بعد  مرور عشرة أشهر تقريبًا على ظهور المرض، نريد أن نعرف لماذا يستغرق تطوير لقاح ضد كوفيد19 كل هذا الوقت؟

لم يستغرق تطوير اللقاح وقتًا طويلًا، بالعكس؛ فاللقاح متقدم جدًّا وواعد، وقد يظهر قبل نهاية السنة، ويُعد هذا تطويرًا سريعًا. في العادة يستغرق تطوير اللقاح مدةً تصل إلى خمس سنوات أو أكثر. أسرع لقاح تم تطويره في 4 سنوات. فإذا ظهر لقاح لفيروس كورونا المستجد خلال عام واحد، سيكون ذلك إنجازًا مهمًّا جدًّا. المشكلة الرئيسية ليست في تطوير اللقاح ذاته. فقد استطاعت شركة مودرنا تطوير لقاح في ثلاثة أشهر، لكن ما يجعل اللقاح يأخذ وقتًا للظهور هو التأكد من مدى أمان اللقاح وفاعليته. فعوامل مثل السلامة والأمان والعوامل الأخلاقية التي تمنع التجارب على البشر. تلك العوامل هي التي تؤخر تطوير اللقاح.

ما هي مراحل تطوير اللقاح؟

بعد الاكتشاف العلمي للقاح، تبدأ مراحل التجارب السريرية، وهي ثلاث مراحل رئيسية: الأولى تختبر أمان اللقاح والجرعة المناسبة على عدد قليل من الأشخاص، والثانية تختبر الفاعلية ويتم التجريب على عدد أكبر من الأشخاص وتجري ملاحظة مدى تطوير أجسام مضادة بالدم، أما المرحلة الثالثة فهي تجريب اللقاح على آلاف الأشخاص من 10 آلاف إلى 30 ألف شخص؛ للتأكد من أنه آمن، ومن ثم يتم تفعيله.

ما قولك في الشائعات التي تفيد بأن اللقاحات تعزِّز المرض بدلًا من القضاء عليه؟

هذه مغالطات لا أساس لها من الصحة. فاللقاح هو أكثر تدخُّل طبي آمن. كلٌّ منَّا تعرَّض لعشرات اللقاحات خلال حياته... أي أن هناك مئات المليارات من اللقاحات التي استخدمها سكان الكرة الأرضية، لو كانت اللقاحات غير آمنة لكان الوضع مختلفًا تمامًا. فلا أساس علمي للتشكيك في اللقاحات. اللقاح غير العُقار، فاللقاح تدخُّل بسيط، من شأنه تحفيز جهاز المناعة، لذا فأعراضه الجانبية "إن وجدت" تكون محدودةً جدًّا. أما العقار فيسبب تفاعلات كيماوية وبيولوجية داخل الجسم، مما قد يسبب أعراضًا وأضرارًا.

هل يمكن أن تكون الاستجابة المناعية للقاح مفرطةً لدرجة أن تكون مميتة؟

أحيانًا يمكن أن يُقتل الإنسان بسبب جهاز مناعته؛ لأن جهاز المناعة قد تكون له ردة فعل مفرطة تسبب الوفاة. فالعديد من الأشخاص الذين توفوا بعد الإصابة بـ"كوفيد 19" توفوا بسبب جهاز المناعة. إن مراحل تطوير اللقاح هي التي تضمن ألا تحدث ردة فعل مفرطة تهدد الصحة. فاللقاح يتم تجريبه على الآلاف، إذًا فهذه الاحتمالات هي نظرية وليست عملية، والكثير من المغالطات والمبالغات تأتي من هذا المنطلق. لن تسمح الحكومات أو منظمة الصحة العالمية بلقاح له أعراض جانبية.

العالم يتحدث عن 200 لقاح.. منهم 11 لقاحًا واعدًا وصلوا لمرحلة التجارب السريرية.. الرجاء التعقيب.

نحن محظوظون لأن الوباء قد حدث في عصر ذهبي لتطوير اللقاحات. العالم يشهد الآن تقدمًا تكنولوجيًّا في علم الأحياء سهَّل اعتماد أفكار جديدة ومبتكرة في تصميم اللقاحات. مثلًا الطريقة الجينية أو الحمض النووي، مثل لقاح شركة مودرنا وفايزر، وهي لقاحات متقدمة يمكن أن نرى لها نتائج قريبًا جدًّا، الشهر القادم مثلًا أو قبل نهاية السنة. تم تطوير تلك اللقاحات بطريقة جديدة ومبتكرة. وهناك طريقة أخرى مبتكرة هي طريقة البروتينات، لقاح متقدم مبني على فكرة استخدام البروتينات.

هناك أيضًا لقاحات تُطور عن طريق النواقل الفيروسية، مثل لقاح أسترازينيكا وجامعة أكسفورد، وهي أيضًا طريقة مبتكرة جديدة، كذلك اللقاح الروسي واللقاح الصيني مبنيان على الفكرة نفسها.

فهذه كلها أفكار جديدة ومبتكرة أُضيفت إلى الطرق التي كانت تُستخدم في السابق لتطوير لقاحات، مثل إضعاف الفيروس أو تعطيله. لدينا ما لا يقل عن 150 لقاحًا يتم تطويرها حاليًّا في المراحل ما قبل السريرية والسريرية. فالمسألة واعدة جدًّا، نحن بحاجة إلى لقاح واحد فعال جدًّا.

اللقاح الذي تطوره جامعة أكسفورد تم وقف التجارب الخاصة به ليومين قبل أن يتم استئناف العمل عليه. فماذا حدث؟

هناك لجنة مراقبة مستقلة عن الباحثين، هي التي تراقب العمل على كل تجربة، وتوثق كل ما يحدث. تلك اللجنة هي التي تنظر في كل شيء وتقرر كل شيء.

فإذا وقعت حادثة تصادم لواحد ممَّن تُجرى عليهم التجارب مثلًا، فإنهم يبحثون في إمكانية أن يكون اللقاح السبب، إن كان –مثلًا- يؤدي إلى تقليل التركيز. فاللجنة تنظر إلى أي حدث أو عرَض جانبي.

في حالة لقاح أكسفورد، إحدى الحالات التي تلقت اللقاح أصيبت بمرض نادر له علاقة بجهاز المناعة، وعلى الرغم من أنه لا يوجد أي دليل على أن اللقاح هو السبب، إلا أنه لاعتبارات الأمن تم وقف التجارب عليه للبحث، ثم تم استئناف التجربة بعد ذلك في بريطانيا وغيرها من الدول.

ما هي معايير فاعلية اللقاح؟

المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، التي تُعد المرحلة الرئيسية، لها مهمتان: الأولى هي التأكد من مسألة الأمان ومن أن اللقاح ليست له أية أعراض جانبية، أما المهمة الثانية فهي قياس الفاعلية، والفاعلية هنا مقصود بها منع الإصابة بالفيروس، وهذه هي الفاعلية الرئيسية، وإن لم تكن هي الفاعلية الوحيدة. يتم إعطاء اللقاح لمجموعة من الأشخاص، ويتم إعطاء لقاح وهمي لمجموعة أخرى، وتتم مراقبة مستوى إصابة الأشخاص في المجموعتين لعدة أشهر، ويتم التحقق من فاعلية اللقاح إذا كانت نِسَب الإصابة بالفيروس بين المجموعة التي استخدمت اللقاح أقل بـ80% من نِسَب الإصابة بين المجموعة التي استخدمت اللقاح الوهمي.

ورد في مقالة بمجلة نيتشر أن لقاح أكسفورد نجح في التجارب الأولية على الفئران لمنع الإصابة ولم يمنع من نقل العدوى، فهل يعتبر ذلك اللقاح ناجحًا؟

في اللقاح التقليدي، الفاعلية الرئيسية هي منع الإصابة، أما فكرة أنه لا يمنع الإصابة ولكن يقلل من الأعراض الصعبة والخطيرة بحيث لا يحتاج الشخص إلى العلاج بالمستشفى أو في وحدة العناية المركزة، فهذه فاعلية أخرى للقاح.

هناك فاعلية أخرى للقاح، هي أنه يقلل من كمية الفيروس الموجود عند الشخص، فلو قلل من نسبة انتشار الفيروس فهو معدٍ للآخرين بنسبة أقل، وهو لن يستفيد شخصيًّا من اللقاح لأنه سيصاب، لكن من ناحية الصحة العامة سنستفيد كثيرًا من عدم نقل الفيروس للآخرين، هذا يعتبر نجاحًا.

اللقاح مصمم حاليًّا ليمنع الإصابة، لكن خلال التجارب سننظر إذا كان له فاعليات أخرى.

هل من الممكن دمج أكثر من لقاح لكلٍّ منها فاعلية جزئية؟

في البداية وبشكل نظري، أي لقاح لا يمنع الإصابة ولا يقلل من الأعراض، ولكنه يمنع انتشار الفيروس، لن ينال الموافقة؛ ففاعلية منع الانتشار لا تسمح بأن يتم التصريح للقاح؛ لاعتبارات الأمان، فهو هنا تدخل طبي لشخص سليم لن يستفيد منه.

نظريًّا من الممكن الدمج بين لقاحين لو أن ذلك سيحقق استفادة، ولكن التركيز الآن على لقاح يمنع الإصابة من الأساس.

الدلائل مبشرة جدًّا، فطبيعة الفيروس تجعل من السهل على جهاز المناعة أن يقضي عليه، وليس -مثلًا- مثل فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز"، الذي ظل العلماء طيلة 4 عقود يعملون على لقاحات فشلت في تحفيز جهاز المناعة للقضاء عليه.

ماذا عن التخوف من تكرار الإصابة؟ وهل الإصابة الثانية تكون أقل وطأةً من الأولى؟

لدينا الآن دراسات كافية تفيد بإمكانية تجدُّد الإصابات، هنا في قطر تجددت بعض الإصابات، وكان الفيروس الأول مختلفًا عن الثاني، لكن تجدُّد الاصابة نادر الحدوث، فنسبته فقط 2 من كل 10 آلاف، وهذا يشير إلى أن جهاز المناعة قوي يقضي على الفيروس ويمنع تكرار الإصابة إلا فيما ندر. شهدت قطر تجدُّد إصابة 54 شخصًا، حالة واحدة فقط دخلت المستشفى، أي أن تجدُّد الإصابة في الغالب يكون بسيطًا.

وهل تجدُّد الإصابة يعني بالضرورة أن كوفيد 19 سيكون مرضًا موسميًّا؟

لدينا الآن دلائل على أن مجرد تحفيز جهاز المناعة من خلال الإصابة يطور ردة فعل مناعية تمنع الإصابة مجددًا، أو توفر فترة حماية تستمر عدة أشهر لا نعرف عددها على وجه الدقة، لا بد من مراقبة الذين أصيبوا لسنوات من أجل معرفة ردة الفعل المناعية. لكن من خبراتنا فالفيروسات الشبيهة بالكورونا في بعض هذه الفيروسات كانت فترة المناعة الخاصة بها 40 أسبوعًا، ومعنى فقد المناعة أنهم سيكونون عرضةً للإصابة مرةً أخرى. أما بالنسبة لـ"سارس" مثلًا -وهو قريب جدًّا من كوفيد19- ففترة المناعة التي توفرها الإصابة الأولى تتخطى ثلاث سنوات، وأنا أميل إلى أنه في حالة كوفيد 19 قد تمتد كذلك ردة الفعل المناعية لسنوات. عامل آخر قد يؤدي دورًا، وهو تحور الفيروس؛ فطبيعة هذا الفيروس تسمح بالتحور، ولدينا الآن دليل علمي؛ فقد حدثت بالفعل طفرة أدت إلى سهولة انتشاره. في حالة تحور الفيروس لن يعمل اللقاح الذي طورناه بالكفاءة نفسها على الفيروس المتحور، وسنكون بحاجة إلى لقاح جديد. المبشر إلى حدٍّ ما أنه حتى الآن مستوى التحور بهذا الفيروس أقل من فيروس الإنفلونزا سريع التحور، والذي  يحتاج إلى تطوير لقاح جديد كل سنة.

ما مدى تأثير الصراع السياسي على أمان اللقاحات؟

بكل تأكيد هناك ضغط سياسي كبير جدًّا، واللقاح الروسي كان نتيجة ضغط سياسي فعليًّا. الضغوط السياسية موجودة بالتأكيد، وترامب مثال حي للضغوط السياسية. بكل تأكيد سيمارس السياسيون ضغوطًا على عمليات تطوير اللقاح.  لكن هل الضغوط السياسية يمكن أن تؤدي إلى ترخيص لقاح غير آمن وغير فعال؟ لا أعتقد أن ذلك ممكن.

إن تطوير اللقاح عملية مؤسسية وتقنية وعلمية محددة مسبقًا، ليس للسياسيين دخل بها ولا يمكن لأي شخص التدخل فيها، ترامب قد يحاول، ولكن ذلك سوف يقاوَم مقاومةً شرسة من الأشخاص الذين يراقبون عملية التطوير في الولايات المتحدة وأوروبا. روسيا الآن تراجعت عن اللقاح قبل استكمال باقي التجارب السريرية. مما يعني أن السياسيين بدؤوا بالفعل في التراجُع.

هل تخوُّف الدول النامية من أنها لن تتمكن من الحصول على اللقاح في محله؟

للأسف هذا التخوف في محله، حتى مواد الفحص والأجهزة كانت الدول تتنافس عليها. كان هناك أحيانًا نوع من القرصنة للحصول على هذه المواد. الخوف موجود، لكني أعتقد أنه لن تكون هناك مشكلة كبيرة. السبب أن هناك العديد من اللقاحات التي يتم تطويرها، وهناك سبب آخر هو أن تصنيع اللقاح عملية منفصلة عن تطويره. فمطور اللقاح غير المصنِّع، هناك العديد من المراكز الكبيرة التي يمكن أن تصنِّع اللقاح، مثل معهد الأمصال الهندي، هذا معهد ليس مهمته تطوير اللقاحات، مهمته الرئيسية تصنيع اللقاحات وبشكل كبير. فهذا المعهد يصنع حاليًّا أكثر من بليون جرعة لقاح سنويًّا. هناك كذلك مبادرات دولية مهمتها مراقبة توزيع اللقاحات والتأكد من توزيعها بشكل عادل.

هل تطعيم الأنفلونزا الموسمية يؤمِّن حماية من فيروس كورونا المستجد؟

لا، ولكن التطعيم ضد الأنفلونزا الموسمية ضروري لحماية القطاع الصحي من المعاناة من جَرَّاء مواجهة وبائين في الوقت نفسه. مما قد يؤدي إلى انهيار المنظومة الصحية بكاملها إذا كان وباء الأنفلونزا الموسمية قويًّا.

أي المرحل السريرية هي الأطول؟ وأي الفئات هي الأَولى بالحماية؟

المرحلة الثالثة هي المرحلة الحرجة، وفيها تتم التجارب على أكبر عدد من الأشخاص وتستمر مدةً أطول بسبب أن الأعراض الجانبية لأي لقاح لا تظهر بشكل سريع. أما الأَولى بالحماية فهم كبار السن، لا بد أن تكون لهم الأولوية؛ لأنهم أكثر تعرُّضًا للإصابة الحرجة، الشباب يصابون بالمرض، لكنهم أقل تعرُّضًا بكثير للإصابة الحرجة، ثم يأتي العاملون في القطاع الصحي بعد كبار السن، ثم الأشخاص المصابون بأمراض قد تعرِّضهم للخطر.

عند انتشار بروتوكولات تجارب اللقاحات الجارية. قيل إن معظم اللقاحات مصمَّمٌ بحيث يستخدم فيروسات ضعيفة، وإن هذا قد يؤدي إلى تراجُع فاعلية اللقاحات في حالة الدول التي يتعرض سكانها بالفعل لمثل هذه الفيروسات، مثل الكاميرون. هل هذا ممكن في المنطقة العربية؟

أحيانًا قد يحدث، مثلًا في حالة لقاح السل نعلم أن فاعلية اللقاح عند المجتمعات الغربية أكبر من فاعليته بالهند، والسبب أن الأشخاص في الهند عرضة لبكتيريا معينة مشابهة لبكتيريا السل، وهي بالفعل تُحدث نوعًا من الحماية، ولا يستطيع اللقاح إضافة أي حماية ضد السل.  احتمالية موجودة نظريًّا، ولكن لا فائدة من التشكيك في فاعلية اللقاح قبل أن يظهر.

هل من الممكن أن يختلف مفعول اللقاح من شخص إلى آخر ومن عِرق إلى آخر؟

نعم ببساطة؛ لأن جهاز المناعة يختلف من شخص إلى آخر، والهدف من اللقاح تحفيز جهاز المناعة، لكن الفروق في جهاز المناعة بين شخص وآخر ليست كافيةً للتأثير على فاعلية اللقاح. وحاليًّا يتم تجريب اللقاح في المنطقة العربية كجزء من الجهد الدولي المبذول لمحاربة الوباء. نحن نشارك في التجارب، مما قد يسهِّل حصولنا على اللقاح.