طورت مجموعة من العلماء تكنولوجيا تصوير ثورية، تسمح بمشاهدة طريقة تكاثر الفيروسات داخل الخلايا الحية، ما يسمح بفهم أكثر لآليات العدوى على مستوى الجزيئات المُفردة في الخلايا الحية.

وتحدث العدوى في معظم الفيروسات عبر استخدام عملية مُحددة أساسية تُسمى "طفرة إطار التسطير". وتُعرف تلك الآلية منذ زمن بعيد، وتستخدمها الفيروسات بكفاءة للتكاثر داخل خلايا المضيف، إلا أن العلماء لم يكتشفوا قَط الكيفية التي تعمل بها داخل الخلية.

وفي هذه العملية، يدخل الفيروس إلى الخلية، ويستبدل نويداته بالنويدة الخاصة بها، ثم يقوم بتسخير وظائف الخلية لصالحه، بغرض التكاثر والانتشار من خلية إلى أخرى، لإحداث العدوى والسيطرة على الجسم.

واستخدم العلماء في الدراسة الجديدة أسلوبًا تجريبيًّا يعتمد على تكنولوجيا التصوير الجزيئي، وربطها ببرنامج حاسوبي مُخصص لإجراء عمليات نمذجة حسابية لمراقبة الجوانب الفريدة للتكاثر الفيروسي، وهو ما سيقدم رؤى جديدة بالكامل، قد تُسهم في تطوير إستراتيجيات للعلاجات المضادة للفيروسات في المستقبل.

ويُعد الفيروس المُسبب لمرض نقص المناعة البشرية المكتسب "إيدز" أحد الأمثلة على الفيروسات القهقرية، والتي تحمل كل معلوماتها الوراثية على جزيئات الحمض النووي الريبوزي RNA، وذلك على العكس من بقية الكائنات الحية التي تحمل معلوماتها الوراثية في جزئيات الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين DNA.

وعندما يصيب الفيروس الخلية المضيفة، يبدأ في الاستحواذ عليها عن طريق التلاعب بالريبوسومات، وهي آلات تخليق البروتين الخلوي التي تقوم بتحويل التعليمات الجينية من الحمض النووي الريبوزي إلى بروتينات تؤدي وظائف مُحددة.

وباستخدام عملية "أطر التسطير"، تقوم الفيروسات بالاستيلاء على تلك الوظيفة لصالحها، مما يؤدي إلى تخليق بروتينات مختلفة تمامًا عن بروتينات الخلايا في حالتها الطبيعية، وهو أمر يتيح للفيروسات الحفاظ على جينوماتها المدمجة؛ ويتيح لها أيضًا التكاثر والانتشار، ويُحصنها ضد الأجسام المناعية، وفق ما يقوله "كينث ليون"، المؤلف الأول للدراسة وطالب بالدراسات العليا بجامعة "كولورادو" الأمريكية.

يضيف "ليون" في تصريحات لـ"للعلم": "إن تلك العملية معروفة بالفعل، إلا أن الطريقة التي تحدث بها ظلت مجهولة، إذ لم يتمكن العلماء من قبل من تصوير "أطر التسطير" داخل الخلايا، ولم يتمكنوا أيضًا من مراقبة الفيروسات في أثناء تلك العملية".

لذا، طور الفريق البحثي، وفق الدراسة المنشورة في دورية "مولكيولر سيل" (Molecular Cell)، طريقة يُمكن من خلالها رصد تلك العملية في الوقت الحقيقي، أي في أثناء حدوث العدوى.

وكشفت الدراسة لأول مرة عن وجود مجموعات فرعية من الحمض النووي الريبوزي تُسهم في عملية "أطر التسطير"، وهي نتيجة يصفها "ليون" بـ"المذهلة"؛ إذ تُحسِّن من فهم "النمط الخفي في الطريقة التي تستخدمها الفيروسات لإحداث العدوى".

ولم يتمكن الباحثون من فهم بيولوجيا ما وراء تلك المجموعات الفرعية، على حد قول "ليون"، إلا أن مجرد اكتشافها يضع "حجرًا في حائط" سيكتمل مستقبلًا ويهدف إلى صد الهجمات الفيروسية على البشر.

استغرق العمل على تلك الدراسة نحو ثلاثة أعوام، ويأمل "ليون" أن يحصل على تمويل إضافي لتصوير مزيد من الفيروسات في أثناء عملها داخل الخلايا، مضيفًا أن "الصورة الملتقطة قد تكشف الكثير وتقودنا إلى تكوين جبهة نصد بها هجمات الفيروسات".