سؤال غريب، مثَّل دائمًا مادةً للسخرية في الأفلام والمسلسلات العربية القديمة؛ إذ يقع الحمل فيُبدي بطل العمل تعجُّبه لأنه فعل ما عليه وتناول الحبة، ثم يضحك الجميع؛ لأن الزوجة هي مَن كان عليها تناوُلها.

بيد أن التغيير من سنن الحياة، وما كنا نضحك منه قديمًا، أضحى مادةً ثريةً للبحث العلمي، في محاولات جادة لإنتاج وسائل فعالة للرجال يشاركون فيها النساء مسؤولية تنظيم الأسرة.

"لا مانع لديَّ من استخدام حبوب منع الحمل إن وُجدت"، هكذا قالها محمد ببساطة، في حين رأى عبد الرحمن أنه موافق من حيث المبدأ، حيث المسؤولية مشتركة بين الزوجين، "لكن بعد معرفة طريقة عمل الدواء وآثاره الجانبية"، وفق قوله.

على الجانب الآخر، رفض آخرون فكرة استخدام حبوب منع الحمل ابتداءً، سواء للرجل أو للمرأة، متخوِّفين من أن يكون لذلك أية آثار جانبية، ورفض فكرة منع الحمل "كيميائيًّا"، في وجود وسائل أخرى رأوها أكثر أمانًا.

إنتاج حبوب منع حمل للرجال كان موضوع دراسة جديدة نُشرت في دورية ميديسنال كيمستري Medicinal Chemistry، وذكرت أن وجود العديد من الوسائل للمرأة فقط "يؤسس لمسؤولية غير متكافئة على حساب المرأة التي تتحمل التبعات من أخطار ومضاعفات محتملة".

وشددت على الحاجة إلى وجود طرق لمنع الحمل من قِبَل الرجال، بجانب الوسيلتين الوحيدتين المتاحتين حاليًّا، وهما استخدام الواقي الذكري وقطع القنوات المنوية vasectomy""؛ للوصول إلى تنظيم أسرة يحقق الشمولية والاستدامة.

هل أصبح الخيال حقيقة؟

في رد على الأسباب الرئيسية التي دفعت الفريق البحثي لاختيار هذا الموضوع، تقول "جوندا جورج" -الأستاذ ورئيس قسم الكيمياء الطبية بكلية الصيدلة بجامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة، وأحد الباحثين بالدراسة-: "إن 50% من حالات الحمل في الولايات المتحدة تحدث من دون تخطيط، وبعض النساء لأسباب مختلفة لا يستطعن منع الحمل عن طريق تعاطي الحبوب".

وكان ضمن المداخل المقترحة لمنع الحمل، استهداف البروتينات الضرورية لخصوبة الحيوانات المنوية؛ لأن ذلك يقدم فرصة إضافية لمنع الحمل مع تقليل الآثار الجانبية.

كشفت الدراسة المعملية أن مركب Na,K-ATPase α4 يُعَدُّ من الحلول الجذابة في هذا الإطار؛ لأن نشاطه محوري للتحكم في حركة الحيوانات المنوية وبعض المتغيرات الحيوية الأخرى، مثل القدرة على تلقيح البويضة. وأشارت كذلك إلى أن الفئران الذكور الذين خضعوا للاختبار كانت لديهم حيوانات منوية طبيعية، ومع ذلك كانوا عقيمين بالكامل، وذلك لوجود عيوب فيها من حيث الشكل والحركة، بخلاف الإناث اللاتي لم يؤثر غياب هذا المركب على خصوبتهن. استخدمت الدراسة هرمون الأوبيان ouabain لاستهداف هذا المركب، بشكل شديد الدقة؛ إذ إن لهذا الهرمون تأثيرًا سامًّا على القلب.

هذه بالضبط هي الآلية التى تقترحها الدراسة، مركب يكبح Na,K-ATPase α4 وبالتالي وظائف الحيوانات المنوية بشكل موجه وفعال في حال استخدامها داخل الجسم بشكل طبيعي أو خارجه في المعمل في حالات الإخصاب الصناعي.

وبهذا يقوم الأوبيان بتعطيل وظيفة الحيوانات المنوية مع عدم المساس بالخلايا الجرثومية للرجل (وهي الخلايا المسؤولة عن انتقال المعلومات الجينية عبر الأجيال)، التي لم تتشكل بعد، وهو ما يجعلها عمليةً مؤقتةً وقابلةً للانعكاس حال التوقُّف عن استخدام العقار.

والأوبيان هو هرمون ستيرويدي ذاتي النمو، تنتجه الثدييات في الغدتين الكظرية والنخامية، ويُستخدَم بكثرة في الأبحاث البيوكيميائية، وجرى استخدامه من قبل في علاج الأزمات القلبية.

فاعلية على المحك

توضح جورج: "لقد قمنا باختبار مركبات مختلفة، وخلصنا إلى ثلاثة مركبات هي الأفضل، ثم إلى مركب منهم كان الأكثر فاعلية، ومن خلال الدراسة لم تحدث أية أعراض جانبية للفئران".

وتشدد الدراسة على أن هذا المركب لا يؤثر على حركة الحيوانات المنوية فحسب، بل على قدرتها على التلقيح، وأنه نجح بالفعل في خفض معدل حركة الحيوانات المنوية في الفئران بعد 3 أيام من التعاطي بجرعات قليلة في حدود 5 مجم/كجم.

من جانبه، يرى د. علاء عبد العال -أستاذ مساعد الذكورة والتناسل بجامعة القاهرة- أن المشكلة في إنتاج حبوب فعالة للرجال تكمن في عدم القدرة على الجزم بإضعاف الحيوانات المنوية أو تشويهها بنسبة 100%، وهو ما يبقى احتمالًا للحمل.

ويتفق لوجان نيكليس، مدير العمليات والبرامج بمبادرة منع الحمل للرجال، بأن إنتاج حبوب منع حمل للرجال أصعب من تلك التي تستخدمها النساء؛ بسبب الاختلاف بين الأجهزة التناسلية للرجال والنساء، فالمرأة تنتج بويضة واحدة شهريًّا، أما الرجل فينتج ألفًا من الحيوانات المنوية في الثانية الواحدة.

 ويضيف أن الاعتماد على التدخلات الهرمونية يُعَدُّ أكثر تعقيدًا في حالة الرجال، والتدخلات غير الهرمونية (الميكانيكية) لا تزال تحتاج إلى المزيد من البحث.

إن مبادرة منع الحمل للرجال هي مؤسسة غير حكومية بالولايات المتحدة، تقوم بتمويل الأبحاث الخاصة بتطوير حبوب منع حمل للرجال وتوعية المجتمع بأهميتها.

جهود سابقة

جدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم من خلالها طرح بدائل لوسائل منع الحمل التقليدية للرجال، فقد أشارت دراسة نُشرت بدورية كلينكال إندوكرينولوجي & ميتابولزم The Journal of Clinical Endocrinology & Metabolism، في العام 2016، إلى أن تعاطي علاج يجمع بين الحقن بهرموني الأندروجين والبروجسترون على مدار ثمانية أسابيع يؤدي إلى كبح شبه كامل لعملية تكوين المني.

وقد جاءت نسبة الفاعلية على 320 رجلًا ممن شملتهم الدراسة بـ95.9%، وهي نسبة عالية مقارنة بالوسائل الأخرى الموجودة للرجال والقابلة للانعكاس، وكذلك إذا ما قورنت بالحبوب التي تستخدمها النساء.

وفي سعي مختلف، أشارت دراسة نُشرت العام الماضي في دورية بيزك أند كلينكال أندورولوجي Basic and Clinical Andrology إلى إمكانية التدخل في القدرة الإنجابية للرجال عن طريق حقن جل أو هلام في القناة الناقلة للمني "vas deferens" بحيث يلتصق بالأنسجة ويقوم بسد تلك القنوات، مشكلًا عائقًا ميكانيكيًّا وليس كيميائيًّا لمرور الحيوانات المنوية. جرت تجربة هذا المنتج على نموذج من الرئيسيات (وهي أعلى رواتب الثدييات مثل القرود والأرانب)، إذ أظهر تأثيرًا فعالًا يمكن عكسه مع وجود مضاعفات طفيفة.

عوائق ثقافية وآثار جانبية

يقول نيكليس: "تُعَدُّ حبوب منع الحمل للرجال اختيارًا أقل تكلفة، ومن الممكن أن تؤدي إلى تأثير حقيقي في مجال تنظيم الأسرة؛ إذ يكون تأثيرها طويلًا ويمكن عكسه في أي وقت، وبذا يكون قد أصبح لنصف المجتمع اختيارات جديدة لم تكن متاحة من قبل.

ويضيف أن الحبوب ستلقى قبولًا من الرجال، إذ أجْرت مؤسسته بعض الأبحاث التسويقية في هذا الإطار عضدت هذه الرؤية.

ومع هذا يعقب بأن الرجال لا يعلمون في هذه اللحظة الاختيارات التي قد يأتي بها المستقبل، لذا من المهم التركيز على التعليم وجهود الحشد والتأييد للتوعية بوجود اختيارات مختلفة، مع دمج الرجال في تلك العملية.

في المقابل يلفت عبد العال إلى أنه عادةً ما يجري الخلط بين القدرة الإنجابية والقدرة الجنسية للرجال، مما يجعل الحديث عن وسائل منع الحمل للرجال أمرًا أكثر تعقيدًا.

ويضيف أنه بوجه عام لدينا مشكلة في الوعي بمثل هذه الأمور، وكذلك في المعلومات اللازمة لاختيار الوسيلة المناسبة، فهذه الموضوعات لا تزال تمثل تابوهات لا يتم التطرق إليها بشكل كاف.

ومن ناحية أخرى، يتوقع عبد العال أن الرجال في الأغلب سيتحسسون مما قد يترتب عليها من آثار جانبية، خاصة أنها ستكون معتمدة اعتمادًا كبيرًا على التدخلات الهرمونية؛ إذ إنهم يشعرون بالخوف من الوسائل المعروف أنها مؤقتة، مثل قطع القنوات المنوية.

مدخل شامل لتحقيق المساواة

وترى "نورا سلامة"، مسؤول المتابعة والتقييم بمجلس السكان الدولي، مكتب القاهرة، أن هناك مشكلة في وضع المرأة بشكل عام، ويبدو هذا جليًّا من خلال مؤشر عدم المساواة (Gender Inequality Index)؛ إذ جاء ترتيب مصر 131 من بين 155 دولة حول العالم وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2015؛ لذا يحتاج الموضوع إلى مدخل شامل ومتكامل يحقق المساواة، وليس مجرد حملات للتوعية.

ويُعَدُّ مؤشر عدم المساواة أداةً لقياس عدم المساواة في ثلاثة مجالات: الصحة الإنجابية، والتمكين، والحالة الاقتصادية.

وتضيف أن الأطباء جزء من هذا المجتمع، فنجد الكثير منهم يناقش موضوع تنظيم الأسرة مع الزوجة بوصفها المسؤولة الوحيدة، لذا نحتاج لتغيير في الأفكار والتوجهات، وعلى الجانب الآخر نحتاج إلى تمكين النساء على كافة الأصعدة، وليس فقط في مجال التعليم والوعي؛ حتى تكون قادرةً على اتخاذ القرار وتحمُّل تبعاته.

وترى جورج الخطوات المستقبلية للبحث العلمي، من خلال إجراء اختبارات خصوبة على الحيوانات بعد التزاوج، ثم دراسات مستفيضة للتأكد من سلامة وأمان المركبات المنتجة قبل تجربتها على الإنسان بموافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA).

وتبقى فكرة تطوير وإنتاج وسائل جديدة يشارك بها الرجال في تنظيم الأسرة مجالًا مفتوحًا على مصراعيه، مليئًا بالخيارات والابتكارات التي قد تحقق يومًا السهل الممتنع؛ ونرى وسيلة فعالة بمضاعفات أقل.