في منتصف ستينيات القرن الماضي، اخترع "هيربرت أ. جيلبرت" -الذي طالما افتخر بمشاركته ضمن القوات الأمريكية في "الحرب الكورية" التي امتدت في الفترة ما بين 1950 وحتى 1953- "سيجارة بلا دخان.. بدون تبغ"، لكن سيجارة "جيلبرت" لم تدخل الأسواق إلا في عام 2003، واحتاجت إلى أربع سنوات أخرى لتغزو الأسواق العالمية.

ومنذ ذلك الحين، شرع كثيرون في استخدام السجائر الإلكترونية؛ باعتبارها خطوة على طريق التوقف عن التدخين، أو بحثًا عن بديل أقل ضررًا من السيجارة التقليدية.

لكن دراسة جديدة أجراها باحثون في "كلية بايلور للطب" بالولايات المتحدة الأمريكي، ونشرتها دورية "ذا جورنال أوف كلينكال إنفيستيجيشن" (Journal of Clinical Investigation)، اليوم "الأربعاء"، 4 سبتمبر، أثارت العديد من المخاوف الصحية بشأن استخدام السجائر الإلكترونية.

تحذر نتائج الدراسة من أن "التعرُّض المستمر لأبخرة السجائر الإلكترونية قد عطل وظيفة الرئة الطبيعية لدى الفئران، وقلل أيضًا من قدرة الخلايا المناعية الموجودة في الرئتين على الاستجابة للعدوى الفيروسية.

تقول "فرح خردماند" -أخصائي أمراض الرئة، وأستاذ الطب في "كلية بايلور للطب"، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": لاحظنا وجود تأثير ضار للسجائر الإلكترونية على وظائف الرئة حتى مع استخدام الأبخرة بدون النيكوتين. وتوصلنا إلى أن مذيبات السجائر الإلكترونية -بغض النظر عن وجود النيكوتين- يمكن أن تؤدي إلى تعطيل تجدُّد طبقة الهواء السائلة الواقية في الرئة؛ إذ ينجم هذا الخلل نتيجةً لتراكم الدهون داخل البلاعم (خلايا حية تبتلع الأجسام الدخيلة). لذا تستدعي نتائج هذا البحث إجراء دراسات أعمق؛ للتحقق من آثار المذيبات الموجودة في السجائر الإلكترونية على صحة الناس، لا سيما مع وجود مزاعم على كونها آمنة".

تكتسب الدراسة أهميةً كبيرة؛ إذ باتت السجائر الإلكترونية (في الوقت الحالي) بديلًا للتبغ الأكثر شيوعًا بين المراهقين. وتشير الأرقام إلى أن هناك أكثر من 3 ملايين من المراهقين في المدراس الثانوية وحوالي 10 ملايين من البالغين يستخدمون السجائر الإلكترونية في الولايات المتحدة الأمريكية.

تضيف "خردماند" أن "الآراء المتعارضة حول سلامة السجائر الإلكترونية دفعتنا إلى استكشاف آثار التعرُّض المزمن لأبخرة السجائر الإلكترونية على وظيفة الرئة عند الفئران. نظرنا أيضًا في تأثير الأبخرة أو الدخان على وظيفة الخلايا المناعية التي تسمى البلاعم الموجودة داخل الرئة. وتمثل هذه الخلايا خط الدفاع الأول ضد الالتهابات الفيروسية".

أجرى الباحثون التجربة على أساس تقسيم الفئران إلى أربع مجموعات. تعرضت المجموعة الأولى لأبخرة السجائر الإلكترونية التي تحتوي على النيكوتين ومذيبات الأبخرة مثل بروبيلين جليكول والجلسرين النباتي بنسب (60/40) الموجودة بشكل شائع في السجائر الإلكترونية. وتلقت المجموعة الثانية الأبخرة مع المذيبات فقط ولكن دون النيكوتين. ثم تمت مقارنة هذه المجموعات بالفئران المعرضة لدخان التبغ في المجموعة الثالثة، وكذلك بالفئران في المجموعة الرابعة التي تعرضت للهواء النظيف.

توصل فريق البحث إلى أن الفئران التي تعرضت بشكل مستمر لدخان السجائر أو أبخرة السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين والمذيبات أصيبت بأضرار شديدة في الرئتين، والتهابات مفرطة تشبه تلك الموجودة لدى المدخنين من البشر المصابين بـ"انتفاخ الرئة"، الذي يُعد التدخين السبب الرئيسي للإصابة به.

تقول "خردماند": فوجئنا بأن استخدام أبخرة السيجارة الإلكترونية المصنوعة من مذيبات البروبيلين غليكول ومذيبات الجلسرين النباتية فقط (بدون النيكوتين)، والتي تعتبر حاليًّا مذيبات آمنة، تَسبَّب أيضًا في تلف الرئتين لكن بشكل مختلف. فعلى الرغم من أننا لم نلاحظ الالتهاب وانتفاخ الرئة في حالة استخدام مذيبات خالية من النيكوتين، إلا أننا وجدنا دليلًا على تراكُم الدهون بشكل غير طبيعي في الرئتين، مما أدى إلى تعطيل بنية الرئة الطبيعية ووظيفتها.

وانتهى الباحثون إلى ضرورة إجراء مزيد من الدراسات حول أنواع المذيبات المستخدمة في السيجارة الإلكترونية، واتخاذ إجراءات تدفع باتجاه حظر استخدام البروبيلين غليكول والجلسرين النباتي في السجائر الإلكترونية.