منذ اكتشاف التركيب الجزيئي للحمض النووي على يد عالِم الأعصاب والفيزيائي البريطاني فرنسيس كريك وعالِم الأحياء الجزيئية والوراثة الأمريكي جيمس واطسون، صار مصطلح الحمض النووي  “DNA” مألوفًا للعامة والخاصة.

ثم ساعدت الثورات العلمية المتتالية في الكشف عن أن الحمض النووي يحتوي على مجموعات من الجينات تخبر الخلية بكيفية صنع البروتينات، التي تستخدمها الخلية لأداء وظائف معينة وتتفاعل عن طريقها مع الوسط المحيط. ومن خلال تنظيم مستوى البروتينات ونشاطها، تتمكن الخلية من الاستجابة للمؤثرات الداخلية والخارجية.

يمثل البروتيوم (وهو مجموع البروتينات التي يتم إنتاجها في كائن حي أو نظام بيولوجي معين) صورةً لحظيةً لما يحدث في الخلية، وهذا البروتيوم ليس ثابتًا، لكنه يتغير من خلية إلى أخرى، ويتغير في الخلية نفسها من وقت إلى آخر وفقًا للظروف. ومن أجل تعرُّف هذه البروتينات ظهر ما يسمى بعلم "البروتيومكس"، الذي يعمل على دراسة وظائف البروتينات على نطاق واسع.

ومع تقدم تقنيات البيولوجيا الجزيئية، أصبح هذا العلم يُستخدم في دراسة وقت ظهور البروتينات ومكانه داخل الخلية، وكذلك معدل إنتاجها وانحلالها، بالإضافة إلى دراسة التغيرات التي تحدث في التركيب الجزيئي للبروتين بعد إنتاجه، وحركة البروتينات بين أجزاء الخلايا وتفاعُل بعضها مع بعض.

تطبيقات

تنامي علم البروتيومكس أدى إلى تصاعُد المقترحات البحثية بشأن كيفية الاستفادة منه في تقديم حلول لمشكلات مستعصية، وعلى رأسها الإصابة بالسرطان؛ إذ قام فريق من الباحثين بكلية الطب في جامعة هارفارد الأمريكية باستخدام إحدى تقنيات البروتيومكس المتعددة لتحليل عملية تكوين البروتينات المختلفة وتنظيم مستوى تركيزها، وكذلك علاقات البروتينات الموجودة في الخلية بعضها مع بعض.

ووفقًا للدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر بيوتكنولوجي"، رسم الباحثون خريطةً كمية لتحليل البروتيوم، ثم طبقوا هذه الطريقة على العديد من أنواع خلايا سرطان الثدي، ووجدوا في هذه الخلايا اختلافًا واضحًا في تنظيم البروتينات عن المعتاد، ما يجعل هذه التقنية واعدةً من أجل فهم أفضل للأنظمة البيولوجية المختلفة.

ليس هذا فحسب، فقد كشف الباحثون أيضًا أن التفاعُلات المختلفة بين البروتينات التي جرى تعرُّفها في هذه الخلايا السرطانية يمكن أيضًا أن تحدد مدى استجابة هذه الخلايا للعديد من أنواع الأدوية، وهو ما يفتح بابًا جديدًا يمكن الدخول منه إلى عالم الطب الشخصي، الذي يُعَدُّ صيحة العصر في علاج السرطان.

خريطة كاملة للبروتينات

يقول ويلهلم هاس -الأستاذ المساعد بكلية الطب بجامعة هارفارد، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": "إن الطريقة التي اتبعناها جرى اعتمادها بناءً على ملحوظاتنا بأن وجود ارتباط بين تركيز اثنين من البروتينات في خلايا السرطان يمكن أن يشير إلى وجود ارتباط وظيفي بينهما. لقد سعينا في هذا البحث إلى تعرُّف العلاقات بين البروتينات المختلفة، وتحديد التغيُّرات التي تحدث في التنظيم المشترك لهذه البروتينات معًا، التي تظهر في خلايا السرطان".

يوضح هاس أن التقنية التي استخدمها الباحثون، والتي تُدعى "تحليل البروتيوم الكمي عالي الإنتاجية"، مكَّنتهم من رسم خريطة كاملة للتفاعلات بين البروتينات، ورصد أي مشكلات أو اضطرابات في علاقات هذه البروتينات بعضها مع بعض، مشيرًا إلى أنه يمكن قياس هذه التغيرات في أي عينة، إذ يمكن رسم هذه الخريطة في خمس ساعات فقط، وفق قوله.

من جهته، يرى إبراهيم عبد الغفار -مدرس الكيمياء الحيوية بكلية الطب بجامعة الأزهر- أن دراسة الجينات أو البروتينات بشكل فردي لم تعد كافية، مضيفًا في تصريحات لـ"للعلم" أنه "أصبح لدينا اليوم مصطلح جديد يدعى إنتراكتوم، وهو مصطلح يشير إلى كل التفاعلات والعلاقات التي بين الجزيئات (وبوجه خاص البروتينات) داخل الخلية، وهذه التفاعلات غالبًا ما تُعرض على شكل شبكات من العلاقات التي تمكِّننا من فهم أفضل للأنظمة البيولوجية".

يقول عبد الغفار: ذلك البحث يمثل نموذجًا لدراسة هذه العلاقات؛ فرؤية الخريطة الكاملة للبروتينات تعطينا صورة كلية عن التغيُّرات التي يمكن أن تحدث في النظام البيولوجي، والتي يمكن أن تؤدي إلى حدوث العديد من الأمراض وعلى رأسها السرطان، ويمكن أن تقدم لنا تقنيات البروتيوميكس مستوًى مختلفًا من المعرفة عن دراسة الجينات؛ فقد يتم إنتاج الحمض النووي الريبوزي RNA (وهو المنتج الوسيط في عملية ترجمة الجينات) بكميات كبيرة، لكن المنتج النهائي وهو البروتين قد لا يُنتَج بنفس الكمية، وهناك أيضًا التغيُّرات التي تحدث في البروتينات بعد ترجمتها، والتي يمكن أن تؤثر على وظائفها.

تقنية واعدة

يؤكد هاس صحة ما ذهب إليه عبد الغفار، قائلاً: "إن التقنية التي اتبعناها في الدراسة، من أجل فهم التنظيم المشترك للبروتينات، أكثر دقةً بمقدار عشر مرات من تقييم علاقات البروتينات من خلال تقنيات قراءة الحمض النووي الريبوزي، وهي الطريقة التي يتم بها قراءة الحروف في الحمض النووي الذي تم نسخه بناءً على الشفرة الوراثية. وفهم هذه العلاقات بدقة أكبر يمكن أن يوفر أهدافًا لعلاج السرطان؛ إذ يمكن إنتاج أدوية قادرة على التأثير على إحدى طرق تواصل البروتينات داخل الخلية، وهو ما يدل على أن التقنية واعدة ويمكن أن يستفيد منها المرضى بشكل مباشر".

تكاثر الخلايا

طوال الفترة الماضية، لم تتوقف الدراسات التي اعتمدت على استخدام تقنيات البروتيوميكس؛ إذ استخدمه باحثون –في معمل أبحاث البروتيوم في أوساكا، وفي قسم الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية بجامعة كيوتو باليابان- في مجال الأدوية، وقاموا بتحليل عميق للبروتينات التي ترتبط بأيض الفوسفور باستخدام تحليل بروتينات الفوسفوتيروزين (وهي البروتينات التي ترتبط بعمل إنزيمات التيروزين كيناز) في مجال الأدوية؛ من أجل دراسة التغيرات التي تحدث في عملية الفسفرة، بهدف التعرف على نقاط جديدة يمكن أن تفيد في علاج حالات سرطان القولون المقاوِمة لدواء "سيتوكسيماب. كما حللوا البروتينات الموجودة في الخلية من أجل تقييم قدرة الخلايا السرطانية على مقاومة الأدوية المعروفة بمثبطات التيروزين كيناز.

لكن الصورة ليست وردية دومًا؛ فخلايا السرطان تستطيع أحيانًا مقاومة هذه الأدوية بطرق مختلفة؛ ويتم تقييم أسباب هذه المقاومة عادةً من خلال دراسة الجينوم الخاص بالخلايا السرطانية، لكن هذه الطريقة لا تنجح دومًا في تفسير سبب حدوثها.

نتائج الدراسة التي نشرتها مجلة "ساينتفيك ريبورتس" في شهر سبتمبر الماضي أظهرت وجود أهداف جديدة في أنواع الخلايا المقاوِمة للدواء يمكن أن يستهدفها العلاج. فحينما قام الباحثون بتجربة إحدى مجموعات الأدوية المعروفة ضد أحد هذه الأهداف، تبيَّن أنها نجحت بالفعل في منع تكاثر الخلايا المقاوِمة للسيتوكسيماب (أحد مُضادَّاتِ الأَورام، ويفيد في معالجة أورام القَولون والمُستَقيم وسَرطانات الرَّأس والرَّقبة)، وعززت تلك النتائج التصديق بقدرة هذه التقنية على إيجاد حلول جديدة في علاج السرطان.

دراسة ثالثة استخدمت البروتيوميكس لاكتشاف أدوية جديدة يمكن أن تُستخدَم علاجًا للسرطان. الدراسة أجراها باحثون من معهد سكريبز للأبحاث بالولايات المتحدة، بالتعاون مع إحدى شركات الأدوية، واستخدمت تقنيات البروتيوميكس من أجل تعرُّف مركبات يمكن أن تُسهِم في منع نمو خلايا "سرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة"، الذي يمثل حوالي 85% من أنواع سرطان الرئة، ولا يستجيب لأغلب أنواع العلاج المعروفة.

توصلت الدراسة، التي نشرتها مجلة "سيل" في شهر أكتوبر الماضي، إلى نتائج واعدة أمكن بها التعرف على أهداف لم تكن معروفة من قبل، يمكن استهدافها بمركبات تُستخدَم لعلاج هذا النوع من السرطان. التقنيات التي استخدمها الباحثون تعتمد على تعرُّف الحمض الأميني المسمى بـ"السيستين" في بعض البروتينات الموجودة بتلك الخلايا؛ إذ يمكن تصميم مركبات يمكنها اكتشاف وجود هذا الحمض الأميني والارتباط به، مما يعطل عمل هذه البروتينات ويبطئ من نمو الخلايا السرطانية. هذه الفكرة تم تطبيقها بالفعل لتعطيل عمل البروتين المسمى NR0B1، الذي يُعَدُّ جزءًا من الآليات التي تحافظ بها خلايا السرطان على بقائها من خلال حماية نفسها من تأثير مضادات الأكسدة. وتعطيل هذا البروتين بهذه الطريقة يحرم الخلايا السرطانية من تلك الوسيلة، وبالتالي يمكن أن يساعد على التخلص منها.