حذرت دراسة حديثة من أن قيادة السيارة مدةً تزيد على ساعتين يوميًّا تؤدي إلى انخفاض مستوى الذكاء لدى السائقين بشكل أسرع من أولئك الذين يمشون أو يمارسون الرياضة.

وأكدت الدراسة التى أعدها فريق من الباحثين بجامعة ليستر البريطانية، حول تأثير ما يُعرف بالسلوكيات المستقرة sedentary behaviours على معدلات الذكاء العقلي، أن التأثير السلبي للقيادة لمدة طويلة، لا يتوقف فقط على الظهر والعنق، ولكنه يمتد إلى الوظائف الحيوية للدماغ.

حلل الباحثون نمط حياة أكثر من نصف مليون بريطاني تتراوح أعمارهم بين 37 و73 سنة، على مدار خمس سنوات، في الفترة من 2006 إلى 2011، وخلال ذلك قاموا باختبارات للذكاء والذاكرة، وتبين أن 93 ألفًا منهم ممن كانوا يقودون أكثر من ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميًّا، أصبحت قواهم الذهنية أضعف مع بداية الدراسة، وأخذت بالتدهور أسرع من غيرهم على مدار سنوات الدراسة.

وأرجعت الدراسة ذلك إلى أن العقل قد يكون غير نشط خلال تلك الساعات التي يقود فيها السائقون سياراتهم، فضلاً عن أن الإدراك العقلي يتأثر بالعوامل الخارجية التي تصاحب عملية القيادة مثل الإجهاد.

وتحتاج قيادة السيارات ممارسة أنواع متعددة من المعالجة الحسية، واتخاذ القرارات المرجحة من حيث التكلفة، والتحكم الدقيق في المحركات، وغيرها من القدرات العقلية والجسمية المختلفة.

يقول كيشان باكرانيا -المتخصص في علم الأوبئة الطبية بجامعة ليستر، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": "من المعلوم لدينا أن القيادة بانتظام أكثر من ساعتين أو ثلاث ساعات في اليوم تضر بصحة القلب، ولكن الدراسة الجديدة أظهرت لنا تأثيرها السلبي على العقل أيضًا".

يضيف: اكتشفنا أن الأشخاص الذين قادوا السيارات أكثر من ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميًّا يتمتعون بقدرات عقلية أقل، كما استمرت معدلات الذكاء لديهم في الانخفاض على مدار فترة الدراسة، وبمعدل أسرع من أولئك الذين امتنعوا عن القيادة أو قادوها لوقت قصير، موضحًا أنه ربما يعود ذلك إلى أن العقل يكون أقل نشاطًا في تلك الساعات.

وتوصلت الدراسة ذاتها إلى نتائج مشابهة تنطبق على هؤلاء الذين يشاهدون التلفاز أكثر من 3 ساعات يوميًّا، إذ كانت قواهم الذهنية أضعف من غيرهم، وتدهورت بشكل أسرع من غيرهم فيما بعد.

وأظهرت الدراسة أن استخدام الكمبيوتر للعمل أو اللعب يمكن أن يزيد وظائف الدماغ قدرة، إذ تبيَّن أن المهارات الإدراكية قويت لدى الأشخاص الذين يستخدمون الكمبيوتر بين ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميًّا، فهو يحفز الدماغ، في حين أن ممارسة أنشطة مثل قيادة السيارات ومشاهدة التلفاز تجعل الدماغ أقل نشاطًا، وذلك وفق الدراسة المنشور في دورية أميريكان جورنال أوف إبديميولوجي.

يوضح باكرانيا أنه جرى قياس عدد من السلوكيات المستقرة، كمشاهدة التلفاز وقيادة السيارة واستخدام الكمبيوتر، وتبين أن مشاهدة التلفاز وقيادة السيارة يرتبطان عكسيًّا بالوظيفة المعرفية عبر جميع النتائج، بينما ارتبط استخدام الكمبيوتر إيجابيًّا مع الدالة المعرفية عبر جميع النتائج.

المهارات الإدراكية

كشفت الدراسة عن وجود رابط بين كلٍّ من التدهور المعرفي والخمول البدني، إذ إن قيادة السيارة تسبب التوتر والتعب، ما ينعكس بدوره على القدرات المعرفية لدى الأشخاص.

ويلخص باكرانيا أهم الأعراض الرئيسية لانخفاض القوة العقلية الناجمة عن التأثير السلبي لقيادة السيارة فتراتٍ طويلة على العقل في "فقدان الذاكرة وانخفاض معدلات الذكاء، وهو ما يبدأ في الظهور بوضوح بدءًا من فترات منتصف العمر".

وكان الفريق البحثي قد عمل على قياس معدلات التدهور المعرفي لأفراد العينة على مدار خمس سنوات، إذ تبين أنه قد يحدث بسرعة في منتصف العمر ولدى كبار السن، كما أنه يرتبط بعوامل نمط الحياة، كالتدخين والنظام الغذائي السيئ، وكذلك عدد ساعات قيادة السيارة.

أمراض أخرى عضوية

وكانت دراسة سابقة -أعدها فريق من الباحثين بجامعة واشنطن في مدينة سانت لويس- قد كشفت أن قيادة السيارة على نحوٍ يوميٍّ مسافةً طويلة باتجاه مقر العمل والمنزل لا تؤدي إلى الإصابة بالملل والتعب فحسب، بل تسبب أيضًا ارتفاع ضغط الدم والسمنة، وأن ضغط الدم يكون أكثر عرضةً للارتفاع عندما تصل مسافة القيادة 16 كيلومترًا فما فوق، في حين يصبح الإنسان معرضًا للسمنة بسبب القيادة إذا تجاوزت المسافة 24 كيلومترًا يوميًّا.

وأظهرت نتائج الدراسة أن مستويات الضغط ارتفعت لدى 49% ممن يقطعون 16 كيلومترًا على الأقل يوميًّا في قيادة سياراتهم، وأن ثلاثة أرباع الأشخاص الذين يقضون أوقاتًا أقل على متن سياراتهم تتوافر فيهم الحدود الدنيا للَّياقة، مقابل 66% من بين أولئك الذين يقودون سياراتهم أكثر من 32 كيلومترًا يوميًّا، والذين يعانون من زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب.

التخلص من الآثار السلبية

وحول كيفية التخلص من الآثار السلبية للقيادة لفترات طويلة، يقول باكرانيا إنه "يمكن اللجوء لاستخدام خيارات أخرى للسفر، مثل ركوب الدراجات"، مضيفًا: أما إذا كانت قيادة السيارة أمرًا لا بد منه، فإن الاستماع إلى الراديو والحفاظ على اليقظة الذهنية وخلق جو من العلاقات الاجتماعية مع الركاب الآخرين قد يقلل من التأثير السلبي للقيادة.

ويقول أحمد إبراهيم عزب -الأستاذ بكلية التربية الرياضية بجامعة مدينة السادات، والباحث المختص بمجال تربية القوام البدني- لـ"للعلم": "علاقة الجسم والعقل وطيدة لا تنفصم، فكلاهما يؤثر على الآخر ويتأثر به، ويظهر ذلك بوضوح عندما يمر الإنسان بمواقف نفسية ضاغطة أو بمشكلة ما ويلاحظ ما يحدث لجسمه من تغيرات"، موضحًا أنه في مثل هذه الحالات يزداد معدل ضربات القلب ويرتفع ضغط الدم، وربما تتضاعف عدد مرات التنفس نتيجة التغيرات الفسيولوجية.

ويضيف: تؤثر المستقبلات الحسية الموجودة في العضلات والأوتار والمفاصل على أداء المهارات الحركية عن طريق التنبيهات الواردة من البيئة الخارجية إلى أعضاء الحس، التي تؤدي دورها في نقل الإشارات العصبية الحسية إلى القشرة المخية.

ويستطرد: إن تأثير الرياضة على مستويات الذكاء لا يقتصر على تزويد الدماغ بكمية كبيرة من الأكسجين تسمح له بالقيام بوظائفه على أكمل وجه فحسب، بل إنها مسؤولة عن التعبير عن الجين المرتبط بعامل التغذية العصبية، أي التحكم بالبروتين الذي يساعد في النشاط العقلي والإدراك، وكذلك الذاكرة.

ويشدد عزب على أنه يمكن تجنب هذا الخطر من خلال ممارسة التمارين الرياضية والذهنية خلال الفترة التحضيرية التي تسبق الرحلات الطويلة بالسيارة؛ لزيادة التركيز والانتباه.

 وتُعَد التدريبات التي تعمل على تحفيز خلايا مخ الإنسان وتنشيطها أفضلَ الأساليب والطرق لتنمية الذكاء وتطويره، وفق عزب، الذي يؤكد أن ممارسة أي نوع من أنواع الأنشطة الرياضية -كالمشي والجري، وكذلك الشطرنج والبلياردو والمبارزة، أو الرياضات الجماعية كرياضة كرة القدم والسلة والطائرة واليد- تسهم في تنشيط الدماغ، وبالتالي وصول قدر أكبر من إمدادات الدماء إليها، ما يعزز نمو الخلايا العصبية، ويشجع على إطلاق بعض الناقلات العصبية وهرمونات النمو التي تُعَد ضرورية جدًّا للصحة العامة وللدماغ بشكل خاص.

ويشير عزب إلى أن هناك تمارين رياضية تُسهِم في رفع اللياقة الذهنية وتحسين سرعة الاستجابة ورد الفعل لدى قائد السيارة، ومن بين هذه التمارين ما يُعرف بساعة ماكوورث، وهي عبارة عن جهاز يشبه الساعة تصطف به نقاطٌ تضيء بشكل متتابع في اتجاه عقارب الساعة، ويتعين على المتدرب مراقبة هذا التتابع، ثم ملاحظة تخطي المؤشر لإحدى النقاط بسرعة، ما يساعد على زيادة التركيز والانتباه.