بالرغم من عدم وجود علاج فعال للأطفال الذين يعانون من "عُسر القراءة"، إلا أن التدخل المبكر قد يساعد في تطوير أدائهم وتأهيلهم للتغلب على تلك المشكلة التي يصعب تشخيصها قبل سن البلوغ، خاصةً أن هؤلاء الأطفال يتمتعون بمعدل ذكاء طبيعي وقدرات بصرية طبيعية يمكن تطويرها وتطويعها لمساعدتهم كي يصبحوا أكثر قدرةً على الاندماج فى المجتمع، وفق ما انتهى إليه دراسة جديدة لفريق بحثي من جامعة "كاليفورنيا- سان فرانسيسكو" الأمريكية.

وعُسر القراءة، المعروف أيضًا بـ"الديسلكسيا"، عبارة عن اضطراب في التعلم يتسم بصعوبة القراءة نتيجةً لمشكلات في تحديد أصوات النطق وتعلُّم كيفية ربطها بالحروف والكلمات وفك الشفرات، ويؤثر عُسر القراءة -الذي يُعرف كذلك باسم إعاقة القراءة- على مناطق الدماغ التي تعالج اللغة.

وتحظى هذه المشكلة باهتمام كبير على مستوى العالم، وفق الدراسة التي استهدفت معرفة ما إذا كان لدى الأطفال المصابين بـ"عُسر القراءة" تفاعلٌ عاطفي أكبر مما لدى الأطفال غير المصابين أم لا.

تشير الدراسة التي نشرتها دورية "كورتكس" (Cortex)، إلى أن "عُسر القراءة اضطراب في النمو العصبي يرتبط بالمعالجات الصوتية، وعدم القدرة على تقسيم الكلمات إلى وحدات صوتية أصغر ثم ربط بعضها ببعض".

وتضيف الدراسة أن ما بين 5 إلى 17% من الأطفال والبالغين يعانون صعوبةً كبيرةً في تعلُّم القراءة بالرغم من تمتُّعهم بالذكاء وتلقيهم الجهد والتعليم الكافيَين؛ إذ إن القراءة عملية معقدة يتم خلالها استخراج المعنى من الكلمات المكتوبة عبر الأنظمة المرئية واللغوية، وقد تكون المشكلة وراثيةً تنتقل من الآباء إلى أطفالهم، ويمكن أيضًا أن تكون ناجمةً عن عوامل غير لغوية، مثل نقص موارد المعرفة.

التفاعل العاطفي

قام الباحثون بقياس التفاعل العاطفي (أي سلوك الوجه والنشاط الفسيولوجي) في 54 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 7 أعوام و12 عامًا، منهم 32 طفلًا لا يعانون عُسر القراءة و22 مصابًا به، وشاهد المشاركون خمسة مقاطع من الأفلام بهدف إثارة مشاعرهم الإيجابية والسلبية (أي: الخوف، والغضب، والاشمئزاز، والحزن، والتسلية، والسعادة، والمحبة، والود، والفخر)، وتم تقييم مشاعر المشاركين بعد الانتهاء من مشاهدة كل مقطع مصور.

تضمنت مجموعات الأطفال المصابين بعُسر القراءة والذين لا يعانون منه أعدادًا متساويةً تقريبًا من الفتيات والفتيان بمتوسط أعمار بلغ 10 سنوات، ويستخدمون جميعًا يدًا واحدةً في الكتابة، ويتبعون الإثنية والخلفيات والحالات الاجتماعية العاطفية نفسها، وغلب على المجموعتين أصحاب البشرة البيضاء، وتراوحت مستوياتهم الاجتماعية من متوسط منخفض إلى نطاق أعلى من المتوسط.

وكما كان متوقعًا، حصل الأطفال المصابون بعُسر القراءة على درجات منخفضة في اختبارات القراءة (70% حصلوا على درجة واحدة على الأقل في النطاق الضعيف، و23٪ كانوا في النطاق المتوسط المنخفض، و7% في النطاق المتوسط).

التصوير بالرنين المغناطيسي

خضع الأطفال للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي في أثناء فترة الراحة (حالة عدم أداء مهمة)، وأكمل آباء الأطفال الذين يعانون عُسر القراءة تقييم سلوك أولادهم، إذ أظهروا تفاعلًا عاطفيًّا شديدًا في سلوك الوجه ومعدل التنفس، مقارنةً بأولئك الذين لا يعانون من عُسر القراءة، لكنهم كانوا -في الوقت ذاته- أكثر تعرُّضًا للقلق والاكتئاب، إذ تم تصوير المشاركين على شريط فيديو طوال جلسة الاختبار.

توضح فرجينيا شتورم -الباحثة بمركز عُسر القراءة في جامعة كاليفورنيا-سان فرانسيسكو، والمشاركة في الدراسة- أن "الخلل في أنظمة القراءة يكون موجودًا في النصف الأيسر من الدماغ، وفي بعض الاضطرابات السريرية عندما يكون هناك خلل وظيفي في أحد نصفي الكرة المخية يكون هناك تحسُّن في الأداء الوظيفي في النصف الآخر، وبالنظر إلى أن التفاعل العاطفي مرتبطٌ بالعمل في النصف الأيمن من الدماغ، فقد افترضنا أن أنظمة العاطفة فى المخ، يمكن أن تكون أعلى في عُسر القراءة".

كشفت الدراسات التشريحية العصبية لمَن يعانون من عُسر القراءة عن تغير في بنية الدماغ ووظيفته في أنظمة اللغة التي تعتمد على النصف الأيسر من الدماغ، إذ بدا حجم المادة الرمادية أصغر في التلفيف المغزلي الأيسر والتلفيف الصدغي السفلي الأيسر، فضلًا عن ضعف السماكة القشرية في القشرة الصدغية اليسرى، ما يعني أن هناك تغيُّرات عصبية في الجزء الأيسر من المخ.

مهارات اجتماعية

تقول "شتورم" في تصريحات لـ"للعلم": وجدنا أن الأطفال الذين يعانون من عُسر القراءة يكونون أكثر تفاعلًا من الناحية العاطفية ويتمتعون بمهارات اجتماعية أبلغ عنها آباؤهم، ولكنهم يعانون أعراضًا أكبر من القلق والاكتئاب، وبالتالي، فإن امتلاك عواطف أقوى يمكن أن يؤدي إلى علاقات شخصية قوية، كما أن نقاط الضعف يمكن أن تجعلهم عُرضةً لصراعات الصحة العقلية، لذلك يجب على آباء الأطفال الذين يعانون من عُسر القراءة مساعدة أطفالهم على استخدام نقاط قوتهم والبحث عن الخبرات الاجتماعية، ولكن عليهم أيضًا دعمهم؛ لأنهم يكافحون من أجل التحكم في مشاعرهم القوية.

تم فحص المشاركين على مدى أربعة أشهر، إذ أبلغ آباء الأطفال الذين يعانون من عُسر القراءة عن السلوكيات الاجتماعية لأطفالهم في العالم الحقيقي، وتم تسجيل نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي (الذي يتحكم في عمليات الجسم الداخلية مثل مُعدَّلات سرعة القلب والتنفس ودرجة حرارة الجسم والهضم والتَّبوُّل والتَّبرُّز والاستجابة الجنسيَّة) باستخدام مكبرات الصوت وجهاز كمبيوتر مجهز ببرنامج للحصول على بيانات معدل ضربات القلب ومستوى توصيل الجلد، كما جرى قياس معدل التنفس.

من جهته، يقول عصام ثابت -مستشار التربية الخاصة وصعوبات التعلم بوزارة التربية والتعليم المصرية- في تصريحات لـ"للعلم": تؤكد الدراسة المبادئ الأساسية التي نتعامل بها مع الأطفال الذين يواجهون صعوبات في التعلم، وهي التركيز على الجانب العاطفى من خلال التودد للطفل وتشجيعه؛ حتى يمكننا تطوير الجانب الأكاديمي، لكن لا يمكن تعميم هذه النتائج على جميع الأطفال؛ لأن هناك فروقًا فردية، مشيرًا إلى أن حجم عينة الدراسة صغير بشكل عام، لكنها فيما يتعلق بالدراسات النفسية تُعَدُّ جيدة؛ لأن الاختبارات تُجرى بشكل فردي.

وعي الوالدين

معظم الآباء ليس لديهم معرفة كافية بعُسر القراءة وأعراضه، وهذا يؤدي إلى الصعوبات التي يواجهها هؤلاء الأطفال من عدم تلقِّي علاجات متخصصة مثل حضور فصول إضافية يقدمها معلمون متخصصون، مما يعوقهم عن الحصول على فرص متكافئة للحصول على تعليم جيد، وفق دراسة أُجريت عام 2018 وتحدثت عن "وعي الوالدين للأطفال المصابين بعُسر القراءة فى ماليزيا".

وشددت نتائج الدراسة الماليزية على ضرورة رفع وعي الوالدين وتوفير نظام دعم كامل لهم يساعدهم على التعامل مع الأطفال الذين يعانون من عُسر القراءة، مشيرةً إلى أهمية تحلِّي هؤلاء الآباء بسمات عدة، مثل منح الوقت الكافي لأطفالهم والتحلي بالصبر في تعليمهم ودعم أطفالهم باستمرار وتشجيعهم بدلًا من توبيخهم، مع مراعاة ما لدى الأطفال المصابين بعُسر القراءة من سمات سلبية مثل الاستسلام والإحباط والملل بسهولة.

وأوضحت الدراسة أنه "يمكن إرسال الأطفال إلى دروس إضافية يقدمها معلمون متخصصون للتعلم بشكل أكثر كفاءة، وأن تتضمن عملية تعليم هذا النوع من الأطفال وسائل مساعدة بصرية، ورواية القصص للمساعدة في تحسين قدراتهم الدراسية، بالإضافة إلى تحسين فترات انتباههم، وتحديد نقاط الضعف التي يواجهها هؤلاء الأطفال فيما يتعلق بإنجازاتهم الأكاديمية، والحاجة إلى خضوعهم لاختبار الذكاء (IQ) واختبار القراءة.

بعد فحص مستوى وعي الآباء الماليزيين لأطفال يعانون من عُسر القراءة، أظهرت النتائج الحاجة إلى تعزيز وعي الوالدين وتقديم نموذج داعم يساعدهم في التعامل مع الأمور الصعبة المتعلقة بإعاقات تعلُّم الأطفال من أجل تحسين نوعية الحياة.

يقول "ثابت": نسبة ذكاء الطفل الذي يعاني من صعوبات التعلم -المتضمنة عُسر القراءة- تكون بين متوسطة ومرتفعة، لذلك يعتمد ذكاؤه التعليمي على معرفة المشكلة التي يعاني منها مبكرًا والنهج المتَّبع فى تنمية مهاراته، ولا بد من توعية الآباء والأكاديميين بطبيعة هؤلاء الأطفال؛ حتى يمكنهم تحديد مشكلة كل طفل بوضوح في عمر صغير، فيسهل توجيهه والسيطرة على المشكلة منذ بدايتها.

تقول "شتورم": تزداد أهمية الدراسة في ظل الإجراءات الاحترازية والتداعيات التي فرضتها جائحة "كورونا المستجد"، وأهمها بقاء الأطفال بعيدًا عن مدارسهم، ففي أثناء الحجر الصحي من المهم الحفاظ على الروابط الاجتماعية والصداقات، وقد يكون هذا صعبًا عندما يكون الأطفال خارج المدارس ولا يرون معلميهم وأصدقاءهم بشكل منتظم، لكن يجب أن ننمي جميعًا لحظات من المشاعر الإيجابية كل يوم ونحاول البقاء على اتصال مع الآخرين قدر الإمكان، ويمكن للوالدين أيضًا مساعدة الأطفال على تعلُّم إستراتيجيات جديدة للتعبير عن المشاعر السلبية القوية وإدارتها، فقد تكون أكثر تكرارًا إذا شعروا بالوحدة أو العزلة.