منذ عدة أشهر، انتشر على موقع (تيك توك) مقطع فيديو للراهبة الأمريكية الأخت مونيكا، تشرح فيه روتينها البسيط للعناية ببشرتها، واختصرت الراهبة -ذات الخمس وخمسين عامًا والتي تبدو أصغر من عمرها بشكل ملحوظ- عنايتها ببشرتها بعدم التعرُّض المباشر لأشعة الشمس واستخدام غسول لطيف[1]، كان غريبًا عدم التفات متابعي الأخت مونيكا إلى سيرتها الذاتية أو تخصصها الكهنوتي بقدر ما جذبتهم بشرتها الصافية، لكن مع غرابة هذا الأمر، بات هذا الاستفسار معتادًا جدًّا على مواقع التواصل الاجتماعي، أن تظهر سيدةٌ ما في مقطع للفيديو، فتتوالى عليها التعليقات للاستفسار عن طريقة عنايتها ببشرتها الصافية أو المكان الذي ألصقت فيه أظفارها الصناعية أو شعرها المموج الكثيف أو المساحيق التي تضعها، عمليًّا هذه الأسئلة هي بمنزلة طلب ترشيحات علامات تجارية لمواد تجميل أو صالونات عناية، قد تذهب إليها السائلة أو تستخدمها ثم تتخلى عنها إذا وجدتها غير فعَّالة، لكن الأخطر من هذه الاستفسارات هو السؤال عن "روتين" العناية الشخصية، الذي غالبًا ما يكون عن تحسين البشرة أو الشعر.

"روتين العناية" عبارة ظهرت فقط في السنوات الأخيرة، وتعني عدة خطوات يتبعها الشخص بشكل يومي أو أسبوعي أو كليهما في سبيل الاعتناء بمظهره، وغالبًا ما تتضمن هذه الخطوات استخدام مستحضرات طبية أو تجميلية على نحوٍ منتظم وعلى مدى طويل، و"الروتين" لا يعبر عن إجراءات قياسية في سبيل تحسُّن مظهر البشرة أو الشعر، إنما تعبر الكلمة فقط عن فكرة اتباع منظومة إجراءات منتظمة عدة أسابيع، لتتعدد أشكال "الروتين"، فمثلًا هناك إجراءات مختلفة وفقًا لنوع البشرة (جافة أو دهنية أو عادية أو مختلطة)، أو باختلاف الغرض، مثلًا: روتين التخلص من حبوب الوجه، وروتين تفتيح البشرة، وروتين تأخير ظهور التجاعيد، وهكذا، لذلك يسأل الجمهور كل شخص عن الروتين الخاص به، أو الخطوات التي يتبعها لتحقيق نتيجة معينة في العناية ببشرته أو شعره.

بالتالي فإن "الروتين" هو الدجاجة التي تبيض ذهبًا لكثير من الشركات، لأن إجراءات أي خطة للعناية تتضمن استخدام عددٍ لا بأس به من منتجات العناية، على سبيل المثال، النموذج الشائع للعناية ببشرة الوجه هو استخدام غسول طبي، وقابض للمسام وكريم ترطيب ليلي وآخر نهاري وثالث للوقاية من الشمس، تختلف تركيبة كلٍّ منها وفق الغرض الذي يستهدف الشخص الوصول إليه، لذا نجد كبريات شركات مستحضرات التجميل قد استحدثت مجموعات لمنتجات "الروتين" المختلفة.

لماذا نسأل عن "الروتين"؟

أدى انتشار فكرة اتباع "روتين العناية بالبشرة" إلى ارتفاع مبيعات مستحضرات العناية بالبشرة على حساب مستحضرات التجميل، أي أن الطلب على كريمات الترطيب وغسول الوجه والكريم الواقي من الشمس بات متفوقًا على شراء كريم الأساس أو الكريم الخافي لعيوب الوجه، ووصل هذا الطلب إلى درجة أن علامةً ما من العلامات التجارية الشهيرة لمستحضرات التجميل كانت تبيع منتجًا كل ثانية عام 2019[2]، ومن المتوقع أن تكون العناية بالبشرة هي الفئة الأكثر رواجًا في صناعة التجميل بحلول عام 2025.[3]

وقد يبدو هذا الإقبال على شراء منتجات العناية أمرًا إيجابيًّا، فقد يعكس أن الناس باتت أكثر اهتمامًا بالحفاظ على صحة جلدها من تجميله، وهو استنتاج يبدو منطقيًّا، خاصةً مع تنامي الطلب – خلال السنوات الخمس عشرة الماضية- على مستحضرات مخلّقة من مكونات طبيعية وعضوية أو نباتية[4]، لكن في الوقت ذاته، لعل هذا الطلب وجهٌ آخر لعملة عدم الرضا عن الجسد، التي تروِّج لها المتابعة المستمرة لمواقع التواصل الاجتماعي؛ فهذه المتابعة المكثفة للمشاهير تدفعنا إلى مقارنة أجسامنا بهم.

في كتابها (الصورة المثالية للجمال بين المشاهير والواقع) تناقش آية محمد يحيى "معايير الجمال المثالية الوهمية" باعتبارها محصلة الشكل الأفضل للجسد الذي نراه على مواقع التواصل الاجتماعي ونسعى إليه، سواء بشكل سريع عبر استخدام تطبيقات تحرير الصور، أو باستخدام (فلتر) لتغيير الملامح بشكل أوتوماتيكي (مثلًا: إظهار البشرة أكثر صفاءً، إكساب الخدود حُمرة، تصغير الأنف... إلخ)، لكنها تشير -في الوقت نفسه- إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي ذاتها كانت بالنسبة للبعض أداةً لتعديل الصورة النمطية للجمال ومواجهة هذه "المعايير الوهمية"، لتستعرض عددًا من تجارب مؤثرين حفزوا متابعيهم على تقبُّل أجسادهم.

وفي الفريق المُدافع عن فكرة ذاتية الجمال (كل شخص له جماله الخاص) بعض شركات التجميل الكبرى، مثل (دوف) التي أطلقت مشروع (تقدير الذات) عام 2004 بهدف الوصول إلى "عالم يكون فيه الجمال مصدرًا للثقة، وليس القلق"[5]، في الوقت نفسه، هناك تيار صاعد بين مستخدمي الإنترنت اسمه (تقليلية العناية بالبشرة) أو skinimalism مشتق من اسم ومفهوم "التقليلية" أو استخدام أقل عدد ممكن من الأشياء لتحقيق الغرض، ورغم ظهور هذا التيار في الغرب بالأساس، إلا أنه في عالم متصل كالذي نحيا فيه، لا شك أن الفكرة سوف تصل إلى منطقتنا العربية.

روتين "عالجت شيئًا لكن أفسدت أشياء"

لكن، هل يعني انتشار مستحضرات العناية الطبيعية وظهور تيار التقليلية في العناية بالبشرة ومجهودات التصدي لمعايير الجمال الوهمية من عدد من المؤثرين وبعض شركات التجميل أن "الروتين" أمرٌ هين؟

للأسف لا، ففي الوقت الذي تُطلَق فيه هذه المبادرات، يستمر الهوس بالبحث عن جسد مثالي، لنجد أعداد مستخدمي تصنيف SkinCareAddiction (إدمان العناية بالبشرة) على منصة (ريدت) الشهيرة لحفظ صفحات الإنترنت المفضلة تجاوز المليون شخص في مايو الماضي[6]، أما في المنطقة العربية، فلا تزال الفيديوهات عن "روتين" البشرة والشعر تتزايد على مواقع التواصل الاجتماعي، وخطورة الأمر أن كثيرًا من "الروتين" المُقدم هو من صناعة غير متخصصين، بالتالي فهو إما غير حقيقي ولا أساس علمي له، أو أنه ضارٌّ برمته، أو أنه فعال في تحسين أحد جوانب المظهر، لكنه في الوقت نفسه يضر جوانب أخرى بشكل أكبر.

 ما أسميه (روتين عالجت شيئًا لكن أفسدت أشياء) هو ذلك المعتمد على الوصول إلى نتيجة معينة حتى لو ترتب على خطوات هذا الوصول الإضرار بالصحة، فنجد مثالًا لعنوان آخر فيه كثير من المبالغة "كريم طبي يوضع كل ليلة وتمتعي بوجه مشرق كالشمعة"، واستخدمت صانعة المحتوى لفظ "طبي" لإضفاء المصداقية على هذا "الروتين" الذي تنصح باتباعه "كل ليلة"، والوصفة تحمل كريمًا طبيًّا بالفعل، لكنها تظل مضلِّلة، فالفيديو ينصح باستخدام مستحضر (تيراميسين)، وهو مرهم موضعي يوصف لعلاج التهاب الجلد البكتيري أو التهابات العين، ويحتوي على مزيج من اثنين من المضادات الحيوية (أوكسي تتراسيكلين) و(بوليميكسين)، ويُستخدم هذا المرهم بالفعل للجلد في حالات الجروح والحروق وحب الشباب، لكنه قد يتسبب في التورم والاحمرار والحساسية والطفح الجلدي ما لم يؤخذ تحت إشراف طبيب، فضلًا عن أنه لا يُنصح للحوامل والمرضعات باستخدامه، وهو ما لم تحذر منه صاحبة المحتوى.

مثال آخر، فيديو بعنوان "تطويل الشعر نصف متر في أسبوع.. شعرك يطول مثل الهنديات بدون توقف"، وهو حقًّا عنوان يجذب الباحثات عن إطالة شعورهن، لكن هل تعرف النساء أن متوسط نمو الشعر في الأسبوع يقل عن سنتيمتر واحد؟[7] بالتالي فإن نتيجة "نصف متر في أسبوع" غير واردة علميًّا، لكن العنوان مُغرٍ بما يكفي للسيدات لاتباع أي وصفة سوف تقدمها صانعة الفيديو دون تحقُّق من مصداقيتها الطبية، وعام 2018، أظهرت دراسة مسحية على عينة من مستخدمي المواقع الصحية في القاهرة أن 32 بالمئة منهم فقط يتأكدون من صحة المعلومات الطبية التي يحصلون عليها من الإنترنت، في حين يستفيد منها 28 بالمئة فورًا، ويفضل 21 بالمئة منهم مناقشة هذه المعلومات مع الأصدقاء[8].

ولعل مشارِكات هذه "الروتينات" لم يتعمدن التضليل، إنما حالهم حال كثير من صناع المحتوى الخاص من غير المتخصصين، تغيب عنهم المعرفة العلمية أولًا والمعيار الأخلاقي لطرح الوصفات ثانيًا، مثل عدم التنبيه إلى الأعراض الجانبية والمحاذير، بجانب استخدام العناوين المبالغة المتعارضة مع الحقائق العلمية، هي كلها أشياء تؤدي إلى التضليل المعلوماتي، لكن في سباق الوصول إلى "الروتين" الأمثل لتحقيق المظهر "المثالي"، تغدو الفاعلية هي المعيار الأوحد دون حاجة إلى الأبحاث العلمية.

تصيبنا المطالعة المكثفة لمواقع التواصل الاجتماعي بما يسمى (اضطراب التشوه الوهمي للجسد)، وهو اضطراب نفسي ينشأ من صعوبة تحكُّمنا في الأفكار السلبية حول أجسامنا، لنجد أنفسنا نتحقق باستمرار من العيوب في المظهر أو نراه غير جيدٍ بما يكفي[9]، أي أن هناك فارقًا بين حقيقة الصورة التي عليها أجسادنا، والصورة التي نراه بها نحن، "صورة الجسد" كما يعرفها أستاذ الطب النفسي رشاد موسى، في كتابه (أساسيات الصحة النفسية والعلاج النفسي)، هي "صورة ذهنية يكوِّنها الفرد عن الموضوعات المرتبطة بجسمه من حيث المظهر الخارجي والمعتاد، أو قدرته على توظيف هذه الأعضاء أو حجم الجسم وشكله، وقد يصاحب هذه الصورة الذهنية مشاعر وانفعالات إيجابية وسلبية"، هكذا فإن تقييمنا لأشكالنا ومدى احتياجنا إلى "روتين" لتحسينها في حالة الرضا عنها، أو لحمايتها من تدهور محتمل بسبب السن أو الجو أو غير ذلك هو في داخلنا وعلى هذا الأساس نراه، وتتعدد الدراسات التي تُظهر تأثير استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على رضانا عن صور أجسادنا[10]، بالتالي فإذا لم يكن لدى كلٍّ منا درجة كافية من الرضا والتقبل لأجسادنا فإننا لن نتوقف عن البحث عن "روتين" تلو الآخر؛ لإصلاح عيوب وهمية ناتجة –فقط- عن مقارنة صورنا بالآخرين.

 

[1] https://www.dailymail.co.uk/femail/article-9798059/Nun-55-goes-viral-TikTok-sharing-simple-skincare-routine.html

[2] https://www.bbc.com/arabic/business-47215758

[3] https://www.businesswire.com/news/home/20210621005003/en/Skincare-Sales-Set-to-Reach-USD-181-Billion-by-2025-as-Consumers-Are-on-a-Quest-For-%E2%80%98Skinimalism%E2%80%99

[4] https://www.cbd.int/abs/doc/protocol/factsheets/policy/ABSFactSheets-Cosmetics-AR-web.pdf

[5] https://www.dove.com/arabia/ar/dove-self-esteem-project/our-mission.html

[6] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC8180240/

[7] https://www.medicinenet.com/how_fast_will_my_hair_grow_in_a_week/article.htm

[8] https://jkom.journals.ekb.eg/article_108414.html

[9] https://emotionmatters.co.uk/2018/10/04/how-does-social-media-influence-body-image/

[10] https://www.bbc.com/arabic/vert-fut-47778416