كشفت دراسة نشرتها دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology) اليوم "الخميس"، 25 يونيو، أن الدلافين لا يمكنها تعلُّم أساليب جديدة لاقتناص فرائسها فقط، بل لديها أيضًا القدرة على اكتساب المهارات من خلال تجارب أقرانها، وليس من خلال ما تتعلمه من أمهاتها فحسب.

تشير سونجا وايلد -الباحثة في جامعة ليدز بالمملكة المتحدة- إلى أن الدراسة التي تقدمت بها لنيل درجة الدكتوراة تُظهر أن "سلوك الدلافين في قنص الأسماك، من خلال محاصرة فرائسها داخل الأصداف البحرية الفارغة، ينتشر بين الأقران المقربين من خلال التعلُّم الاجتماعي".

وتضيف "وايلد": لقد كان الأمر مثيرًا للدهشة؛ نظرًا إلى أن الدلافين وغيرها من الحيتان ذوات الأسنان، عادةً ما تتبع إستراتيجية (افعل كما تفعل الأم) لتعلُّم مهارات البحث عن الغذاء، وهناك دافع آخر يجعل نتائج الدراسة التي أجريناها مثيرةً للاهتمام، يتمثل ذلك في أن سلوك الدلافين في اقتناص فرائسها باستخدام الأصداف هو الحالة الثانية التي يتم فيها اكتشاف لجوء الدلافين إلى استخدام أدوات في الصيد؛ إذ تلجأ الدلافين في خليج القرش بغرب أستراليا إلى استخدام الإسفنح البحري كأداة للبحث عن الطعام، ولمساعدتها في صيد فريستها.

توصل الباحثون إلى هذه النتائج عن طريق دراسات مسحية من على متن أحد القوارب في خليج القرش خلال المدة بين 2007 و2018، وعبر مراقبة سلوك نحو 5300 مجموعة من الدلافين، طوال تلك المدة، تمكَّن الباحثون من تحديد أكثر من 1000 دولفين مختلف من الدلافين قارورية الأنف، التي تعيش بين المحيطين الهندي والهادئ، كما رصدوا عددًا قليلًا منها في أثناء صيد فرائسها باستخدام الأصداف نحو 42 مرة.

ويعتمد الدولفين، عبر هذه الطريقة، على مطاردة فريسته -وعادةً ما تكون سمكة- ومحاصرتها لتضطر إلى الاختباء داخل إحدى الأصداف الفارغة لحيوان ضخم من الرخويات، ثم يُدخل فمه إلى الصدفة، ويصعد بها إلى سطح المياه، ويبدأ في هزها عدة مرات لإفراغها من المياه، وفي أثناء هذه العملية تسقط السمكة داخل فمه المفتوح، ورصد الباحثون 19 دولفينًا يقوم بعملية الصيد بهذه الطريقة.

ونظرًا إلى أن هذه العملية لا تستغرق سوى ثوانٍ معدودة، فقد رجح الباحثون استخدام عدد أكبر من الدلافين لهذه الطريقة من أجل اقتناص فرائسها، ولكن لم يمكنهم رصدها، الأمر الذي أثار تساؤلات حول كيفية انتشار هذه الطريقة الجديدة في البحث عن الطعام وكيف انتقلت من دولفين إلى آخر.

وللإجابة عن هذا السؤال، تقول "وايلد" في تصريحات لـ"للعلم": في التحليل الذي أجريناه، استخدمنا 3 شبكات، شبكة ترابط اجتماعية لقياس مدى الوقت الذي يقضيه أفراد الدلافين معًا، وشبكة متداخلة مع مكان المعيشة لمعرفة هل يمكن تفسير انتشار السلوك وفقًا لتشابه الظروف البيئية، وشبكة ثالثة لتقييم مدى ارتباط الجينات الوراثية بانتشار ذلك السلوك.

وتابعت: أظهرت النتائج التي توصلنا إليها أن انتشار السلوك يرتبط بالشبكة الاجتماعية على نحوٍ أفضل، في حين لا تقدم الشبكات البيئية والوراثية تفسيرًا جيدًا لذلك الانتشار، واستنادًا إلى ذلك، استنتجنا أن سلوك الصيد باستخدام الأصداف ينتشر بين الدلافين من خلال التعلُّم الاجتماعي بين الأقران، وهو ما يقدم أول دليل على أن الدلافين لديها القدرة على التعلُّم من أقرانها، وليس فقط من أمهاتها.

من جهته، يقول الدكتور مايكل كروتزن، المتخصص في مجال التطور الاجتماعي لكلٍّ من الرئيسيات والحيتانيات بجامعة زيورخ، والذي قدم الدراسة: حقيقة أن مهارة الدلافين في الصيد باستخدام الأصداف انتقلت اجتماعيًّا عبر الأقران، وليس كما يحدث بين الأم وأبنائها، تسلط الضوء على أوجه التشابه بين الحيتانيات والقردة العليا في الطريقة التي تتناقل من خلالها السلوكيات الثقافية.

يوضح "كروتزن" في البيان الصحفي المصاحب للدراسة أنه "رغم التباين في تاريخ تطورهما ونشأتهما في بيئات مختلفة، هناك أوجه تشابه بين الحيتانيات والقردة العليا بصورة تثير الدهشة، فكلاهما من الثدييات طويلة العمر، ولديهما أدمغة كبيرة، كما يمتلكان قدرات كبيرة على الابتكار ونقل سلوكيات ثقافية واكتسابها".

وتشير "وايلد" إلى أنه لوحِظ في أثناء الدراسة أن كل الدلافين لا تمارس الصيد باستخدام الأصداف بمعدل التكرار نفسه، مضيفةً: "بعض الدلافين كانت تستخدم طريقة الصيد باستخدام الأصداف بصورة منتظمة في أثناء بحثها عن الغذاء، في حين لوحظ أن البعض الآخر لم يتبع هذه الطريقة إلا مرةً واحدة، وقد تكون هناك تفسيرات أخرى، لكن المرجح أن تكون بعض الدلافين قد أتقنت هذه المهارة أكثر من غيرها".

وتابعت: تشكل نتائج الدراسة أهميةً خاصة لفهم كيف يمكن للدلافين أن تكيف سلوكياتها مع التغيرات الطارئة في بيئتها المعيشية، والتعلُّم من الآخرين يتيح اكتساب مهارات جيدة بين الأفراد، ومن المرجح أن الأنواع التي لديها قدرة على التعلم بهذه الطريقة، تكون لديها قدرة أكبر على البقاء.

وحول ما إذا كانت هناك مهارات أخرى يمكن أن تكتسبها الدلافين من أقرانها، تقول "وايلد": تقدم دراستنا أول دليل كمي على التعلم الاجتماعي فيما يتعلق بمهارات البحث عن الغذاء عند الدلافين، والتي تعتمد عادةً على اتباع إستراتيجية "افعل ما تفعله الأم" في تعلُّم مهارة البحث عن الغذاء التي تنتقل من الأمهات إلى أبنائها، عبر ما يُسمى "التعلُّم الاجتماعي الرأسي".

وأضافت أنه بالفعل جرى رصد بعض السلوكيات الأخرى، غير البحث عن الطعام، ومنها مهارة المشي باستخدام الذيل، وهو سلوك يُتناقل أفقيًّا بين الأقران.