طوَّرَ فريقٌ دولي من الباحثين أجهزةً صغيرة للغاية، تسير بالدفع الذاتيّ، وتُحاكِي الطريقةَ التي تتحرك بها الخلايا. وتستطيع هذه الأجهزة أو "السابحات النانوية" أن تعبر الحاجزَ الدمويَّ المخي بكفاءة عالية، مما قد يؤدي إلى تطوير أجهزةٍ قادرة على الإبحار عبر الأنسجة والأعضاء لتوصيل الأدوية بدقة إلى المواقع المستهدفة.

تحاكي هذه السابحاتُ -التي يقاس حجمُها بأقل من الميكرومتر- أحياء دقيقة أكبر حجمًا، قادرة أن تتعرف على المغذيات والسموم في محيطها وتتحرك مقتربةً منها أو مبتعدةً عنها بواسطة آلية تُعرف باسم "الانجذاب الكيميائيّ". وتستخدم الخلايا العصبية هذه الآلية نفسَها لتنتقل في أرجاء المخ في أثناء نموِّه، كما تستخدمها الخلايا المناعية لتتحرك إلى مواقع العدوى، وتَستخدمها كذلك الخلايا السرطانية لتنتشر في أنحاء الجسم.

في دراسةٍ نُشرت في العدد الأخير من دورية "ساينس أدفانسز" Science Advances، قام أدريان جوزيف –وهو زميل دراسات ما بعد الدكتوراة بقسم الكيمياء في يونيفيرستي كولِدج لندن- وزملاؤه بتخليق "حاملات" ذات حجم نانَوِيٍّ من مكوِّنات مختلفة من البوليمرات الدهنية التي تُشبه مكوناتِ أغشية الخلية. هذه الجزيئات تطرد الماء عند أحد جانبيها وتجذبه عن الجانب الآخر، وهي خصائص تجعلها قابلةً لأن تتجمَّع ذاتيًّا، مكونةً بِنًى كرويَّة الشكل يمكنها أن تستوعب حمولات كبيرة من الجزيئات البيولوجية.

وقد أثبتت هذه "الأجسام البوليمَرِيَّة" بالفعل قدرتها على العمل كمركبات تقوم بتوصيل الأدوية والجينات. ولكن ثبت أن اختراق الحاجز الدموي الدماغي -الذي يمنع الميكروبات والسموم والجزيئات الكبيرة من دخول المخ- أمرٌ في غاية الصعوبة. ومن ثم فإن أحد الأهداف الرئيسية هو تطوير بوليمرات ذاتيةِ التوجيه يُمكِنها عبور هذا الحاجز وتسليم حمولتها إلى منطقة محددة من المخ. (كشفت دراسةٌ أخرى حديثة عن استخدام "السابحات النانوية"، لكن إرشاد تلك السابحات إلى أهدافها تم باستخدام شعاع من الضوء).

وعن طريق التعاون مع زملاء من الصين وألمانيا وسويسرا، ملأ الباحثون هذه الأجسام البوليمرية بإنزيمٍ وظيفته تكسير الجلوكوز، وهو المصدر الأساسي للطاقة في المخ. كما قاموا أيضًا بتخليق الأجسام البوليمرية بطريقة تم فيها استخدام نوعين من الدهون بكمياتٍ غير متساوية، على نحو يجعل التركيب غير متوازن.

وعند وجودها في وسط ذي تركيزٍ متدَرِّج للجلوكوز –أي وسط يزيد فيه تركيز الجلوكوز في بقعةٍ ما عن تركيزه في بقعةٍ أخرى– تمتص الأجسام البوليمرية جزيئاتِ الجلوكوز وتُكسِّرها. وبسبب تركيبها غير المتماثل، فإنها تُطلِقُ نواتج التكسير من ناحية واحدة فقط، وهو ما يدفع تلك الأجسام للحركة في الاتجاه المضاد. يقول المهندس الكيميائي جيوسيب باتاليا -وهو أيضًا من يونيفيرستي كولِدْج لندن، وأقدم المشاركين في الدراسة-: "تعمل هذه البنى مثل صواريخ صغيرة". ويضيف قائلًا: "يدخل الجلوكوز، وتتجمع النواتج الجانبية في جانبٍ واحد بسبب عدم التماثل. وهذا يدفع الماء بعيدًا، و[تتسرب نواتج تَحَوُّل الجلوكوز] للخارج، ما يدفعُ الأجسامَ البوليمرية إلى الأمام".

ولكي يصنع الباحثون مركَّبات توصيل الجزيئات تلك، أضافوا إلى الأجسام البوليمرية بروتينًا يسمى LRP1، وهو بروتينٌ موجود بوفرة في الخلايا الطلائية الداخلية التي تُكَوِّن جدارَ الحاجز الدموي الدماغي. وعندما أضيفت هذه الأجسام البوليمرية إلى نسيجٍ مأخوذٍ من الحاجز الدموي الدماغي لفأر، وُجِدَ أنها تخترق الخلايا الطلائية بكفاءة تعادل أربعة أضعاف كفاءة الأنواع الأخرى؛ لأن البروتين LRP1 يرتبط بمكونات غشاء الحاجز. يقول ويليام بانكس -أستاذ الطب الباطني بمركز "بيوجِت ساونْد للرعاية الصحية للمحاربين القدماء" بجامعة واشنطن، والذي لم يشارك في الدراسة-: "لقد استخدموا هذه الآليات الطبيعية ليجعلوا الحويصلات [الأجسام البوليمرية] متحركةً، كما أن معدل ولوج الحويصلات إلى المخ مذهل". وأضاف بانكس أن هذه الاكتشافات تمثل "تقدمًا كبيرًا على الطريق الصحيح" نحو توصيل الأدوية إلى المخ. ويقول باتاليا إن مجموعته تستخدم الآن توليفاتٍ من الجزيئاتِ التي توجد على أسطحِ الخلايا لاستهدافِ أنواعٍ بعينها من خلايا المخ. ويردف قائلًا: "إن تركيز الجلوكوز يزداد مع الانتقال من داخل الأوعية الدموية إلى داخل المخ، ومن شأن ذلك أن يحمل الجسيمات التي صنعناها نحو [الحاجز الدموي الدماغي] . وهذا التدرج يكون أكثر حِدَّةً حول الأورام الدماغية". ويقول باتاليا إنه وزملاءه يحاولون الآن تسخير ذلك "لاستهداف أورام المخ، وتوصيل الأدوية المضادة للسرطان إليها".