في قاع محيطات عصور الأرض الغابرة، وتحديدًا في العصر الإدياكاري، أي قبل أكثر من 580 مليون سنة، عاشت حيوانات تشبه الإسفنج والمرجان، وهي حيوانات حقيقية تتشابه إلى حدٍّ كبير في شكلها الخارجي مع أوراق النباتات، لذا غالبًا ما يعتقد البعض أنها نباتات، لكن معيشتها في قاع المحيط تؤكد عدم انتمائها إلى النباتات ولا إلى الطحالب.

وعلى الرغم من ترسّخ فكرة الظهور المفاجئ للكائنات -عند كثير من الناس- في العصر الكامبري من خلال ما يُعرف بالانفجار الكامبري، إلا أن ما لم يعلمه كثيرٌ من الناس أن تطور الحيوانات المبكرة كان في العصر الإدياكاري، وأنه بعد هذه الطفرة الأولية لتطور الكائنات، حدث انخفاض ملحوظ في التنوع البيولوجي قُبيْل الانفجار الكامبري، وفق ما أظهرت السجلات الأحفورية.

وغالبًا ما يُرجع العلماء هذا التدهور في عدد الكائنات وأنواعها إلى انقراض جماعي ربما سببته كارثة بيئية، إلا أن دراسة حديثة نشرتها دورية "بلوس بيولوجي" (PLOS Biology)، وأجراها فريقٌ من الباحثين في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، ذكرت أن الحيوانات المبكرة شكَّلت مجتمعات بيئية معقدة منذ أكثر من 550 مليون سنة، مما مهد الطريق التطوري للانفجار الكامبري، أي أن الحياة على الأرض لم تنفجر بشكل مستقل في العصر الكامبري، وإنما هي نتاج تطور وتعدد لكائنات عاشت قبلها في العصر الإدياكاري دون أن يفصل بينهما انقراض جماعي كما كان يُعتقد من قبل.

تقول إيميلي ميتشل –الباحثة في مجال علم البيئة القديمة بجامعة كامبردج، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": كان هناك اعتقاد سائد في الوسط العلمي بأن انقراضًا جماعيًّا حدث قبل العصر الكامبري مباشرة، وأن هذا الانفجار أدى بدوره إلى فصل معظم الكائنات الحية، لكننا وجدنا أن العوامل الكامنة وراء هذا الانفجار، وبالتحديد تعقيد المجتمع والتكيُّف المناسب، بدأت بالفعل خلال الإدياكاري، أي في وقت أكثر بكورًا بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.

لتقييم الأدلة على الانقراض الجماعي في العصر الإدياكاري، حلل الباحثون التجمع الحيوي لمجموعة من الكائنات التى عاشت خلال آخر 32 مليون سنة من هذه الفترة الجيولوجية (ما بين 575 إلى 543 مليون سنة مضت).

تضيف "ميتشل": أجرت هذه التحليلات الطالبة بيكي إيدن في إطار دراستها الجامعية، وراجع الباحثون كل ما نُشر سابقًا عن البيئة القديمة، مثل عمق المحيطات وخصائص الصخور، للبحث عن البنية المجتمعية للكائنات في هذه الفترة، وبحثوا عن الدلائل التي تشير إلى التخصص البيئي (أي التفضيلات البيئية لكائنٍ ما) والتفاعلات بين الأنواع.

وتتابع: كشف التحليل -ولأول مرة- عن بنية مجتمعية معقدة، مما يشير إلى أن الأنواع أصبحت أكثر تخصصًا وانخرطت في المزيد من التفاعلات والعلاقات فيما بينها في نهاية عصر الإدياكاري، ويشير تعقيد المجتمع والتفضيلات البيئية المحددة للكائنات إلى اتجاه تطوري مسبق نحو الانفجار في التنوع والتعدد، أي أنه كان بمنزلة الفتيل الذي أشعل الانفجار الكامبري.

تقول ميتشل لـ"للعلم": من حسن الحظ أن الحفريات في الإدياكاري محفوظة بشكل استثنائي، مما يساعد على دراسة أدق التفاصيل لهذه الكائنات، بل توسع الأمر لمعرفة طرق تغذيتها عبر عمود المياه، وبالرغم من أن هذه الحيوانات الإدياكارية كانت عبارة عن كائنات رخوة الجسم وليس لها هياكل صلبة، إلا أنها محفوظة كقوالب ونماذج في غاية الدقة، فآلاف من الكائنات تحفَّرت أجسامها بعضها فوق بعضٍ في أماكن معيشتها الأصلية، مما أتاح لنا فرصة المسح بالليزر ودراسة كل تفاصيل الحياة لهذه الكائنات وعلاقات بعضها ببعض.