لعقود من الزمان، تساءل العلماء عن التغيرات التي قد تطرأ على الدماغ من جَرَّاء فقدان البصر، خاصةً أن الملاحظات تُظهر أن الأشخاص الذين يولدون بإعاقات بصرية تكون حاسة السمع لديهم أكثر دقةً في كثير من الأحيان، وتحديدًا عندما يتعلق الأمر بالقدرات الموسيقية أو تتبُّع الأجسام المتحركة في الطرقات.

والآن، أظهرت دراسة علمية نشرتها دورية "جورنال أوف نيوروساينس" (Journal of Neuroscience)، مؤخرًا وجود اختلافات كبيرة في الطريقة التي تعمل بها الخلايا العصبية للمكفوفين، مقارنةً بالأصحاء.

استعان فريق من الباحثين في جامعة "واشنطن" الأمريكية بتقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لتحديد تلك الاختلافات، للتحقُّق من فرضية أن المكفوفين يكتسبون قدرات خاصة ويستفيدون بشكل أفضل من المعلومات السمعية.

واستخدمت تلك الدراسة تكنيكًا مختلفًا، فعوضًا عن مراقبة أجزاء الدماغ التي تنشط في أثناء الاستماع، رصد الباحثون حساسية الدماغ بشكل كلي من جَرَّاء الاختلافات الدقيقة في الترددات الصوتية، لمراقبة مدى دقة تمثيل الخلايا العصبية للمعلومات المُستقاة من حاسة السمع، وذلك من خلال فحص 4 أشخاص (بينهم سيدتان) أصيبوا بالعمى في سن مبكرة، إضافةً إلى مجموعة فرعية ضمت 5 أشخاص آخرين (بينهم سيدة) يعانون من انعدام المقلة (Anophthalmia)، وهو عيب خلقي فيه يولد الطفل من دون إحدى عينيه أو كلتيهما.

ووجد الباحثون أن "القشرة السمعية" لدى الأفراد المكفوفين، الذين تعرضوا للعمى في سن مبكرة، تكون أكثر حساسيةً بكثير مقارنة بالأشخاص العاديين؛ إذ إن تلك القشرة قادرة على تمييز الفروق الصغيرة للغاية في ترددات الصوت، وهو ما يعني أن فاقدي البصر لديهم حساسية عالية ويُمكنهم التفرقة بين الأصوات المتشابهة بشكل أكثر دقةً نتيجة حدة سمعهم.

وتُعد تلك الدراسة الأولى من نوعها التي تُظهر أن العمى يؤدي إلى لدونةٍ أكثر في القشرة السمعية، ويُساعد على تطوير قدرات مُعزَّزة لدى المكفوفين.

تقول "كيلي شانج" -الباحثة في جامعة واشنطن، والمؤلف الأول للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الاستجابات العصبية لدى المشاركين في الدراسة أظهرت اختلافًا واضحًا بين المكفوفين والأشخاص العاديين".

في البداية، استمع المشاركون إلى سلسلة من النغمات المشابهة الحادة الطويلة والمتقطعة، وفي أثناء عملية الاستماع، خضع المشاركون لتصوير أدمغتهم بالرنين المغناطيسي الوظيفي، ووجد الباحثون أن نشاط الدماغ والعصبونات المرتبطة بعملية السمع يرتفع بدرجة ملحوظة بين المكفوفين ونظرائهم الأصحاء.

ثم طُلب من المشاركين استخراج الاختلافات الطفيفة بين النغمات المتشابهة؛ لينجح المكفوفون في كشف الاختلافات، وهو ما يعني قدرتهم الدقيقة على رصد التغيُّرات الطفيفة في ترددات الصوت، وفق "شانج".

ليس ذلك فحسب، بل لاحظ الباحثون أن المكفوفين يستغلون المناطق التي تنشط من جَرَّاء حاسة البصر لتعزيز قدرتهم على السماع، وهذا يعني أن أدمغة المكفوفين تستغل تلك المناطق بطريقة معقدة لم تكشف الدراسات عنها بعد.

تضيف "شانج" أن "الدراسة تؤكد لدونة الدماغ المذهلة، إذ إن الأشخاص الذين فقدوا أبصارهم في أثناء طفولتهم المبكرة تغيرت تركيبة أدمغتهم لدعم حاسة السمع وتعزيزها، والغريب في الأمر أن الأشخاص الذين استعادوا البصر في سن بلوغهم حافظوا على القدرات السمعية الخارقة رغم أن منطقة الإبصار في الدماغ تقوم بتعزيز القدرات السمعية".

ولا تعلم "شانج" كيف يحدث ذلك الأمر، إلا أنها تؤكد أن الأبحاث "لن تتوقف حتى تكشف الطبيعة المذهلة للدونة أدمغتنا"، على حد وصفها.