طبيعي؛ لأن هذه المرحلة، وفق علم نفس النمو، مكملة للمرحلة السابقة لها؛ فالتغيرات البيولوجية للبلوغ لها تأثيرات نفسية وتؤثر على العقل والسلوك".

يكمل زهار، مؤكدًا أن سن المراهقة من أصعب المراحل التي يمر بها الإنسان، ويعتبرها البعض سن الفوضى واللامبالاة والثورة وربما الضياع، وفق البعض، فهي أكبر مرحلة انتقالية يعيشها الإنسان.

ويوضح أنه في هذه الفترة نجد انجذاب كل جنس للجنس الآخر، ونرى تمرُّدًا على السلطة بكل أشكالها، والرغبة في الاستقلال بالرأي، والتحرُّر من قيود الأسرة، واللجوء إلى الأصدقاء، ويبدأ التفكير وربما التشكيك في الوجود، "في هذه المرحلة، تبدأ أصابع الاتهام كلها بالإشارة إلى هرمونات البلوغ بأنها السبب الرئيسي في كل ما يصيب سلوك المراهق من اضطرابات، ولكن هذا ليس صحيحًا؛ فالمراهقة والبلوغ وإن كانتا مرحلتين مكملتين لبعضهما وتؤثر إحداهما على الأخرى، إلا أنهما مختلفتان".

فض الإشتباك

إذًا، فإتهام مرحلة البلوغ في التأثير على سلوك المراهقين وشخصياتهم أصبح أمرًا مشكوكًا فيه، وخاصةً بعد أن خرج علينا العالم الأمريكي "بول ماثيو"، أستاذ مساعد في قسم علم النفس بجامعة بافالو، مؤكدًا أنه لا يمكن إلقاء اللوم على الهرمونات فيما يحدث للمراهق من تغيُّرات في السلوك.

ولأن البلوغ والمراهقة يتصادف حدوثهما في الفترة الزمنية نفسها من العمر، فلم يكن متاحًا من قبل الإجابة عن التساؤل الخاص بهرمونات البلوغ ومدى مسؤوليتها عن تغيُّر سلوك المراهقين.

"يبدو أن التغيُّرات في السلوك الشخصي والمجتمعي للمراهقين لا تحدث بسبب هرمونات البلوغ"، هكذا أعلن ماثيو مع فريق من العلماء في دراسة نُشرت حديثًا في دورية كارنت بيولوجي Current Biology. ولأنه كان من الصعب فصل المتغيرات التي تطرأ على المراهق بسبب هرمونات البلوغ عن غيرها، لم يُجرِ الباحثون تجاربَهم على البشر، بل على حيوانات تتكاثر موسميًّا، وتحديدًا حيوان "الهامستر السيبيري" Siberian hamster.

اعتمدت التجربة في الأساس على حجب أحد العناصر اللازمة للمرحلتين ثم التحكُّم في توقيت البلوغ عن طريق التحكُّم في كمية الضوء الذي يتعرض له الهامستر. وكانت النتيجة أن مجموعة الهامستر المولودة في بداية موسم التكاثر -أي التي تعرضت طويلًا للضوء- مرت بمرحلة البلوغ أسرع من المجموعة التي وُلدت في وقت متأخر من الموسم والتي تعرضت لكمية قليلة من الضوء، فتأخرت عندها عملية البلوغ.

وبعد فترة مراقبة للتغيُّرات في السلوك التي طرأت على كل مجموعة، لاحظ الباحثون أن الانتقال من سلوك اللعب إلى سلوك الهيمنة الاجتماعية حدث للفريقين في الوقت ذاته.

ولو كان لهرمونات البلوغ تأثير على السلوك، لكان الانتقال من سلوك إلى آخر قد استغرق وقتًا أطول لمجموعة الهامستر المولودة في النهار القصير، وجاءت أسرع للهامستر المولود في النهار الطويل.

 "لقد حدث التحوُّل في السلوك في التوقيت نفسه لكل الهامستر بغض النظر عن وقت البلوغ"، يؤكد بول، مضيفًا أن ما حدث مع الهامستر يحدث مع العديد من الثدييات وكذلك الإنسان.

إذًا، فالبلوغ يؤدي دورًا في نمو المراهقين، ولكن لا يمكن أن نظل نلوم الهرمونات وحدها على ما يطرأ من تغيُّر في السلوك الاجتماعي لتلك الفئة.

 كل تغيُّر يحدث على جسد الإنسان يؤثر تلقائيًّا على سلوكه، وهذا ما يحدث في مرحلة البلوغ، ولكن لماذا تختلف أعراض المراهقة وحدَّتها من مجتمع إلى آخر أو حتى من منطقة إلى أخرى داخل المجتمع نفسه؟

"لأن نظرة المحيطين بالمراهق ومدى تفهُّمهم للمرحلة هو ما يجعل فترة المراهقة تمر في سلام أو بصعوبة"، هذا ما يشرحه "عمر نديم"، مؤكدًا أن الشيء نفسه يتكرَّر في ظواهر أخرى، مثل انقطاع الطمث عند السيدات، الذي نطلق عليه في مجتمعاتنا سن اليأس، أما في الدول الغربية فيعُدُّون تلك المرحلة بداية حياة جديدة وانطلاق للمرأة.

لذلك نجد السيدات في مجتمعنا يعانين أعراضًا جسدية ونفسية شديدة في هذه المرحلة من حياتهن، أما في دول أخرى فلا تكاد السيدات تشعر بانزعاج.

"شيرين الدمرداش"، معلمة للمرحلة الثانوية، ترى أن أنواع سلوك المراهقين تتحكم فيها الأسرة وطريقة تعاملهم مع هذه الفترة الحرجة التي يكون المراهق نفسه فيها متخبطًا بين كونه رافضًا أن يُعامَل كطفل، وفي الوقت نفسه لا يملك مؤهلات النضوج.

"هناك فرق كبير بين سلوك مراهق يحيا وسط أسرة متفهمة للمرحلة التي يعيشها، وآخر يعامله أهله على أنه مجرد طفل طائش ويجب تأنيبه وتهذيبه طوال الوقت، ألاحظ الفرق بين الاثنين على مستوى الثقة بالنفس وبالآخرين، وكذلك في اختلاف ردود الأفعال بين هادئة وسلسة أو حادة للغاية".

في الواقع أن الأسرة هي حلقة في منظومة المجتمع، التي يجب أن تضم أيضًا القائمين على التعليم والصحة النفسية وأساتذة الاجتماع والمنوطين بالإعلام، كما تؤكد أستاذة علم الاجتماع "سحر حساني"؛ إذ تؤكد أن هناك نقصًا شديدًا في الاهتمام بتلك المرحلة التي تحتاج إلى التوعية بها، وخاصة من الإعلام، على سبيل المثال، الذي لا يقدم -من وجهة نظرها- أعمالًا تخص تلك الفئة العمرية من دون أن تحتوي على مشاهد عنف أو تعاطي مخدرات، "فاتهام هرمونات البلوغ بالتسبب في إتيان المراهقين بسلوك حاد أو غريب ما هو إلا نوع من الاستسهال لعدم مواجهة حقيقة تقصير الأسرة والبيئة المحيطة بهم".