يظن الجميع أن النباتات على اختلاف أنواعها لا تمتلك دماغًا على الإطلاق، إذ إنها لا تمتلك جهازًا عصبيًّا كالذي يمتلكه الإنسان والحيوان. لكن يبدو أن هذا الظن في طريقه إلى التغيير، إذ اكتشف مجموعة من العلماء مؤخرًا أن بذور بعض النباتات تتصرف كما لو أنها تمتلك "دماغًا" يقرر متى ينبغي أن تبدأ عملية الإنبات.

ولاحظ فريق بحثي بجامعة برمنجهام البريطانية أن هناك مجموعة من الخلايا الموجودة داخل بذور نبات "رشاد أذن الفأر" (Thale cress) –المعروف علميًّا باسم (Arabidopsis thaliana)، تمتلك القدرة على تقييم الظروف البيئية المحيطة بالبذور داخل التربة من أجل اتخاذ قرار الإنبات، والمدهش في الأمر أن ذلك يتم بكيفية مشابهة للطريقة التي يقرر بها المخ البشري إذا ما كان يجب أن يتحرك الجسم أم لا!

توضح الدراسة المنشورة مطلع يونيو من العام الجاري بدورية "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" بالولايات المتحدة الأمريكية (Proceedings of the National Academy of Sciences PNAS) أن تلك الخلايا التي تتصرف كالمخ تتمركز بالأساس داخل الجذر الجنيني للبذرة.

وتقسم الدراسة تلك الخلايا إلى مجموعتين: الأولى تحفز استمرار عملية الخمول وعدم الإنبات، والثانية تحفز عملية الإنبات ونمو النبات من البذرة. إذ يجري التواصل بين مجموعتي الخلايا المثبطة والمحفزة للإنبات عبر الهرمونات فيما يشبه الحديث والنقاش، ومن ثم يتم اتخاذ القرار الحاسم بشأن بدء عملية الإنبات.

اكتشاف ثوري

وبالرغم من أن هذا الاكتشاف العلمي يُعَدُّ ثوريًّا ويغيِّر فكرتنا عن النباتات (من كائنات بلا مخ إلى كائنات قادرة على اتخاذ قرارات بناءً على معطيات)، إلا أن ذلك الاكتشاف يَعِدنا بثورة أخرى لمجابهة أزمة الغذاء المتوقعة في المستقبل. إذ إن فهم الطريقة التي تنبت بها البذور بشكل دقيق سيساعد في إيجاد طرق لزيادة المحاصيل الغذائية.

إذ يوضح قائد الفريق البحثي جورج باسل -الأستاذ بكلية العلوم الحيوية بجامعة برمنجهام- لـ"للعلم": "إن ذلك الاكتشاف سيساعد في تعديل البذور النباتية وراثيًّا؛ لمزامنة عملية الإنبات ونمو البذور جميعًا في وقت واحد، مما سيؤدي إلى زيادة حصاد المحاصيل الزراعية بطريقة مميكنة، وهو أكبر التحديات التي تواجهنا بسبب التغير المناخي".

ويضيف: "إن هذا سيؤدي أيضًا إلى تقليل استخدام مبيدات الأعشاب الضارة؛ إذ إن نمو النباتات بشكل متناسق في وقت واحد سيحد من نمو تلك الأعشاب الضارة". وعند سؤال باسل عن المدى الزمني المتوقع لاستخدام تلك البذور المعدلة وراثيًّا من أجل زيادة المحاصيل الغذائية، أجاب: "إن الأمر قد يستغرق وقتًا، إذ لا تزال تلك التقنية في مراحلها المبكرة".

ويُعَدُّ توقيت عملية الإنبات من الأمور المحورية في حياة النبات؛ فخروج البذرة من طور الخمول والسبات إلى طور النمو والحياة ينبغي أن يتم في ظروف ملائمة تضمن للنبات استمراريته في الحياة. فإذا بدأت البذرة في الإنبات مبكرًا تسبب ذلك في الإضرار بالنبات؛ بسبب الظروف الجوية القاسية غير الملائمة. أما إذا تأخرت البذرة في النمو والإنبات فإن ذلك من شأنه إضعاف فرصة النبات في الحياة؛ بسبب عدم قدرته على منافسة أقرانه الطبيعيين في الحصول على الضوء والغذاء.

وقد تمكن فريق الباحثين من الوصول إلى ذلك الاكتشاف عبر استخدام نموذج رياضي حاسوبي؛ لتوضيح أن عملية التواصل أو الحديث عبر المركبات الكيميائية -والتي تحدث بين مجموعتي الخلايا المحفزة والمثبطة- هي المتحكمة في حساسية النبات للبيئة المحيطة به، ومن ثَمَّ اتخاذ قرار الإنبات. ثم قام الباحثون بإثبات نتائج ذلك النموذج الرياضي من خلال تجربة معملية تم فيها تعديل بذور نبات "رشاد أذن الفأر" وراثيًّا لتصبح خلاياها أكثر قدرة على التواصل فيما بينها، وذلك للتأكد من أن قرار الإنبات متصل بشكل أساسي بذلك الحوار الهرموني بين مجموعتي الخلايا.

النبات الواعي

على صعيد آخر، ينضم هذا الاكتشاف إلى قائمة الاكتشافات الحديثة المتعلقة بفكرة وجود عقل أو وعي لدى النباتات. إذ كشف بحث آخر نُشر بدورية " فسيولوجيا النبات" (Plant Physiology) في منتصف العام الماضي عن أن النباتات يمكنها أن تشعر حين يتم لمسها، ولا يتوقف الأمر عند ذلك فحسب؛ إذ أوضح البحث أنها تستجيب للمس أيضًا وبطرق مختلفة وفقًا لطبيعة اللمسة!

ويوضح ذلك أوليفر فان أكن -الباحث بجامعة أستراليا الغربية-: "على الرغم من أن النباتات لا تشتكي حين يتم قطف زهرة منها أو الدهس عليها والمرور خلالها في أثناء التنزُّه، إلا أنها واعية بشكل كامل لتلك الملامسات وتستجيب بشكل لحظي". لكن ذلك لا يعني أنها تشعر بالأمر وتدركه كما يحدث لنا نحن البشر.

بجانب هذا، فإن هناك العديد من الأبحاث المنشورة الأخرى توضح أن النباتات يمكنها سماع الحشرات وهي تأكلها، ومن ثم تعمل على إفراز مركبات كيميائية لإيقافها. كما أنه تم إثبات أن النباتات المختلفة يمكنها التواصل والحديث فيما بينها عبر تبادل رسائل من المركبات الكيميائية تحت الأرض عبر شبكة الفطريات التي تتعايش على جذورها، بغرض تحذير بعضها بعضًا من المخاطر المحيطة أو التغيُّر في الظروف المناخية.

بالإضافة إلى هذا، وُجِدَ أن النباتات يمكنها تعلُّم سلوك معين وتذكُّره عبر التكيُّف الشرطي، تمامًا كما في تجربة كلاب بافلوف الشهيرة! إذ توضح د. مونيكا جاجليانو -الباحثة بجامعة أستراليا الغربية، ومحررة كتاب "لغة النباتات" (The Language of Plants)-: "تفتقر النباتات إلى المخ أو الأنسجة العصبية، لكنها تمتلك شبكة معقدة للغاية من الإشارات المعتمدة على المركبات الكيميائية داخل خلاياها بشكل مشابه لعمليات الذاكرة بالحيوانات".

إن كل هذا من شأنه قلب إدراكنا لتلك الكائنات الخضراء المسالمة والصامتة وعلاقاتنا بها رأسًا على عقب. إذ يبدو أنه يمكنها الإحساس والاستماع والحديث والتعلُّم وحتى اتخاذ القرارات. الأمر الذي يطرح أسئلة علمية عن كيفية حدوث ذلك، وفلسفية عن طبيعة الوعي والإدراك، وأخلاقية حول علاقتنا بالنباتات. لكن العلم وحده هو ما يمكن أن يجيب لنا عن كل تلك التساؤلات التي لا نملك لها إجابة إلى الآن.