يبدو أننا قد نتمكن أخيرًا من السيطرة على أمعائنا، هذا ما توصلت إليه دراسة حديثة نُشرت في يناير 2016 تكشف طريقة تتحكم بها الفئران -وربما الإنسان أيضًا- في تكوين الميكروبيوم الموجود في أمعائها وسلوكه. وهذا الاحتمال يقلب رأسًا على عقب الاعتقاد السائد بأن الجراثيم التي تسكن أمعاءنا –ضمن نظام بيئي معقد- تتحكم بنا كالدُّمى، وتغير الكيمياء الحيوية لأدمغتنا في الوقت الذي تهتم فيه بالجهاز المناعي وتحمي من العدوى وتساعد على هضم الكميات الهائلة من الأطعمة المتنوعة التي نتناولها.

ففي سلسلة من التجارب التفصيلية وجد باحثون من كلية الطب بجامعة هارفارد ومن مستشفى بريجهام للنساء أن براز الفئران مليء بجزيئات ضئيلة الحجم من الحمض النووي الريبوزي (RNA) غير المشفر، يُطلَق عليها جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة (microRNAs) خرجت من أجهزتها الهضمية، وأن هذه الجزيئات الحيوية تشكل الميكروبيوم وتنظمه. يقول تيم سبيكتور -أستاذ علم الأوبئة الوراثية في كينجز كوليدج لندن، والذي لم يشارك في هذه الدراسة-: "منذ عدة سنوات ونحن نعلم مدى تأثير الميكروبيوم على الصحة، وكانت لدينا شكوك أن هذا التأثير متبادل، غير أننا لم ننجح في فهم الأمر وإثباته بهذه الدقة من قبل. إن هذه الدراسة الجديدة تشرح بوضوح التفاعل المتبادل بيننا وبين هذه الجراثيم، وتوضح الاتجاه الآخر للعلاقة، وهذا أمر مذهل حقًّا"، وسبيكتور هو مؤلف كتاب "خرافة الحمية: لماذا يكمن سر الصحة وفقدان الوزن في الأمعاء" The Diet Myth: Why the Secret to Health and Weight Loss Is Already in Your Gut.

بالإضافة إلى ذلك، توصل الباحثون إلى أن براز الإنسان يتشابه مع براز الفئران في 17 نوعًا من جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة، وهو ما قد يدلل على وجود آليات مماثلة لدى البشر. كما أنه قد يمهد الطريق أمام سبل علاجية جديدة تتضمن زراعة جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة. ويقول المؤلف الرئيسي للدراسة هاوارد وينر -وهو اختصاصي علم الأعصاب في كل من جامعة هارفارد ومستشفى بريجهام-: "بالطبع إن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو التساؤل عن مصدر جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة هذه وعن سبب وجودها هناك". وقد نُشرت هذه الدراسة في دورية "سل هوست آند ميكروب" Cell Host & Microbe.

تمكن الفريق من الإجابة عن السؤال المتعلق بمصدر هذه الجراثيم عبر مقارنة فئران التجارب العادية بنظيراتها التي تمت تنشئتها بحيث تفتقر إلى جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة في أنواع محددة من الخلايا المبطنة للأمعاء. وعلى الرغم من عدم إحداث تغيير في جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة في خلايا الجسم الأخرى في تلك الفئران، فإن عدد هذه الجزيئات قد انخفض في برازها، مما يشير إلى وجود رابط بين تلك الجزيئات التي تكون موجودة عادة في الأمعاء وظهور هذه الجزيئات في البراز. واستنتج الباحثون من الأدلة أن جزيئات الحمض النووي الريبوزي المتخصصة هذه تأتي من نوعين من الخلايا الظهارية المبطنة للجهاز الهضمي.

وقد حاول فريق العمل أيضًا الإجابة عن السؤال المتعلق بسبب وجودها من خلال استكشاف ما تفعله تلك الجزيئات شديدة الضآلة –إذ لا يتجاوز طولها 18 إلى 23 نكليوتيد– في هذا المكان. وقد وجد وينر وزملاؤه أن هذه الجزيئات التي تفرزها تلك الخلايا الظهارية لا تكتفي بموقف المتفرج، بل ما أثار دهشتهم أنها تؤدي دورًا دقيقًا ومتميزًا للغاية؛ إذ يبدو أنها تقوم بتنظيم الجراثيم الحيوية نفسها. فقد ظهر لدى الفئران التي لديها نقص في جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة في الأمعاء زيادة احتمال الإصابة بالتهاب القولون. ولكن ما إن نُقلت لهذه الفئران جزيئات من الحمض النووي الريبوزي الدقيقة من فئران سليمة بواسطة أنبوب متصل مباشرة بالأمعاء، حتى تمكنت الفئران المريضة من تطوير بنيتها المعوية بحيث أصبحت طبيعية. ويصف سبيكتور -الذي لم يشارك في البحث- هذه السلسلة من التجارب بأنها "رائعة".

وبعد التوصل إلى هذه النتائج المهمة وجد الباحثون أيضًا بصورة منفصلة أنه بإمكان جزيئات متميزة من الحمض النووي الريبوزي الدقيقة تغيير بكتيريا محددة في جسم الفئران من خلال وسائل طبيعية أكثر. فوضع الباحثون في المياه المخصصة للشرب للفئران جزيئات من الحمض النووي الريبوزي الدقيقة المخلقة التي تعمل على زيادة نمو بكتيريا الإشريكية القولونية (Escherichia coli). وبعد أن شربت الفئران هذه المياه لمدة يومين تضاعف عدد بكتيريا الإشريكية القولونينة في برازها، وهو ما يؤكد على أن إدخال أنواع محددة من جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة يؤثر على الأمعاء. فيقول وينر: "أعتقد أن النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى احتمالية أن تكون هناك طريقة محددة لتغيير الميكروبيوم. وهذا من شأنه أن يفتح أمامنا الكثير من الآفاق والاحتمالات".

في الماضي، كان الجزء الأكبر من التركيز على الفوائد الصحية للميكروبيوم ينصب على التطبيق الطبي لتجربة زراعة البراز: أي زراعة براز شخص في قولون شخص آخر على أمل تعديل وضع البكتيريا في أمعاء الشخص المتلقي. بيد أن احتمالية استخدام نوع مختلف من جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة لتغيير وضع بكتيريا محددة مختلفة قد يكون بديلًا أكثر جاذبية. نظريًّا، قد يكون أسلوب استخدام الخرائط الجينية من بيانات التسلسل لبناء جزيئات تحاكي جزيئات الحمض النووي الريبوزي الدقيقة -والقادرة على الارتباط بنفس الأشياء التي ترتبط بها هذه الجزيئات– أسهل وموجهًا أكثر، ثم بعد ذلك الشروع في إجراء عمليات زراعة البراز بعد التأكد من أنها آمنة.

وظهرت إمكانية هذا العلاج المستقبلي المحتمل في الوقت الذي تضيف فيه نتائج الأبحاث الحديثة الأخرى المزيد من التفاصيل التي نحتاج إليها حول فهمنا للمايكروبيوم. ففي الأسبوع الماضي، أشارت مراجعة للتقديرات أن العدد التقريبي الذي طالما جرى الاستشهاد به على أن ميكروبات الأمعاء عددها يتجاوز عدد خلايا جسم الإنسان بنسبة 10 إلى 1 غير دقيق، وأن العدد الحقيقي، وفقًا لمراجعة تحاليل حديثة للحمض النووي والتصوير بالرنين المغناطيسي– هو نفس عدد الخلايا تقريبًا. وفي هذه الأثناء، ثمة دراسات جديدة تلقي بالضوء على كيفية حصول جسم الإنسان على هذه المجموعة المحددة من الكائنات المتوحشة التي تسكن أمعاءنا، وهذا يشمل تفاعلنا مع البيئة ومع البشر حولنا وأيضًا مع تركيبنا الوراثي. وهذا ليس بالأمر البسيط!