على مدار عقود طويلة، ظل علاج الألم بالمواد المخدرة هو الأكثر فاعليةً على مستوى العالم، إلا أنه خلال السنوات الأخيرة، بدأت عديد من الفرق العلمية البحث عن بدائل أخرى، لتجنُّب الآثار الجانبية، وأخطرها الإدمان ومضاعفاته في حالات العلاج طويل الأمد.

توالت الأبحاث والدراسات التي جربت العديد من الطرق والإستراتيجيات من أجل ابتكار علاج ناجع وفعال للألم، كان آخرها فكرة تحمل شعارًا مثيرًا ولافتًا للانتباه هو: "عندما يصبح الداء دواء"... وترتكز على استخدام ميكروب الجمرة الخبيثة (الأنثراكس) الذي استطاع أحد سمومه منع الألم بأشكاله المختلفة في الفئران وبعض حيوانات التجارب وفي الخلايا البشرية في المعمل أيضًا.

تأتي هذه النتائج ضمن جهود دراسة علمية أجراها باحثون من كلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية، بالتعاون مع باحثين من معاهد أخرى، وآخرين في مؤسسات صناعية، نجحوا في تصميم طريقة لإيصال بروتين الجمرة الخبيثة إلى مستقبلات الألم لتعديل وظيفة الخلايا العصبية، كشفت الدراسة التي نُشرت في دورية "نيتشر نيوروساينس" ديسمبر الماضي، أن أحد سموم الأنثراكس يعمل على تغيير الإشارات في الخلايا العصبية المستشعرة للألم، وعندما يتم توصيله لاستهداف الخلايا العصبية في الجهازين العصبي المركزي والطرفي، يمنح الراحة للحيوانات التي تعاني من الألم.

وتمثل نتائج الدراسة نقلةً نوعيةً في تصميم علاجات الألم التي تستهدف ألياف استشعار الألم على وجه التحديد، لتجنُّب الآثار واسعة النطاق للمواد الأفيونية ومسكنات الألم الأخرى على أجهزة الجسم.

المفارقة أن ميكروب الأنثراكس يتمتع بسُمعة تثير الرعب في نفس كل مَن يعرفه، فهو يسبب التهابات رئوية خطيرة في الإنسان، وإصابات جلدية بشعة في الماشية والبشر، وإن كانت غير مؤلمة. 

تقول نيكول يانج، الباحثة الأولى في الدراسة والمتخصصة في الهندسة الكيميائية بمعمل "تشيو" للمناعة: إن هناك حاجة شديدة إلى توسيع نطاق ترسانة إدارة الألم بتطوير علاجات فعالة بعيدًا عن المواد المخدرة وما قد يترتب عليها من إدمان، مضيفةً أن المخدرات تظل هي الأكثر فاعليةً حتى الآن، ولكن تبقى خطورتها في قدرتها على إعادة برمجة نظام المكافأة في الدماغ، مما يجعلها مسببةً للإدمان بشدة.

يقول إسحاق تشيو، الباحث الأول أيضًا في الدراسة والأستاذ المساعد في علم المناعة في معهد "بلافاتنيك" بجامعة هارفارد في تصريح لـ"للعلم": إن سموم الأنثراكس ليست آمنةً لاختبارها على الإنسان في الوقت الحالي بأي صورة، موضحًا أن هذه الدراسة تعتبر في المرحلة قبل السريرية، وتم خلالها حقن سم الأنثراكس في النخاع الشوكي للفئران، بحيث يقتصر تأثيره على العمود الفقري والجهاز العصبي.

وأضاف: نجح الحَقن بهذه الطريقة في وقف الآلام المختلفة في الفئران، مبينًا أنه بالرغم من ذلك، فإن الحَقن في الأطراف قد يكون مميتًا في كلٍّ من الفئران والإنسان.

وللتأكد من سلامة الحَقن وأمانه، أوضح أنه لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من البحث العلمي على نماذج الحيوانات المختلفة؛ بغرض تحسين الجرعات وطريقة الحَقن.

من جانبه، يعلق هاني نجيب الديب -أستاذ علاج الألم بالأكاديمية الطبية العسكرية- على نتائج الدراسة بقوله: إنها دراسة مبدئية ولكن يمكن البناء عليها، فهناك سموم لعلاج الألم ومنها سم البوتولينيوم أو البوتوكس، ولكنه لم يحقق نتائج فعالة بالقدر الذي يجعل استخدامه بديلًا للأدوية الحالية ممكنًا.

ويقول راشين باول -باحث ما بعد الدكتوراة بقسم الصيدلة والسموم بجامعة "بافالو" في بوسطن- في تصريح لـ"للعلم": "أعتقد أن النتائج التي تقدمها الدراسة لاستهداف علاج الألم تُعد خطوةً في الاتجاه الصحيح".

وأضاف أنه فيما يتعلق بالسلامة والفاعلية، أُجريت هذه التجارب في نماذج حيوانية، ولكن يجب الانتباه قبل تطبيق نتائجها على البشر، وكما ذكر المؤلفون، يجب أن يكون هناك تحذير من هذا النهج بسبب استخدام السموم البكتيرية التي يمكن أن تؤثر على النظم الفسيولوجية الأخرى.

وبالنسبة لعلاج الألم فى مصر، يؤكد "الديب" فى تصريح "للعلم": "مازلنا نستخدم المواد المخدرة فى علاج آلام مرضى السرطان، ولا يمكن الاستغناء عنها حتى الآن، فآثارها معروفة ونستطيع السيطرة عليها، وفق قوله. وأضاف أن منظمة الصحة العالمية تضع بروتوكولا يبدأ بالمسكنات البسيطة مثل الفولتارين وأمثاله ثم المورفين البسيط مثل الترامادول والكودايين ثم المورفين الشديد وأنواعه كثيرة. ويستطرد: لكننا لا نستخدم  المواد المخدرة فى علاج آلام الأعصاب وإنما نحقن مواد ضد التشنجات أو الكورتيزون للعصب الذى يسبب الألم، وإذا كان الألم ناتج عن التصاقات ما بعد عملية انزلاق غضروفى، فيتم حقن حمض "هايلورونيك" للتغلب على الالتصاقات وهذا الحمض ليس له علاقة بالمواد المخدرة".

التفاعل بين الميكروبات والجهاز العصبي

 ويهتم الباحثون بشكل خاص في معمل "تشيو" بالتفاعل بين الميكروبات والجهاز العصبي وجهاز المناعة، ومن خلال محاولة تحديد الاختلاف بين الخلايا العصبية المستشعرة للألم وغيرها من الخلايا الأخرى في جسم الإنسان، تَبيَّن أن الألياف العصبية تتمتع بمستقبلات لسموم الأنثراكس بعكس أنواع الخلايا الأخرى، ويشير "شيو" إلى فاعلية سم الأنثراكس في وقف الألم في جميع الفئران، مما يحفز الباحثين للاستفادة من إمكانيات هذا العلاج.

وفي سلسلة من التجارب، وجد الباحثون أن سم الأنثراكس عدَّل الإشارات في الخلايا العصبية البشرية في أطباق المختبر وكذلك في الحيوانات، كما لاحظوا أن العلامات الحيوية مثل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجسم، والتناسق الحركي لم تتأثر بحَقن السم في الجزء السفلي من العمود الفقري للفئران، هذه الملحوظة أكدت أن هذه التقنية كانت انتقائيةً ودقيقةً في استهداف ألياف الألم ومنع الألم دون آثار واسعة النطاق على الأجهزة الأخرى.

وخفف حَقن الفئران من أعراض الألم الناتج عن الالتهاب، والذي ينتج عادةً عن تلف خلايا عصيبة ويحدث عقب إصابة عصبية شديدة وبعض الإصابات الفيروسية مثل "هربس زوستر" أو الحزام الناري أو بسبب مضاعفات مرض السكري أو علاج السرطان.

حوَّل الباحثون بروتينات الأنثراكس إلى حوامل لمواد أخرى مثبطة للألم من أجل حَقنها في الخلايا العصبية ومعها سم البوتولينيوم، وهو مشتق من بكتيريا قاتلة لها قدرة على تعديل الإشارات العصبية.

يقول "تشيو" في تصريح لـ"للعلم": "إن سم البوتولينيوم مشتق من بكتيريا (C. botulinum)، ويعمل عن طريق منع عملية النقل العصبي، وكذلك سم الجمرة الخبيثة المشتق من بكتيريا B.anthracis)). ويضيف: لقد وجدنا أن سم الأنثراكس المحقون داخل النخاع الشوكي يمنع النقل العصبي، لكن الطريقة التي يتم بها ذلك يجب أن تكون مختلفةً عن طريقة سم البوتولينيوم.

ومن المعروف أن البوتولينيوم يُستخدم على نطاق واسع في مستحضرات التجميل، وإحدى الأفكار التي استخدمها الفريق البحثي لهذه الدراسة هي دمج سم الجمرة الخبيثة مع أجزاء من سم البوتولينيوم للاستفادة من المزايا المختلفة في كلٍّ منهما لمنع الألم.

ويرى "شيو" في البيان الصحفي المصاحب للدراسة أن هناك احتمالًا بقيام الميكروبات بتطوير وسائل للتفاعل مع مضيفها من أجل تسهيل انتشارها وبقائها على قيد الحياة، وفي حالة الجمرة الخبيثة، قد تكون هذه الآلية التكيفية هي الإشارات المتغيرة التي تمنع قدرة المضيف على الشعور بالألم.

ويقول "باول" في حديثه لـ"للعلم": إن تقدير عدد الأفراد الذين يعانون من الألم المزمن في جميع أنحاء العالم أمرٌ صعبٌ للغاية بسبب عدم الإبلاغ وصعوبة توافر البيانات وتصوير طبيعة الألم بشكل موضوعي، ومع ذلك، تشير التقديرات الحالية في دورية "لانست" إلى أن أكثر من 30٪ من سكان العالم يعانون من الألم المزمن، ويؤكد صعوبة التكهن بمستقبل المسكنات، خاصةً بالنظر إلى العدد الكبير من الجزيئات التي فشلت في الوصول إلى السوق في الماضي مع فاعليتها العالية في النماذج قبل السريرية، ولا تزال المواد الأفيونية تحتفظ بمكانتها باعتبارها "المعيار الذهبي" في علاج الألم، لكنه يتوقع  أنه مع تقدم الوقت وتطوير علاجات جديدة، قد تنخفض جرعة المواد الأفيونية التي تُعطى لعلاج الألم بسبب العلاجات التوليفية (جرعة منخفضة من الأفيون+ دواء جديد).