في الوقت الذي عزَّزت فيه العديد من البلدان استثماراتها في برامج تنمية الطفولة المبكرة، يفتقر أكثر من 250 مليون طفل في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل إلى البرامج التي تتيح لهم فرصة تنمية إمكانياتهم التنموية والحصول على التحفيز الكافي والتغذية والاستثمارات الأخرى التي يحتاجون إليها في السنوات الأولى من العمر.

وتشمل هذه البرامج الرعاية النهارية التي تمنح الأم فرصة الذهاب إلى العمل، ومرحلة ما قبل المدرسة، وتدريب الوالدين، وتوفير الدعم المادي والغذائي للأطفال، والعديد من أنواع البرامج الأخرى.

وعلى الرغم من أهمية تلك البرامج، إلا أن معظم هذه الدراسات تتجاهل تأثيرات الاستعانة بتلك البرامج على أمهات الأطفال ومقدمي الرعاية الآخرين؛ إذ يَضطر تدريب الوالدين الأمهات إلى اقتطاع أجزاء من أوقاتهن التي يحتجن إليها لممارسة الأنشطة الأخرى، وفق دراسة نشرتها مجلة "ساينس" (Science).

وتحذر الدراسة من أن "إفراط صانعي السياسات في الاستثمار في برامج تنمية الطفولة المبكرة يفرض تكاليف كبيرة على المرأة، ويؤدي إلى نقص الاستثمار في البرامج التي تعمل على تحسين رفاه المرأة، وأن التجاهُل المنهجي لتأثيرات الإفراط في تلك البرامج على مجموعات فرعية محددة -لا سيما الفئات الضعيفة مثل النساء في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل- قد يؤدي إلى تفاقم معاناة المرأة من سياسات عدم المساواة".

وتشير الدراسة، التي أجراها فريق بحثي دولي، إلى أن "التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة له تأثيرات إيجابية كبيرة على نمو الأطفال الجسدي والمعرفي والاجتماعي والعاطفي، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، لكن معظم هذه السياسات يركز فقط على تقدير آثار تلك البرامج على الأطفال الصغار بدلًا من رصد آثارها غير المباشرة على الأمهات ومقدمي الرعاية الآخرين".

يوضح ديفيد إيفانز -زميل أول بمركز التنمية العالمية بواشنطن، والباحث الرئيسي في الدراسة- أن "العديد من الأطفال في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل يفتقرون إلى التحفيز الكافي والتغذية والاستثمارات الأخرى في السنوات الأولى من العمر".

يقول "إيفانز" في تصريحات لـ"للعلم": استجابةً لهذه الحاجة، عززت العديد من البلدان استثماراتها في برامج تنمية الطفولة المبكرة بحيث تشمل برامج الرعاية النهارية والبرامج الخاصة بمرحلة ما قبل المدرسة، وإخضاع الوالدين لدروس تدريبية، والتحويلات النقدية والطعام، والعديد من أنواع البرامج الأخرى.

يضيف "إيفانز": يسعى الباحثون إلى تحديد  البرامج الأكثر فاعليةً لمساعدة الأطفال، لكن معظم هذه الدراسات يتجاهل التأثيرات على أمهات الأطفال ومقدمي الرعاية الآخرين، على الرغم من أن هذه التأثيرات قد تكون كبيرة، وقد يمنح برنامج الرعاية النهارية الأم الفرصة للذهاب إلى العمل، وقد يستلزم تدريب الوالدين اقتطاع الأمهات لبعض الوقت المخصص للأنشطة الأخرى، وإذا قمنا فقط بفحص تأثير برامج تنمية الطفولة المبكرة على الأطفال، فإننا نتعامل مع وقت الأمهات ورفاهيتهن كما لو كانت لا قيمة لهما.

من جهتها، تقول "باميلا جاكيلا" -الأستاذ المشارك في قسم الاقتصاد بكلية ويليامز، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": فحص الفريق البحثي أكثر من 3716 دراسة حول التدخل في تنمية الطفولة المبكرة، تغطي الأبحاث الطبية والنفسية والاقتصادية والعلوم الاجتماعية، ووجد الباحثون أن 25٪ فقط تقيس نتائج هذه التدخلات على مقدمي الرعاية، والتي عادةً ما ترتبط بشكل كبير بفرص عمل المرأة والصحة النفسية للأم.

يعلق "إيفانز" قائلًا: بحثنا في جميع أنواع المجلات الأكاديمية، مثل مجلات تنمية الطفولة المبكرة وعلم النفس، والمجلات الطبية والاقتصادية؛ للعثور على أكبر عدد ممكن من الدراسات حول برامج تنمية الطفولة المبكرة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وحددنا في النهاية حوالي 500 دراسة من آخر 15 عامًا، ثم حددنا عدد تلك الدراسات التي تقيس تأثير البرنامج على النساء، مثل مدى استفادتهن بأوقاتهن، وصحتهن العقلية، وتمكينهن في المجتمع.

ووفق "جاكيلا"، فقد أظهرت النتائج أن الغالبية العظمى من الدراسات تتجاهل هذه التأثيرات، وأن أقل من دراسة واحدة من كل أربع دراسات (22%) تضمنت أي نتائج للأمهات بخلاف تلك التي لها علاقة مباشرة بالتربية، وبحثت دراسة واحدة فقط من كل ثماني دراسات (12.5%) عن صحة الأمهات العقلية، حتى إن عددًا أقل من ذلك نظر إلى مشاركة المرأة في القوى العاملة، وبخلاف الأمهات، لم تأخذ سوى حفنة من الدراسات في الاعتبار التأثيرات على الآباء أو الأشقاء البالغين من العمر ما يكفي للمساعدة في توفير الرعاية لأشقائهم الصغار.

وتضيف: خفضت فصول التربية الجماعية من اكتئاب الأمهات في دراسات أُجريت في ستة بلدان مختلفة، منها بنجلاديش وزامبيا، ما يعطينا سببًا للتفاؤل.

يوصي الباحثون إذًا بضرورة قياس تأثيرات برامج تنمية الطفولة المبكرة على الأمهات ومقدمي الرعاية الآخرين والإبلاغ عنها بشكل أكثر اتساقًا باعتبارها الطريقة الوحيدة للحصول على صورة كاملة لآثار برامج تنمية الطفولة المبكرة، مشددين على أن "الاهتمام ببرامج الأطفال ومقدمي الرعاية -معًا- يعني أنه يمكن للبلدان أن تستثمر أكثر في برامج تنمية الطفولة المبكرة التي تفيد الأطفال ومقدمي الرعاية لهم".

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول مدى إمكانية تعميم نتائج الدراسة، يقول "إيفانز": كان تركيزنا على البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، واعتمدنا على دراسات من جميع أنحاء العالم، مثل البرازيل والصين وجنوب إفريقيا وإيران، من المحتمل أن تكون مشكلة عدم الإبلاغ عن تأثيرات هذه البرامج على الأمهات منطبقة في كل مكان، لكن الأمر يتطلب جمع مزيد من المعلومات حول تأثير هذه البرامج في بلدان محددة، كي نعرف بشكل أفضل كيفية مساعدة الأطفال مع دعم أمهاتهم ومقدمي الرعاية الآخرين أيضًا.