ضرر فجائي يصيب الكليتين، يتسبب في وقوع خلل في وظيفتهما، وقد ينتهي إلى فشل تام في القيام بالدور المنوط بهما، إنها الإصابة الكلوية الحادة، المعروفة اختصارًا بـ(AKI)، والتي تصيب 13 مليون شخص حول العالم سنويًّا، مؤديةً إلى حصيلة وفاة تقدر بقرابة 1.7 مليون منهم.

ارتفاع معدلات الوفاة بين مرضى (AKI) في وحدات العناية المركزة في عدد من المستشفيات المصرية، كان موضوع دراسة مشتركة لفريق علمي من جامعة كالجاري الكندية، ومستشفى أوسبيدالي ريونيتي في جامعة ريجيو كالابريا في إيطاليا، وقسم الأوبئة في معهد الصحة العامة بجامعة الإسكندرية.

الدراسة المنشورة في دورية ساينتفك ريبورتس رصدت مخاطر وتوقعات سير الإصابات الكلوية الحادة (AKI) في المرضى الذين خضعوا للعلاج داخل وحدات العناية المركزة في مصر، وجرى تعقُّبهم على مدار ستة أشهر.

 أظهرت الدراسة وجود علاقة قوية بين الإصابة بـ(AKI) وارتفاع معدلات الوفيات بين المرضى المصابين بأمراض مزمنة وطول مدة الإقامة في المستشفيات، بغض النظر عن مستوى وحدة الإصابة.

وكشفت عن أن أعراض كلٍّ من تعفُّن الدم ونقص حجمه [وهو انخفاض الحجم الكُلِّي لسائل الدم في الجسم Hypovolemia] كانت مسؤولةً عن نصف حالات الوفاة التي شملتها الدراسة، وأن 40% من المرضى كانت لديهم إصابة كلوية حادة عند دخولهم للعناية المركزة، ومثل هذه النسبة كانوا من غير المصابين عند الدخول، ولكنهم أصيبوا عند إقامتهم بها.

وتوفي 120 مريضًا مصابين بـAKI، من إجمالي عينة الدراسة، في أثناء فترة المتابعة لمدة 30 يومًا، وبما يعادل (22.6%) مقارنةً بالمرضى الذين لم يصابوا بها.

ومن بين 532 مشاركًا شملتهم الدراسة بمتوسط أعمار 45 عامًا، كان 41.7% من الذكور و23.7% من مرضى السكري، و39.6% من المرضى كانوا مصابين بالـAKI عند دخولهم وحدة العناية المركزة، في حين أن 37.4% أصيبوا بها بعد مرور 24 ساعة فقط من دخولهم للعناية المركزة، وتم ربط الحاجة السابقة لاستخدام أدوية مدرات البول، وتعفُّن الدم، والمستوى التعليمي المتدنِّي بحدوث الإصابة.

وفي الدراسة التي نحن بصددها، جرى تقييم مخاطر وتشخيص الإصابة في المرضى المقبولين في وحدات العناية المركزة في مصر، كما جرت ملاحظة المرضى من كبار السن الذين احتُجزوا في وحدات العناية المركزة في مدينة الإسكندرية بالمستشفيات التعليمية على مدار ستة أشهر.

وخلصت الدراسة إلى تأكيد خطورة الإصابة الكلوية الحادة، التي رُصد وجودها بنسبة مرتفعة بين المرضى ذوي الحالات الحرجة.

وتُعَد دراسة العلاقة بين الأمراض الوبائية وإصابات (AKI) في البلدان النامية موضع اهتمام كبير من قِبَل العديد من فرق العمل البحثية حول العالم.

استخدمت الدراسة المعايير العالمية لتحسين نتائج علاج أمراض الكلى، المعروفة باسمKDIGO  (مؤسسة عالمية غير ربحية وضعت مبادئ توجيهية للعلاج)؛ إذ جرت متابعة المرضى المشاركين في الدراسة، سواء بعد الخروج من العناية المركزة، أو مَن مر عليهم ثلاثين يومًا منذ دخولها، أو المتوفين منهم، ، بهدف معرفة كيفية تشخيص الإصابة في مرحلة مبكرة، وتحديد خطر الإصابة بها في وحدات العناية المركزة، والفئات المعرضة للخطر الشديد.

ووفقًا للمكتبة الأمريكية لعلوم الطب فإن إصابات الكلى الحادة (Acute kidney injury) وتُعرف اختصارًا بـ((AKI، وهي عبارة عن ضرر مفاجئ يصيب الكليتين، يؤدي إلى خلل في وظائفها، وقد يتطور إلى الفشل الكلوي التام، وفي حالة عدم اكتشافها مبكرًا وعلاجها تؤثر على باقي وظائف الجسم، وتطلب الدعم المؤقت من خلال أجهزة الغسيل الكلوي، وفي حالة تأخُّره تحدث الوفاة.

جرس إنذار

وفي مقابلة مع "جيوفاني تريبيبي"، الباحث في مستشفى أوسبيدالي ريونيتي في جامعة ريجيو كالابريا في إيطاليا، وأحد المشرفين على البحث، قال لـ"للعلم": "نتائج الدراسة كافية لتنبيه السلطات الصحية المصرية حول المخاطر العالية لاحتمالات الإصابة الكلوية الحادة في وحدات العناية المركزة، وارتباط ذلك بارتفاع معدلات الوفاة بين المرضى"، مضيفًا أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات، لتقدير عبء الإصابة بـ(AKI) بين المرضى قبل القبول في وحدات العناية.

وأوضح أنه بدأ التعاون البحثي بينه وبين جامعة الإسكندرية في شهر فبراير من عام 2012، عندما استضافت وحدة الأبحاث الخاصة به الباحثة المصرية، "سمر سامي"، أستاذ علوم الوبائيات في قسم علوم الأوبئة في المعهد العالي للصحة العامة بجامعة الإسكندرية، والباحث الرئيسي للدراسة، وذلك في فترة تدريب في ريجيو كالابريا (إيطاليا)، مؤكدًا مواصلة العمل بعد إنتهاء مدة التدريب، في فبراير 2015 وحتى الآن.

يُذكر أنه يتم تشخيص (AKI) لدى حوالي 20٪ من المرضى في المستشفيات، وتحدث الإصابة بنسبة تتراوح بين 30 و60٪ من المرضى المصابين بأمراض خطيرة، وهو السبب الأكثر شيوعًا، والذي عادةً ما ينتج بسبب حدوث خلل بجهاز الغسيل الكلوي في وحدات العناية المركزة، وفق نتائج الدراسة.

ويرى تريبيبي أن بيانات الدراسة وما خلصت إليه من نتائج سوف يكون لها تأثيرها على البحوث المستقبلية، مشددًا على ضرورة المتابعة طويلة الأجل والنظر في المخاطر المرتفعة نسبيًّا الناتجة عن الانتعاش غير المكتمل لوظائف الكلى، سواء في الأشخاص الذين يعانون من البقاء في المستشفى لفترات طويلة، أو أولئك الذين يتم تصريفهم في غضون 30 يومًا من القبول بوحدات العناية المركزة .

وأفاد أن البيانات المتاحة حاليًّا لا تشير إلى الارتباط بين انخفاض نسبة الوعي ومستوى التعليم والرعاية الصحية في مصر، وقال: "على أية حال، فإن رفع مستوى الوعي لدى المرضى ومقدمي الرعاية الصحية له نفس أهمية الوقاية والتشخيص المبكر، وكذلك العلاج بمضادات الفيروسات القهقرية يمكن أن يسهم في الحد من إصابات الكلى الحادة في مصر كما هو الحال في معظم البلدان.

وتحدث أربع حالات إصابة من أصل خمس في الدول النامية، وترجح الدراسة أن تكون الأسباب الجغرافية والثقافية والاقتصادية ذات علاقة بوجود تفاوت محتمل بين الدول مرتفعة الدخل والدول ذات الدخل المنخفض في خطر الإصابة بأمراض مزمنة ذات صلة بـ(AKI)، مثل مرض الالتهاب الكبدي الوبائي، وعدوى فيروس العوز المناعي البشري.

معضلة طبية مهمة

وفي تقييمه للدراسة قال " حسين عطية شعيشع"، أستاذ علاج أمراض الكلى في جامعة المنصورة: إن هذا البحث يتناول معضلة طبية مهمة، وهي القصور الحاد في وظائف الكلى لمرضى الرعاية المركزة، ومن المعلوم لدينا أن القصور الحاد في وظيفة الكليتين مرتبط بزيادة معدلات الوفيات في هؤلاء المرضى، والعينة المستخدَمة في البحث تُعَد عينة جيدة، ويُبرز هذا البحث أهمية القصور الكلوي الحاد من حيث مسبباته والتنبؤ به، وكذا عواقبه الوخيمة من وفيات.

وأضاف: "إن اختيار مرضى الرعاية المركزة يمثل ركيزةً مهمة؛ لأن البحث عن المسببات وتوقع إصابة الكلى يمثل الدعامة الأساسية لتفادي مثل هذه المضاعفات".

وقال إن هذه الدراسة تنتهج المنهج البحثي الأكاديمي المنضبط، ونتائج البحث منطقية، ولكن نحتاج إلى مزيد من الدراسة، وأن تشتمل على أعداد أكبر ويتم متابعتهم لفترات زمنية طويلة.

وعلق "عصام نجيب"، استشاري أمراض الباطنة والكلى، ومدير وحدة الكلى بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، قائلًا: إن موضوع البحث ليس بجديد، ولكنه يقدم إضافةً علمية تتطلب إلقاء الضوء عليها؛ نظرًا لأهميته، وأضاف أن اختيار العينة البحثية كان جيدًا ومعبِّرًا عن الواقع من خلال ما يلمسه في خبرته العملية.

كما أشار نجيب إلى جودة التقنيات العلمية المستخدمة لعرض نتائج البحث، والذي يرى أنه يحتاج إلى إجراء المزيد من الدراسات؛ لمتابعة تطور الحالات بعد الخروج من الرعاية المركزة ومن المستشفى لمدة أطول من التي تمت في البحث.

من جانبه، اختتم تريبيبي كلامه معنا بالإشارة إلى أن البحث قدم أدلةً على ضرورة تحسين السياسة الصحية، والممارسات السريرية، والكشف عن المرض في مرحلة مبكرة بغض النظر عن شدة الإصابة؛ لأن التشخيص المبكر وتقديم العلاج المناسب ركيزتان لتحسين النتائج.

وأكد ضرورة إجراء دراسة أكبر تشمل جميع المستشفيات المصرية؛ من أجل الخروج بنتيجة يمكن من خلالها تحديد الفئات العمرية للمرضى وكثير من الخصائص الأخرى لطبيعة الإصابة بالمرض في مصر، ومشددًا على أن جميع الاستراتيجيات الهادفة إلى زيادة الوعي يجب أن تتبعها تغييرات في السياسات بصورة تسهل من الاستثمار في الموارد والهياكل الأساسية والمرافق.

وأضاف: قد تعوق العديد من التحديات هذه الاستراتيجية الوقائية في الدول النامية بما فيها مصر، إذ إن الحواجز التي تحول دون التشخيص والعلاج المبكرين للمرض، تشمل محدودية فرص الحصول على الرعاية الطبية الجيدة بأسعار معقولة، وتكلفة العلاج بالمضادات الحيوية، وتوافر العلاج البديل للكلى، وتوافر مقدمي الرعاية الطبية والأماكن في وحدات العناية المركزة؛ لأنه في بعض الأحيان يكون المرضى بحاجة إلى سرير في وحدة العناية المركزة ولكن لا تتوافر أماكن لاستقبالهم.