تناوُل الطعام في وقت مبكر من النهار والصوم لبقية اليوم يحسِّن من عملية التحكم في نسبة السكر وضغط الدم والإجهاد التأكسدي، حتى وإن لم يُغيِّر الأشخاص نوع الطعام الذي يتناولونه.. خلاصة انتهى إليها فريق بحثي أمريكي في دراسة أولية (دراسة استكشافية تُجرى على نطاق صغير، تمهيدًا لإطلاق مشروع بحثي أكبر) أُجريت على مجموعة من مرضى السكري.

وقال الباحثون في قسم علوم التغذية بجامعة ألاباما، في دراستهم التي نُشرت نتائجها في دورية (Cell Metabolism) إنهم أجروا أول دراسة عالية الدقة لتحديد نتائج فوائد شكل من أشكال الصيام المتقطع، يسمى "التغذية المبكرة المُقيدة بالوقت" أو(eTRF).

 ويشمل هذا النوع من الصيام الجمع بين التغذية المقيدة زمنيًّا مع تناول الطعام في وقت مبكر من اليوم، ليتماشى مع إيقاعات الجسم اليومية فيما يتعلق بعملية الأيض أو التمثيل الغذائي.

ويعتمد صيام الـ(eTRF) على تناول وجبة الإفطار، بين الساعة 6:30 و8:30 كل صباح، وتناول وجبة العشاء خلال 6 ساعات من تناول وجبة الإفطار، على أن ينتهي تناوُل الطعام كليًّا بحلول الثالثة عصرًا، ثم الصيام لبقية اليوم لمدة 18 ساعة.

وخلال الدراسة حاول 8 رجال في مرحلة ما قبل الإصابة بالسكري اتباع جدول التغذية المبكرة المقيدة بالوقت (eTRF) لمدة 5 أيام. في المقابل، يتناول الأمريكيون وجباتهم خلال فترة زمنية تمتد 12 ساعة، وفق نظامهم الغذائي التقليدي.

وعمل الباحثون على مراقبة هؤلاء الرجال بعناية للتأكد من أنهم تناولوا الطعام الذي أعطوه لهم فقط، وفي الأوقات الصحيحة، كما قاموا بتغذيتهم بالأطعمة نفسها خلال الحميتين، وأعطوهم ما يكفي من الطعام كي لا يفقدوا أوزانهم.

 وخلال فترة الصيام، سمح الباحثون للمشاركين بشرب المشروبات التي لا تحتوي على السعرات الحرارية، مثل الماء، والشاي، والقهوة السوداء.

ووجد الباحثون أن الحساسية من الإنسولين (قدرة الجسم على معالجة السكر في الدم) قد تحسَّنت لدى المشاركين حينما اتبعوا الصيام المتقطع (eTRF) بنسبة 24٪، كما تحسّنت لديهم قدرة البنكرياس على الاستجابة لمستويات سكر الدم المرتفعة، مقارنةً بحمية التغذية الأمريكية التقليدية.

ووجد الباحثون أيضًا أن (eTRF) خفضت إلى حدٍّ كبير من ضغط الدم لدى الرجال، وكذلك مستويات الإجهاد التأكسدي (شكل من أشكال الضرر الجزيئي للدهون في الجسم، والتي يمكن أن تؤدي إلى تصلب الشرايين) وخفضت مستويات الشهية في المساء.

ثلاث نتائج مهمة

وفي حديث لـ"للعلم"، قالت "كورتني بيترسون" -الأستاذ بقسم علوم التغذية بجامعة ألاباما، وقائد فريق البحث-: إن الدراسة توصلت إلى ثلاث نتائج مهمة، أولاها أن الصيام المتقطع يحسِّن الصحة، بغض النظر عن نوعية الطعام الذي تأكله، حتى ولو لم تخسر وزنك الزائد، مشددةً على أن هذه الدراسة هى الأولى التي تدلل على ذلك.

وأضافت أنه كان هناك جدل حول فوائد الصيام المتقطع، إذ كان البعض يستند ببساطة إلى أن فوائده تعود إلى أن الأشخاص الذين يتبعونه، يأكلون كميات أقل، وبالتالي يفقدون أوزانهم فتنضبط مستويات السكر والضغط لديهم، لكن دراستنا أظهرت أن فوائد الصيام المتقطع غير مرتبطة بنوعية الطعام الذي نأكله، ولا يتوجب عليك أن تفقد وزنك للحصول على تلك الفوائد.

وأوضحت أن النتيجة الثانية أن هذه أول دراسة لاختبار التغذية المقيَّدة في وقت مبكر، وهي استراتيجية توقيت للوجبات تجمع بين الصوم اليومي المتقطع (تناول الطعام في فترة زمنية أقصر كل يوم) مع تناول الطعام في حالة تتوافق مع الإيقاعات اليومية لعملية الأيض، إذ تُظهر الدراسات أنه بسبب ساعة الجسم البيولوجية، فإن التحكم في سكر الدم لدينا والجوانب الأخرى من عملية الأيض تكون في وقت مبكر من اليوم أفضل منها في المساء، وبالتالي، نعتقد أن التغذية المقيدة في وقت مبكر من اليوم قد تكون أحد أكثر أشكال الصوم المتقطع فائدةً للجسم.

أما النتيجة الثالثة، وفق بيترسون، فتتمثل في توصُّل الدراسة إلى أن التغذية المقيدة في وقت مبكر من اليوم، تقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وتصلب الشرايين في غضون 5 أسابيع فقط.

وأشارت إلى أن فريق البحث يخطط لإجراء دراسة سريرية جديدة لاختبار ما إذا كانت التغذية المقيدة بالوقت تحسِّن من قدرة الجسم على فقدان الوزن والدهون، بالإضافة إلى تأثيرها على كتلة العضلات.

من جانبه، رأى "مصطفى كامل عطية" -استشاري أمراض الباطنة والسكر والتغذية العلاجية- أن الدراسة توصلت إلى نتائج رائدة، مبنية على أسس علمية، فيما يخص التغذية المبكرة المُقيدة بالوقت، وفق رأيه.

وفي حديث لـ"للعلم"، أضاف عطية أن الجديد في البحث هو إثبات أن التأثيرات الإيجابية لهذه الطريقة من التغذية المقيدة بالوقت، لا تعتمد على كمية ما يتناوله الأشخاص من غذاء ونوعيته، بل على الوقت الذي يتم فيه تناول الغذاء أيًّا كان نوعه ومقداره.

وأوضح أن الوقت الذي حددته الدراسة لتناول الغذاء وهو 6 ساعات يوميًّا، بين الساعة 6:30 إلى 8:30 كل صباح، يتوافق تمامًا مع إيقاع الساعة البيولوجية للجسم، الذي يبدأ نشاطه مبكرًا؛ إذ يتزامن تناول الطعام مع ارتفاع معدلات الحركة، ومن ثَم حرق السعرات الحرارية، والسيطرة على نسبة السكر وضغط الدم والإجهاد التأكسدي.

صيام رمضان

وبسؤال بيترسون عما إذا كان الصيام في شهر رمضان، يمكن أن تنطبق عليه النتائج نفسها، قالت إن الأبحاث السابقة التي أُجريت في هذا الشأن نتائجها متفاوتة؛ إذ كشفت بعض الدراسات أن صيام رمضان يمكن أن يحسِّن كلًّا من نسبة السكر في الدم وضغط الدم، ولكن هذه الدراسات نفسها تشير بشكل عام إلى أن الصائم يفقد وزنه.

وأضافت أنه في حين تفيد دراسات أخرى بأن المرضى الذين يعانون من السكر في الدم وضغط الدم قد ساءت حالتهم، وأعتقد أن هذا يعتمد على ممارسات الأشخاص المختلفة في تناول الطعام وكمية الطعام الذي يتناولونه في المساء ونوعيته.

واتفق معها عطية، وأضاف أن الصيام قد يؤدي إلى النتيجة نفسها التي حققتها الدراسة التي نحن بصدد مناقشة نتائجها، بشرط ألا يسرف الصائم في تناول الأطعمة بعد الإفطار، وأن يجعل وجبة الإفطار بمنزلة الغداء في الأيام العادية، ولا يُكثر من تناول الحلويات والدهون عالية السعرات الحرارية؛ لأن معدل الحرق ينخفض بالليل طبقًا للساعة البيولوجية التي تفرز هرمونات ليلية تساعد على النوم والاسترخاء وليس حرق الطعام.

ونوَّه بأن أكثر مَن يستفيدون من التغذية المبكرة المُقيدة بالوقت والصيام هم المرضى في مرحلة ما قبل السكري، الذين يتراوح لديهم السكري الصائم بين 100 و125 ملليجرام/ديسيلتر، (المعدل الطبيعي للسكري أقل من 100 ملليجرام/ديسيلتر، والمصابون بالسكري يبدأ لديهم الرقم من 126 ملليجرام/ديسيلتر فما فوق) وهم أكثر عرضةً للإصابة بالسكري من النوع الثاني، إذا لم يضبطوا أنظمة طعامهم وينتبهوا إلى كمية السعرات الحرارية التي يتناولونها، ويمارسوا الرياضة مثل المشي لمدة نصف ساعة يوميًّا.

أما الفئة الثانية التي تستفيد من النظام فهي مرضى السكري من النوع الثاني، لكن صيامهم يكون وفق إشراف الطبيب المعالج؛ إذ تختلف نسب السكري واحتياجه للإنسولين وعقاقير السكري من نوع لآخر.

وأضاف: لكن في المجمل فإن الصيام يناسب معظم مَن هم في تلك الفئة، ويعود عليهم بفوائد صحية أبرزها أن مستقبلات الإنسولين تعمل بصورة أفضل لديهم في ظل الصيام، وهذا يسمح بتقليل جرعة الإنسولين وأدوية السكري التي يتناولونها لضبطه.

وأشار عطية إلى أن أصحاب النوع الأول من السكري لا يناسبهم الصيام؛ لأن جسمهم يتطلب جرعات إنسولين كل 6 أو 4 ساعات، بالإضافة إلى الجرعة ممتدة المفعول كل 24 ساعة، وكل جرعة منهم تتطلب أن يتناول المريض الغذاء قبلها، لذلك لا يناسبهم الصيام أو الحميات المرتبطة بالصيام المتقطع.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن حوالي 90% من الحالات المسجّلة في العالم لمرض السكري، هي من النوع الثاني، الذي يظهر أساسًا من جَرّاء فرط الوزن وقلّة النشاط البدني، ومع مرور الوقت، يمكن للمستويات المرتفعة من السكر في الدم أن تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، والعمى، وأمراض الأعصاب، والفشل الكلوي.

فى المقابل، تحدث الإصابة بالنوع الأول من السكري عند قيام النظام المناعي في الجسم بتدمير الخلايا التي تتحكم في مستويات السكر في الدم، وتكون معظمها بين الأطفال.