في يناير الماضي، أعلنت شركة "آي بي إم"، IBM عن أول حاسوب كمي عالمي متكامل متاح للاستخدام العلمي والتجاري بقوة 20 كيوبت يُعرف باسم «كيو سيستيم وان» «IBM Q System One™»، ويرتكز على مبادئ ميكانيكا الكم؛ بهدف إنتاج جهاز قادر على التعامل مع المعلومات العلمية والتجارية الضخمة، وكذلك معالجة المشكلات اليومية المعقدة التي يصعب على الحواسيب التقليدية معالجتها، وذلك وفق ما ورد في البيان الصحفي المنشور على موقع الشركة.

يقول "بوب سوتر"، نائب رئيس "آي بي إم" لقسم الإستراتيجيات والنُّظم البيئية للأعمال، في تصريحه لـ"للعلم": "تعمل الحواسيب الكمية على المستويات دون الذرية، وفقًا لمبادئ ميكانيكا الكم، مثل التراكب الكمي والتشابك الكمي؛ إذ يمكن أن يوجَد الكيوبِت في هذه الحالة في مستوى مزيج من "0" و"1".

و"التشابك الكمي"، هو نوع غريب من الترابط قد يوجد بين الجسيمات؛ إذ يمكن للقوى المؤثرة على أحد الجسيمات التأثير على الجسيم الآخر، حتى وإن كانت تفصلهما مسافة كبيرة. في حين يشكل التراكب الكمي هو الآخر إحدى الحالات الفيزيائية الغريبة التي تبدو فيها الجسيمات كما لو كانت في مكانين أو حالتين أو أكثر في آنٍ واحد. وتعود هذه الخصائص بشكل أساسي إلى الخاصية المزدوجة للإلكترون؛ إذ إنه يسلك سلوك الجسيمات في بعض الأحيان وسلوك الموجات في أحيان أخرى.

لقد حاول العلماء منذ زمن ليس بالقريب الاستفادة من هذه الخصائص الفيزيائية الغريبة في إنتاج حاسوب ذي قدرات فائقة في معالجة البيانات، مقارنةً بنظيره التقليدي، وهو ما يُعرف الآن بالكمبيوتر الكمي.

 ففي حين يرتكز الحاسوب التقليدي في عمله على نظام ثنائي ليس له إلا احتمالين فقط، وهما "0" أو "1"، أو ما يُعرف بـ"البت"، يعتمد الحاسوب الكمي على وحدة "الكيوبت"، اختصارًا لـ(كوانتوم بت).

ويزيد الانتقال من وحدة البت إلى وحدة البت الكمي أو الكيوبت من قدرات الحواسيب بشكل مذهل؛ إذ يمكن للإلكترونات في الحواسيب التقليدية أن تتحرك في مسارين محددين فقط هما مسارا "0" أو "1"، في حين يؤدي الدمج بين المسارين في الحواسيب الكمية إلى خلق مسارات أكثر عددًا، تتضاعف بشكل لانهائي كلما زادت أعداد الكيوبتات، وهو ما ينعكس سريعًا على سرعة معالجة البيانات وكمياتها.

وهو ما يعلق عليه "سوتر" قائلًا: "عند إضافة كيوبِت جديد تتضاعف قوة المعالجة، مضيفًا أنه على سبيل المثال "يمكن لـ 50 كيوبِت أن تعالج أكثر من كوادريليون قيمة من البيانات في وقتٍ واحد، في وقت لا يمكن لحاسوب تقليدي أن يعالج هذا الكم من المعلومات".

ما يميز الحواسيب الكمية أيضًا هي قدرتها على إجراء هذه العمليات بالتوازي، أي في آنٍ واحد، بمعنى أنه إذا افترضنا أننا نود معرفة أقصر طريق من مدينة إلى مدينة أخرى، فإن الحاسوب التقليدي سيقوم باحتساب مسافة كل طريق، كل على حدة، ثم إظهار نتيجة الطريق الأقصر، بينما سيقوم الحاسوب الكمي باحتساب مسافة جميع الطرق معًا في آنٍ واحد ثم إظهار نتيجة الطريق الأقصر، وهو ما يجعل هذا النوع من الحواسيب تستغرق ساعات قليلة لتحليل البيانات المعقدة وإجراء الحسابات والعمليات التي يمكن أن تستغرق سنوات طويلة على نظيراتها من الحواسيب التقليدية.

التفوق الكمي

وفقًا لتقريرٍ صادر من مؤسسة bcc Research حول الحوسبة الكمية، فإن حجم صناعة الحوسبة الكمية تم تقديره عام 2017 بقيمة 33 مليون دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 161 مليون دولار بحلول عام 2022، و1.3 مليار دولار بحلول عام 2027، مما يجعل هذه الصناعة واعدةً في نظر الكثير من الشركات والمؤسسات التي تسعى إلى تحقيق ما يسمى بالتفوق الكمي لبناء حواسيب كمية قادرة على حل المشكلات المعقدة التي لا تستطيع الحواسيب التقليدية القيام بها.

ولا تقتصر صناعة الحوسبة الكمية على إنشاء حواسيب كمية فقط، بل تشمل كذلك تطوير برمجيات التشغيل، وخدمات الحوسبة الكمية السحابية التي تتيح للباحثين إجراء التجارب على أجهزة حواسيب كمية عن بُعد عبر الإنترنت، وكذلك صناعة الرقاقات فائقة التوصيل والمعالجات الكمية.

اللاعبون الكبار

تتسابق العديد من الشركات والمؤسسات إما لبناء حواسيبها الكميّة، أو لتقديم الخدمات والبرمجيات المتعلقة بمجالات الحوسبة الكمية نظرًا لكونه مجالًا واعدًا يحمل الكثير من الفرص في المستقبل القريب. أيضًا تسعى العديد من الشركات الناشئة إلى المنافسة في هذا المجال من خلال ابتكار تقنيات وبرمجيات تُسهم في زيادة سرعة الحوسبة الكمية وكفاءتها. هذه أبرز الشركات التي تسهم في سوق الحوسبة الكمية:

تختلف الحواسيب الكمية التي يتم الإعلان عنها وفقًا لآلية عملها، يقول "أحمد يونس"، أستاذ علوم الحاسب والمُتخصص في الحوسبة الكمية بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية، في حديثه لـ"للعلم": "يمكن أن نطلق مصطلح حاسوب كمي على الجهاز الذي يعمل بآلية تحقق جميع مبادئ ميكانيكا الكم مثل جهاز "آي بي إم" الذي تم الإعلان عنه مؤخرًا"، واستطرد في حديثه موضحًا أن بعض الحواسيب الكمية المنتشرة لا تحقق جميع المبادئ، مثل حاسوب "دي ويف" D-Wave الذي يعمل وفقًا لآلية التليين الكمي "quantum annealing" –وهي طريقة تعتمد على استخدام مبادئ ميكانيكا الكم للتغلُّب على بعض المشكلات الحسابية المعقدة، إذ يمكن الاستفادة منها في تطبيقات خاصة بمعالجة الحسابات المعقدة للنظم البيولوجية في الكائنات الحية، على سبيل المثال- ولكن لا تحقق تلك الطريقة مبدأ التشابك الكمي الذي يُعد أحد أسس الحوسبة الكمية، وفق رأيه.

في حين ترى تقارير تقنية صدرت في هذا الإطار أن «كيو سيستم وان» ليس إلا رمزًا للسعي الحثيث من جانب الشركات -ومنها "آي بي إم"- إلى تطوير الحاسوب الكمي. وشددت هذه التقارير على أن عبارة "أول نظام حاسوب كمي عالمي متكامل"، التي استخدمتها الشركة لوصف جهازها الجديد، لا تُعَد وصفًا دقيقًا، فربما يكون مُصممًا بالفعل للاستخدام التجاري، إلا أنه ليس مهيَّأً بعد للوفاء باحتياجات هذا الاستخدام كما يتصور عنها. إذ ترى أن «كيو سيستم وان» لا يزال في مرحلة التجريب، وقد لا تتخطى قدراته قدرات بعض أجهزة الحاسوب المحمولة في بعض الأحيان في أداء بعض العمليات الحسابية.

ويؤدي سباق التفوق الكمي في نهاية المطاف إلى ظهور العديد من الإعلانات الترويجية للحواسيب الكمية التي تُصنّعها جهات مختلفة، معظمها إما يستخدم عددًا قليلًا من الكيوبِت يجعله لا يحقق مهمات معقدة، وإما لا يعتمد بشكلٍ كامل على فروض ميكانيكا الكمّ مما يجعل إطلاق اسم حاسوب كمي عليه أمرًا غير دقيق علميًّا.

يقول "محمد مبروك" -أستاذ الرياضيات التطبيقية المساعد بالجامعة الأسترالية بالكويت- في حديثه لـ"للعلم": "جميع الحواسيب الكمية التي تم الإعلان عنها حتى الآن ذات قدرات محدودة، ولا يمكنها المنافسة مع بعض الحواسيب التقليدية الحالية"، وأكمل حديثه موضحًا أننا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من الوقت للوصول إلى حاسوب كمي ذي عدد كبير من الكيوبِت؛ حتى يصبح قادرًا على المنافسة مع أجهزة الحاسوب التقليدية.

واجهات الاستخدام

لا يقتصر تحدي تصنيع الحواسيب الكمية على استخدام عدد كبير من الكيوبِت، أو تحقيق كافة مبادئ ميكانيكا الكم فقط، بل يشمل كذلك تصميم واجهات الاستخدام بشكلٍ يجعل من السهل استخدام الحواسيب الكمية في إجراء العمليات المختلفة. لذا، تتيح بعض الشركات تجارب استخدام مجانية عن بُعد للباحثين؛ بهدف الاعتياد على استخدام الحواسيب الكمية، وكذلك بهدف الترويج لمنتجاتها المختلفة.

تتيح شركة "آي بي إم" نسخًا سحابية مجانية من حواسيبها الكمية، يقول "سوتر" في حديثه لنا: "تتيح "آي بي إم" نسخًا من حواسيبها ذات قدرة 5 و16 كيوبِت للباحثين، إذ قام أكثر من 100 ألف مستخدم بتجربة هذه الأنظمة من خلال إجراء قرابة 7 ملايين تجربة، ونشر أكثر من 130 ورقة بحثية معتمدة على هذه التجارب نشرها شركاؤنا".

جدير بالذكر أن حاسوب «IBM Q System One™» الذي يمتلك معالجًا من الجيل الرابع بقدرة 20 كيوبِت سيكون متاحًا لشبكة شركاء "آي بي إم" خلال النصف الثاني من هذا العام.

بينما يشير "يونس" إلى أن استخدام الحواسيب الكمية يتطلب إلمامًا ومعرفة بخوارزميات التشغيل، مما يجعل التعامل مع هذه الحواسيب قاصرًا على المتخصصين فقط، كما أوضح أيضًا أن قدرات النسخ السحابية المتاحة من "آي بي إم" ما زالت ذات نطاق صغير، مما يجعلها لا تقوم بعمليات مفيدة، إلا أنها خطوة للوصول إلى الحاسوب الكمي الذي نرغب بالحصول عليه، وفق رأيه.

وقد قام بعض الباحثين الذين اخترعوا أول الحواسيب الكمومية باختبار ثلاثة من خوارزميات التشغيل المناسبة لهذا النوع من الحواسيب، وقد نجحت بنسب تتراوح بين 70 و95%، ونشروا نتائج بحثهم في دورية نيتشر عام 2016.

ورغم المحاولات الجادة في هذا المجال إلا أنه لا تزال هناك العديد من التحديات أمام تصنيع حاسوب كمي متكامل ذي قدرة فائقة، إلا أن الخطوات التي نشهدها يومًا بعد يوم تُنبئ بأنه خلال السنوات القليلة القادمة، ربما سيشهد العالم حواسيب كمية فائقة السرعة قادرةً على منافسة الحواسيب التقليدية وإجراء وتحليل كافة العمليات المعقدة التي قد تتطلب سنوات في ساعات قليلة.