شرب الشاي الساخن عادة شائعة في جميع أنحاء العالم، وربما ترتبط بأوقات محددة أو طقوس يومية اعتاد عليها محبوه. فقد تعود من عملك، لتتناول الغداء، ثم يحين موعد مشروبك من الشاي كالمعتاد، لكن هل ظننت يومًا أن كوب الشاي الساخن جدًّا، ذا المذاق اللذيذ هذا، يمكن أن يتسبب في إصابتك بسرطان المريء؟ نُشرت حديثًا دراسة علمية موسعة هي الأولى من نوعها التي تبحث في طبيعة العلاقة بين درجة حرارة كوب الشاي تحديدًا وازدياد خطر الإصابة بسرطان المريء. وقد ارتكزت على بيانات عدد كبير جدًّا من المشاركين.

والمريء أنبوب طويل أجوف، يمتد من الحلق إلى المعدة، ويساعد على تحريك الطعام من الجزء الخلفي من الحلق إلى المعدة حيث يتم هضمه. ويحدث السرطان في أي مكان على طول المريء، ولكنه عادةً ما يبدأ في الخلايا التي تبطن جداره، ويُعد الرجال أكثر عرضةً للإصابة به من النساء.

حددت الدراسة كلًّا من درجة حرارة الشاي وكميته، واستطلعت عادات شربه في دراسة موسعة شملت 50.045 شخصًا، تتراوح أعمارهم بين 40 و75 سنة، يعيشون في المنطقة الشرقية من مقاطعة جولستان في إيران، وتابع الباحثون المشاركين لحوالي 10 سنوات في المتوسط.

كشفت نتائج الدراسة عن إصابة نحو 317 شخصًا بسرطان المريء، ووجدت أن شرب كمية تبلغ 700 مللي يوميًّا من الشاي بدرجة حرارة أعلى من 60 درجة مئوية يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بسرطان المريء بنحو 90%.

ولم تكن هذه الدراسة الوحيدة التي بحثت في العلاقة بين شرب الشاي واحتمالات الإصابة بسرطان المريء، لكنها الدراسة الاستقصائية الأولى من نوعها في العالم التي تلافت عيوب الدراسات السابقة. فبينما ارتكزت الدراسات السابقة على استطلاع آراء الأشخاص وفقًا لرؤيتهم الذاتية عن درجة حرارة شرب الشاي، اعتمدت الدراسة الأخيرة على قياس درجة حرارة الشاي، والفترة الزمنية المنقضية بين عملية صب الشاي وشربه، والعادات المصاحبة لشربه، مستخدمين استقصاءات ومقابلات وجهًا لوجه. كما قام علماء تغذية مدربون بقياس كمية الشاي -الأسود منه والأخضر- التي استهلكها المشاركون، مع متابعتهم عن طريق الاستقصاءات التليفونية والزيارات المنزلية.

وتُعد هذه الدراسة أيضًا الأولى من نوعها التي كان فيها جميع المشاركين خالين من السرطان، وتقدم أدلةً أقوى بكثير من الدراسات السابقة التي سئل فيها المشاركون عن تفضيلاتهم لدرجة حرارة الشاي مع عدم وجود معلومات عن درجة حرارة الشاي الفعلية. كما تفادت ما وقعت فيه دراسات سابقة من جمع للمعلومات بعد تطور السرطان (والتي يمكن أن تؤدي إلى التحيز في النتائج)، وفق إفادة "فرهاد إسلامي" -الباحث الرئيسي بالدراسة، والباحث بمركز أبحاث أورام الجهاز الهضمي ومعهد أبحاث أمراض الجهاز الهضمي التابع لكلية طب جامعة طهران، ومدير بحوث الخدمات الصحية والمراقبة بجمعية السرطان الأمريكية في أتلانتا- لـ"للعلم".

فئات محددة

وجدت الدراسة أن كبار السن وسكان الريف ومنخفضي الدخل أو التعليم والمدخنين -سواء السابقون أو الحاليون- وكذلك متعاطي الأفيون والكحول يفضلون تناول الشاي عند درجات حرارة مرتفعة، مثلما وجدت أن أولئك الذين يستهلكون كميات كبيرة منه كانوا أكثر قابليةً لشربه عند درجة حرارة أعلى من 65 مئوية.

وهو ما يفسره "إسلامي" بأن بعض العادات أكثر شيوعًا في مجموعات سكانية فرعية معينة. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، يُعَد التدخين وزيادة الوزن/السمنة أكثر شيوعًا بين الفئات الاجتماعية والاقتصادية الأقل، في حين كان شرب الشاي الساخن أكثر شيوعًا في بعض المجموعات السكانية الفرعية في الدراسة الأخيرة، ولكن لا يملك الباحثون تفسيرًا واضحًا لهذا الميل، وفق "إسلامي".

ويرى أنه على الرغم من أن الدراسة لم تكن دولية، إلا أن نتائجها قابلة على الأرجح للتطبيق على سكان دول أخرى ارتبط روتينها اليومي بعادة شرب الشاي الساخن. وأضاف أن أبحاثًا سابقة وجدت صلةً بين شرب المشروبات الساخنة وسرطان المريء في دول أخرى، لذا تعزز نتائج الدراسة إلى حدٍّ كبير تلك الأدلة الموجودة، وتفصح لنا عن درجة الحرارة الفعلية المرتبطة بزيادة المخاطر، مثلما يقول "إسلامي" لـ"للعلم".

ويوضح أن الدراسات السابقة تشير إلى علاقة بين بعض المشروبات الساخنة الأخرى وزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء، وبالتالي، فعلى الرغم من أن الدراسة لم تدرس المشروبات الأخرى، إلا أنه يعتقد أنه سيكون من المنطقي أن نفترض أن نتائج الدراسة قد تنطبق على مشروبات أخرى.

وكانت دراسة يابانية قد توصلت إلى وجود علاقة بين الشاي الساخن وزيادة خطر الإصابة بسرطان المريء بنحو مرة ونصف مقارنة بالشاي غير الساخن، كما كشفت دراسات أجريت في الأروجواي وبعض مناطق أمريكا الجنوبية عن ازدياد خطر الإصابة بسرطان المريء بين المشاركين الذين يتناولون المتة maté -نوع من شاي الأعشاب المشهور محليًّا هناك- عند درجات حرارة مرتفعة وبمقدار عدة لترات يوميًّا، كما اتبعت عديد من الدراسات طرقًا كمية لقياس درجات حرارة المشروبات، ووجدوا علاقة بين ازدياد درجة حرارة المشروبات وخطر الإصابة بسرطان المريء، إلا أنه وجد أن المناطق التي أُجريت فيها الدراسات تقدم فيها المشروبات عند درجات حرارة عالية للغاية، كما في إيران وتنزانيا حيث يمكن أن تتعدى درجة حرارة المشروب 70 مئوية.

ووفق الدراسة الأخيرة، خلصت الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) إلى أن الأدلة العلمية التي تقول بأن المشروبات الساخنة مسببة للسرطان "محدودة"؛ لعدم كفاية المحددات المستخدمة (كدرجة الحرارة، والكمية...) في الدراسات العلمية السابقة التي انتهت إلى تلك النتيجة، بينما صنفت "شرب المشروبات الساخنة بدرجة تزيد عن 65 درجة مئوية" على أنها "مسبب محتمل للسرطان"، وهو ما جرى اختباره في الدراسة الأخيرة.

ويُعَد سرطان المريء سادس متسبِّب في وفيات السرطان في جميع أنحاء العالم. وتُرجع الدراسات العلمية المعدلات المرتفعة لحالات الإصابة بسرطان المريء إلى تعاطي التبغ والكحول، أو إلى اتباع عادات غذائية معينة، والسمنة.

تفسيران محتملان للعلاقة

تطرح الدراسة تفسيرين محتملين للعلاقة بين شرب المشروبات الساخنة والإصابة بسرطان المريء، فقد يؤدي شرب المشروبات الساخنة إلى ازدياد خطر الإصابات بالالتهابات المزمنة كما أشارت بعض الدراسات، وهذه –بدورها- يمكن أن تؤثر في قواعد جزيء "دي إن إيه" أو تكوِّن مركبات النيتروز المسرطنة. بينما يرى التفسير الآخر أن تأثير درجة حرارة شرب الشاي يؤدي إلى إعاقة وظيفة حاجز الغشاء المخاطي في المريء عند الوصول إلى درجة حرارة معينة، ما يزيد من خطر التعرُّض لمركبات النيتروز بجانب المركبات الهيدروكربونية الأروماتية متعددة الحلقات، مثلما يوضح "إسلامي" لـ"للعلم".

ويضيف "كريستيان أبنيت" -الباحث في قسم علم الأوبئة وعلم الوراثة السرطانية، بالمعهد الوطني للسرطان بالولايات المتحدة الأمريكية، وأحد المشاركين بالدراسة لـ"للعلم"- أنه من خلال الأبحاث على حيوانات التجارب بعد تعرُّضها للمياه الساخنة جدًّا، تَبيَّن أن الآلية الأساسية للعمل هي الحرارة وليست مكوِّنات الشاي نفسه، ما يعني أن شرب المشروبات الأخرى في درجات حرارة مرتفعة للغاية قد يكون له آثار مماثلة.

من جانبه، ينوه "إسلامي" بأننا في حاجة إلى مزيد من الدراسات حول هذا الأمر وآلية حدوثه، مضيفًا أنه على الرغم من أن نوعي الشاي -الأخضر والأسود- يحتويان على مواد مضادة للأكسدة، أي أنهما يمكن أن يحدا من خطر الإصابة بالسرطان، إلا أنهما يحتويان على مواد أخرى مجهولة التأثير، ويمكن أن تكون من مسببات السرطان بجانب بعض المواد التي تضاف في أثناء عملية معالجته، والتي يُشتبه في احتمال تَسبُّبها في الإصابة بالسرطان أيضًا.

لا أدلة علمية

من جانب آخر، يقول "منير بهجت"، أستاذ الكبد والجهاز الهضمي في طب المنصورة والمشرف الجامعي على لجنة الفيروسات الكبدية بمستشفى الباطنة التخصصي بجامعة المنصورة: إن هناك اتهامًا كبيرًا للمشروبات الساخنة التي تزيد درجة حرارتها عن 65 درجة مئوية، وفقًا للوكالة الدولية لبحوث السرطان التي تصنفها بأنها "مسرطن محتمل".

ويضيف أنه جرت دراسة تأثيرها في بعض مناطق إفريقيا بجانب آسيا وأمريكا الجنوبية، حيث تقدم هذه المشروبات هناك بدرجة حرارة أعلى بكثير جدًّا من غيرها من الدول. ويوضح أنه عندما نتناول مشروبًا ساخنًا ينزل السائل على جدار المريء ويسبب تهيجًا مزمنًا، لذا من المتوقع أن يصاب الجزء العلوي من المريء، لكن في مصر عادةً لا تقدم المشروبات عند درجة حرارة أعلى من 65 مئوية.

أما "باسل رفقي" -مدرس جراحة الأورام بطب المنصورة- فيرى أنه لا يوجد دليل علمي موثوق وقاطع على صحة علاقة المشروبات الساخنة جدًّا بالإصابة بسرطان المريء، وإنما الأمر محض نظريات علمية يتم تداولها منذ 90 سنة. وأضاف أن أقوى الدراسات تلك التي أُجريت في الصين، لكنها تلقت نقدًا كبيرًا؛ إذ إن المشروبات هناك تقدم عند درجة حرارة عالية جدًّا، كما يشيع التدخين وتناول الخمور، فليس هناك دليل قاطع على أن الإصابة بالمرض تعود إلى المشروبات الساخنة وليس إلى التدخين أو الكحول، فالأمر بحاجة إلى عديد من الدراسات على أعداد أكبر حتى يمكن الجزم، مثلما يؤكد "رفقي".

ويشير "أبنيت" إلى أنه لا ينبغي الخروج بالاستنتاجات حول السرطان من دراسة واحدة. ويشدد على أن الدراسة توفر لنا دليلًا إضافيًّا على أن المشروبات الساخنة جدًّا يمكن أن تسهم في تطوير سرطان الخلايا الحرشفية المريئي، وهو أمر راجعته الوكالة الدولية لبحوث السرطان التي اعتبرت أن المشروبات الساخنة جدًّا هي من الفئة 2A: أي من المحتمل أن تكون مسرطنة للبشر". ويلفت "أبنيت" النظر إلى أنه من المحتمل أن تعيد الوكالة النظر، وتضم هذه الدراسة مستقبلًا كدليل إضافي.

الارتجاع أشهر الأسباب

وفيما يتعلق بالأسباب الأخرى التي تؤدي إلى الإصابة بالسرطان، يفيد "بهجت" بأنه توجد أسباب كثيرة لحدوث سرطان المريء، بعضها شائع وبعضها نادر، وبعض هذه العوامل يمكن التحكم فيه، أولها الارتجاع المعدي المريئي؛ إذ تضعف العضلة بين المريء والمعدة فتصعد العصارة المعدية الحمضية إلى المريء، وتسبب تهيجًا والتهابًا مزمنًا، ومن ثم يحدث تَحوُّر للخلايا، ما قد يؤدي إلى السرطان، لذلك يجب معالجة الارتجاع جيدًا. ويضيف: كذلك يسبب التدخين وتناول الكحوليات تهيجًا في الأنسجة قد يؤدي إلى السرطان، وتُعَد السمنة من المسببات المهمة للمرض؛ إذ إن مريض السمنة عرضة للارتجاع أيضًا.

ويُعد الطعام سلاحًا ذا حدين مثلما يشير "بهجت"؛ فهناك أطعمة تسهم في الوقاية من سرطان المريء، مثل الفواكه والخضراوات، وبعضها قد يؤدي إلى سرطان المريء، مثل المشروبات الساخنة واللحوم المصنعة.

ويستطرد قائلًا إن هناك عوامل لا يمكن التحكم فيها، مثل السن، إذ إن نحو 85% من حالات الإصابة تحدث لمَن هم فوق 55 سنة، كذلك النوع، فسرطان المريء يصيب الرجال أكثر من النساء، إلى جانب أن المرض قد يعود إلى أسباب وراثية.

وينوه "بهجت" بأنه كلما تعددت العوامل كانت الخطورة أشد؛ فإذا كان لدينا شخصٌ (رجلٌ) كبيرٌ في العمر ويدخن ويشرب الكحوليات فاحتمال إصابته بسرطان المريء يتضاعف جدًّا.

وهو ما يتفق معه "رفقي"، الذي يضيف أن أشهر أسباب سرطانات المريء ترجع إلى الارتجاع المريئي الذي يعود إلى الأكل الحار والسمنة على سبيل المثال، ويمكن أن نعتبره من أمراض العصر الحديث.

ومن جانبه، يؤكد "بهجت" أن الوقاية تأتي بمنع مسبِّبات هذا المرض عن طريق التعامل مع العوامل التي يمكن التحكم فيها، مثل علاج الارتجاع المعدي، والامتناع عن التدخين وشرب الكحوليات، وخفض الوزن الزائد، ومنع تناول اللحوم المصنعة، والإكثار من الفواكه والخضراوات.

ويضيف "أبنيت" أن تجنُّب مسببات هذا النوع من السرطان، مثل التبغ وتعاطي الكحول بشراهة، سيقلل من المخاطر، ونظرًا لاحتمالية تَسبُّب المشروبات الساخنة جدًّا في الإصابة بالسرطان، ينصح بأنه يجب على الناس السماح للمشروبات بأن تبرد إلى أقل من 60 درجة مئوية.