يُعَد اكتشاف أن أدمغة البشر تنتج خلايا عصبية جديدة طوال عمر الإنسان أحد أكبر الاكتشافات في مجال علم الأعصاب في العشرين عامًا الماضية. وقد حظيت الفكرة باهتمام شعبي وعلمي هائل، خصوصًا لأنها تعطي بريقًا من الأمل في إمكانية استخدام تلك القدرة التجديدية للدماغ في تعزيز الإدراك، أو لمعالجة الإصابات أو الأمراض. وفي الحيوانات، ربط العلماء بين الإنتاج المتواصل للخلايا العصبية الجديدة وتحسُّن عمليات التعلُّم والذاكرة، وربما حتى ضبط الحالة المزاجية.

بيد أن اكتشافاتٍ توصلت إليها دراسة جديدة أُجريت على البشر ونُشرت في النسخة الإلكترونية من مجلة Nature في شهر مارس، كبحت جماح هذه الفكرة؛ ففي تَحَدٍّ مباشر لدراسات سابقة، قال الباحثون إن الأشخاص البالغين لا ينتجون خلايا عصبية جديدة في منطقة الحصَين، أحد المراكز الرئيسية لمعالجة الذكريات.

تمثل هذه الدراسة أحدث حلقة في الجدل المثار حول ما إذا كانت أدمغة البشر البالغين تنتج خلايا جديدة أم لا، وإلى أي مدى تفعل ذلك. كان العلماء في البداية يعتقدون أن الدماغ يتوقف عن إنتاج الخلايا العصبية عند الولادة، أو بعدها بوقت قصير، غير أن الأبحاث التي أُجريت في ستينيات القرن العشرين بدأت تدحَض هذا الاعتقاد. فقد كشفت التقنيات الجديدة لوسم الخلايا المنقسمة عن ولادة خلايا عصبية جديدة –في عملية تُعرف باسم تخلُّق النسيج العصبي– في أجزاء من أدمغة الجرذان البالغة. وعلى مدار العقود القليلة التالية، اكتشف العلماء حدوث تخلُّق النسيج العصبي في الحيوانات البالغة من أنواع أخرى، شملت الطيور والفئران والقرود. وفي دراسة بارزة أُجريت عام 1998 سَجَّلَ باحثون حدوث هذه الظاهرة في منطقة الحصين من دماغ الإنسان البالغ. وقد عزَّزت دراسة أخرى كبرى نُشرت عام 2013 هذه النتائج، إذ قدرَتْ أن حوالي 1400 خلية عصبية من خلايا الحصين يتم إنتاجها يوميًّا في أدمغة البالغين.

غير أن نتائج الدراسة الأخيرة تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، مما أثار الدهشة، حتى بين الباحثين أصحاب الدراسة أنفسهم. فيقول آرتورو ألفاريز-بويلا، عالِم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: "لقد بحثنا داخل الحصين متوقعين أن نرى الكثير من الخلايا العصبية صغيرة السن، وقد أثار دهشتنا أننا لم نستطع العثور عليها".

فحص فريق ألفاريز-بويلا، بالتعاون مع باحثين في الصين وإسبانيا ولوس أنجلوس، 59 عينةً من أدمغة بشر تتراوح أعمارهم بين المراحل الجنينية وحتى 77 عامًا، وهي عينات تم الحصول عليها إما بعد الوفاة أو في أثناء إجراء جراحات بالدماغ. قام الباحثون بتقطيع النسيج الدماغي إلى شرائح، وأضافوا إليها أجسامًا مضادةً مختلفة، بإمكانها الإشارة إلى وجود خلايا عصبية شابة وكذلك خلايا منقسمة تؤدي إلى إنتاج خلايا عصبية جديدة. وقد رصد الباحثون أدلةً واضحةً على تكوُّن خلايا عصبية جديدة في العينات المأخوذة في مرحلتي قبل الولادة وبعد الولادة مباشرة، لكن انخفضت الأدلة انخفاضًا واضحًا في السنة الأولى من العمر، وفي العينات من سن سبع سنوات وثلاث عشرة سنة لم يظهر سوى القليل من الخلايا العصبية الشابة المنعزلة، أما في العينات من أشخاص بالغين فلم يعثر الباحثون على أي خلايا عصبية جديدة.

ويقول باسكو راكتش، الذي طالما أعرب بوضوح عن شكوكه في وجود تخلُّق النسيج العصبي لدى البشر البالغين: "أشعر أني كنت محقًّا منذ البداية". تشير أبحاث راكتش، الذي يعمل في جامعة ييل، إلى أن القردة البالغة تنتج خلايا عصبية جديدة أقل كثيرًا من التي تنتجها القوارض، ويميل راكتش إلى تأييد الفكرة القائلة بأن غياب -أو شبه غياب- تخلُّق النسيج العصبي في الرئيسيات البالغة، وهذا يشمل البشر، يمكن أن يساعد على منع حدوث اضطرابات في الدوائر العصبية المعقدة، ويقول: "هذا البحث لا يقدم فقط دليلًا مقنعًا للغاية على غياب تخلُّق النسيج العصبي في الحصين لدى البشر البالغين، بل يوضح أيضًا أن بعض الأدلة التي قدمتها دراسات أخرى لم تكن قاطعة".

وكانت تفسيرات باحثين آخرين -غير مشاركين في الدراسة– لنتائج الدراسة الجديدة أقلَّ حدة، فيقول ستيفن جولدمان، عالِم الأعصاب بجامعة كوبنهاجن والمركز الطبي التابع لجامعة روتشستر: "إنها إلى حدٍّ كبير أفضل قاعدة بيانات جُمعت حول دوران الخلايا في منطقة الحصين في أدمغة البشر البالغين. ولا يزال الرأي النهائي للعلم غير متوفر حول ما إذا كان يتم بالفعل إنتاج أي خلايا عصبية جديدة، وإذا كان هناك تخلُّق لنسيج عصبي بالفعل فإنه ليس على المستوى الذي افترضه الكثيرون". لقد كانت لدى جولدمان شكوكه منذ بداية العقد الأول من القرن الحالي، عندما عَزل فريقه العلمي الخلايا الأرومية العصبية من أدمغة البشر البالغين، فرغم قدرة هذه الخلايا على إنتاج خلايا عصبية في الأوعية المعملية، فإنها كانت نادرةً في الدماغ. ويعتقد جولدمان أن الدراسة الأخيرة ستساعد على ترويض التوقُّعات الجامحة بشأن إمكانية استخدام تخلُّق النسيج العصبي في البالغين لمعالجة الذاكرة أو الاضطرابات المزاجية في المرضى.

ومن ناحية أخرى، يرى آخرون أنه من المبكر للغاية تغيير المسار اعتمادًا على النتائج الجديدة، فيتمسك جوناس فريسين، مؤلف رئيسي للدراسة التي نُشرت عام 2013، بالنتائج الأصلية لدراسته، ويقول: "نظرًا لأن مؤلفي الدراسة الجديدة يبحثون عن ظاهرة نادرة، فمن المحتمل ألا يكونوا قد بحثوا بعناية كافية". إن الخلايا العصبية التي يبلغ عددها 1400 التي قَدَّر فريق فريسين أنها تنشأ يوميًّا، تشكِّل نسبةً ضئيلةً للغاية من خلايا الحصين التي يبلغ عددها عشرات الملايين. وللعثور على تلك الخلايا، درست مجموعة فريسين -التي تعمل بمعهد كارولنسكا في ستوكهولم- أشخاصًا تعرضوا لاختبارات القنابل النووية في أثناء الحرب الباردة، وتمكَّن الفريق العلمي من دمج أحد النظائر المشعة للكربون في الخلايا المنقسمة لدى هؤلاء الأشخاص على مدار عدة سنوات. ويقول فريسين بأن هذا القياس التراكمي يستطيع الكشف عن تخلُّق النسيج العصبي بكفاءة أكبر من استخدام الأجسام المضادة التي تحدد الخلايا العصبية الجديدة في نقطة زمنية واحدة.

ويضيف فريد جيدج، عالِم الأعصاب بمعهد سولك للدراسات البيولوجية: إن المجموعة البحثية التي تقودها جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو "لم تكن في الواقع تقيس تخلُّق النسيج العصبي في هذه الدراسة؛ إذ إن تخلُّق النسيج العصبي عملية وليس حدثًا. كل ما فعلوه هو أنهم أخذوا نسيجًا ميتًا وفحصوه في تلك اللحظة من الزمن". وكان جيدج وزملاؤه في الدراسة المبتكرة التي أجريت عام 1998، قد درسوا أدمغة أشخاص تلقوا -في إطار علاج السرطان– جزيئًا تصويريًّا يصبح بعد دخوله إلى الجسم جزءًا من الحمض النووي في الخلايا النشطة في عملية الانقسام. ويعتقد جيدج أيضًا أن مؤلفي الدراسة استخدموا معايير شديدة التقييد لإحصاء الخلايا السلفية العصبية، مما أدى إلى تقليل فرص ملاحظة هذه الخلايا في البالغين. ويتوقع جيدج، بعيدًا عن حسم هذا الجدال، أن هذه الدراسة المثيرة سوف تزيد من الاهتمام بهذا المجال البحثي، مضيفًا: "سوف نشهد إجراء المزيد والمزيد من الدراسات".