في قرية حجازة بمركز كوم أمبو في أسوان (جنوبي مصر)، استخدم المزارع محمد عبد الفتاح تطبيق الإنذار المناخي المبكر للمرة الأولى، إذ ظهرت له خانات فارغة بنوع زراعته وتاريخها، وبمجرد أن عبأها وبضغطة زر واحدة حصل على توصيات تتعلق بالري والتسميد ومواجهة تغيُّرات الطقس خلال الأيام التالية ليستطيع التكيُّف المسبق مع التغيرات المناخية.

يستخدم محمد (40 سنة) التطبيق منذ العام الماضي، وهو جزء من مشروع بناء مرونة نظم الأمن الغذائي بصعيد مصر أو ما يُعرف اختصارًا باسم "مشروع التغيُّرات المناخية"؛ إذ يمنحه التطبيق درجات الحرارة المتوقعة خلال أسبوع، والتوصيات التي ينبغي اتباعها وفق الظواهر الجوية المتوقعة ووفق عمر النبات الذي يتولى زراعته ونوعه، ففي حالة ارتفاع الحرارة ينصحه بالري الخفيف حتى لا تسقط السنابل، وفي حالات البرودة يطلب منه وقف الري وتزويد النبات بنِسب معينة من السماد، يعلق محمد على الأمر بقوله: "لم أعد كالسابق بحاجة إلى مهندس زراعي لينصحني بما أفعله".

ومصطلح الإنذار المبكر يعني اتخاذ إجراء تكيُّفي تجاه تغيرات المناخ باستخدام أنظمة الاتصال، بما يساعد المجتمعات الريفية على الاستعداد للأحداث المناخية الخطيرة، وبالتالي إنقاذ الأرواح والوظائف والأراضي والبنى التحتية، وعلى التخطيط وتوفير الأموال.

حالة الخدمات المناخية

خلال الخمسين عامًا الماضية، رصد تقرير حالة الخدمات المناخية الذي أصدرته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في أكتوبر عام 2020، أكثر من 11000 كارثة تسببت فيها أخطار تتعلق بالطقس والمناخ والماء، وأدت إلى وفاة مليوني شخص، وخسائر اقتصادية قدرها 3.6 تريليونات دولار أمريكي، وفي الوقت الذي انخفض فيه متوسط عدد الوفيات المسجلة لكل كارثة بمقدار الثلث خلال هذه الفترة، زاد عدد الكوارث خمسة أمثال، كما زادت الخسائر الاقتصادية سبعة أمثال، هذه الزيادة اللافتة في ظواهر الطقس المتطرفة وآثارها العنيفة على المجتمعات الضعيفة جعلت التركيز على نظم الإنذار المبكر حاجة ملحَّة، خاصةً أن التقرير الذي أعدته 16 وكالة ومؤسسة تمويل دولية وجد أن واحدًا من كل ثلاثة أشخاص لا يتمتع بتغطية نظم الإنذار المبكر بالقدر الكافي، وبينما يبدو مقلقًا أن هناك نحو 108 ملايين شخص طلبوا المساعدة لمواجهة أخطار العواصف والفيضانات والجفاف والحرائق في عام 2018، فالأكثر إثارةً للقلق هو أن هذا العدد مرشح للزيادة بنسبة 50% تقريبًا بحلول عام 2030، وبتكلفة تبلغ حوالي 20 مليار دولار أمريكي سنويًّا.

في مصر، كانت قطاعات الموارد المائية والري والزراعة وحماية المناطق الساحلية هي الأكثر تعرضًا لتغيرات المناخ، وفق تقرير مصر لاتفاقية الأمم المتحدة في 2018، وبالتوازي كان هناك عدّة مشروعات تعمل على دعم نظم الإنذار المبكر لمواجهة المخاطر المناخية في هذه القطاعات.

Credit: public domain أحد تطبيقات الإنذار المبكر

عماد عبد الله، المدير الحالي لمشروع "تعزيز مرونة نظم الأمن الغذائي" قال إن المشروع ساعد المزارعين على التكيُّف مع التغيرات المناخية من خلال عدة آليات، من بينها إنشاء تطبيق لمنح المزارعين إنذاراتٍ مبكرةً بالظواهر المناخية المتوقعة، والتوصيات اللازمة للتعامل معها.

كان "عبد الله" يعمل مديرًا لإدارة النواحي الزراعية بالمشروع الأول الذي بدأ عام 2013 وكان ممولًا من صندوق الأقلمة المناخية ووزارة الزراعة وبرنامج الأغذية العالمي واستمر حتى عام 2020، وفي العام نفسه قررت سفارة هولندا تمويل مشروع آخر لاستكماله، ومن المنتظر أن يستمر حتى العام المقبل.

 يتابع: "يزود فريق من الاستشاريين العلميين من أعضاء مركز البحوث الزراعية التطبيق بالمعلومات، ويستطيع التنبؤ بالتغيُّرات المناخية لمدة تصل إلى خمسة أيام، ويقدم للمزارعين توصيات مختلفة وفق نوع المحصول الذي يزرعونه ووفق الطقس، ففي حالات الجفاف يمنحهم توصيةً بـإعطاء ما يسمى بـ"ري ع الحامي"، أي الري بكميات قليلة من المياه لتعويض النقص في فقدان المياه ومنح الرطوبة للنبات، وفي حالة الرياح ينصح بوقف الري حتى يستقر الجو أو تتوقف حركة الرياح، مع الالتزام بمعدل محدد من الأسمدة، أما مع توقع هطول الأمطار فينصح بوقف الري وعدم التسميد؛ لأن الأمطار إذا تساقطت بغزارة ستعمل على غسل الأسمدة، وبالتوازي تم تدريب فريق عمل الجمعيات الشريكة لنشر التوصيات عن طريق المقابلات الشخصية أو استخدام بعض الإذاعات العامة بالقرية أو استخدام الجوامع والكنائس".

يستهدف المشروع محافظات أسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان؛ لأن منطقة الصعيد "هشة" أمام التغيرات المناخية من أمطار وسيول وموجات صقيع وجفاف بصورة كبيرة أكثر من باقي مناطق الجمهورية، كما أن المزارعين يفضلون طرق الزراعة التقليدية لارتباطها بالعادات الموروثة من القدم، وفق "عبد الله".

الاستثمارات الزراعية المستدامة

في السياق ذاته، استهدف مشروع الاستثمارات الزراعية المستدامة "سيل" الذي تعمل به وزارة الزراعة المصرية مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية "إيفاد"، تقديم برنامج إنذارات مبكرة للمزارعين من أجل التكيُّف مع تغيُّرات المناخ، وهو مشروع تم إطلاقه في عام 2015 ويستمر حتى عام 2023، وفق مجدي علام، منسق برنامج تغيُّر المناخ بالمشروع.

وقال "علام" في تصريحات لـ"للعلم": إن وحدة الإنذار المبكر بالمشروع قدمت دوراتٍ تدريبيةً للمزارعين في الأراضي وفي المدارس الحقلية، ودربت 950 فلاحًا في 30 قريةً كمرحلة أولى، والمستهدف 7500 شخص يحصلون على الرسائل التي تنبههم بالتغيرات المناخية المقبلة التي تتعلق بالحرارة أو الرطوبة أو الجفاف أو الرياح والعواصف الترابية، وتزودهم بالتوصيات المتعلقة بالري والتسميد.

ومع تصدُّر المناطق الساحلية في مصر لقائمة القطاعات الأكثر تضررًا من التغيرات المناخية، بدأت مصر في عام 2019 مشروع حماية دلتا النيل، والمقرر استمراره حتى عام 2025، بتمويل من صندوق المناخ الأخضر، قدره 31 مليون دولار لتوفير الحماية لطول 69 كيلومترًا في المناطق الساحلية المنخفضة والحرجة في خمس محافظات، هي بورسعيد ودمياط والدقهلية وكفر الشيخ والبحيرة، وتقوم على تنفيذ المشروع وزارة الموارد المائية والري المصرية بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة.

Credit: public domain أحد تطبيقات الإنذار المبكر

يُسهم هذا المشروع في حماية 17 مليون شخص من الفيضانات الساحلية من خلال تركيب 69 كيلومترًا من نظام السدود منخفضة التكلفة عبر شواطئ دلتا النيل، كما يشمل إنشاء نظام لرصد التغيُّرات في مستويات سطح البحر وتأثير تغيُّر المناخ على تآكل السواحل واستقرار الشواطئ.

وقال محمد حسن، مدير الإدارة المركزية للبحوث والدراسات بهيئة الشواطئ المصرية التابعة لوزارة الري، والمسؤول الحالي عن المشروع: إن العمل يتم عبر ثلاثة مسارات، إقامة مصدات للمياه من مواد طبيعية، والإدارة المتكاملة لساحل البحر المتوسط من رفح شرقًا وحتى السلوم غربًا، ووضع خطة تدريجية على المدى الطويل للتعامل مع التغيرات المناخية والحصول على توقعات دقيقة لارتفاع منسوب مياه البحر، كما يستهدف المشروع إطلاق تطبيق للإنذار المبكر لاستخدام الأفراد والقطاع الخاص.

وتابع -في مقابلة مع "للعلم"- أنه يجري العمل الآن على إنشاء خطة للرصد الوطني من المقرر تفعيلها خلال عامين، والهدف البعيد هو أن تغطي أجهزة الرصد نحو 1100 كيلومتر على ساحل البحر المتوسط، وهذه الأجهزة تقيس منسوب سطح البحر بالملليمتر، كما تقيس ارتفاعات الأمواج، وبناء على هذه القياسات الحقيقية يمكن إنشاء نظام للتنبؤ على درجة عالية من الدقة تجري تغذيته بالقياسات، وبالتالي حين يتم التوقع بأن هناك ارتفاعًا للأمواج بطول 6 أمتار في الإسكندرية بعد 5 أيام، على سبيل المثال، يكون هذا دقيقًا وتستطيع أجهزة الدولة أن تستعد بعد حصولها على الإنذار المبكر.

وأضاف أن لدينا في مصر من 10 إلى 15 جهازًا لقياس مناسيب سطح البحر على طول الساحل ولكنها تقيس بالسنتيمتر، لكن الأجهزة الجديدة ستكون عالية الدقة، مضيفاً: "التغيرات المناخية تزداد حدة، وشكل الأمواج بدأ يختلف، والفترات التي تشتد فيها الأمواج أصبحت مختلفة، لذا فالإنذار المبكر يساعدنا على اتخاذ فعل لا رد فعل، مشددًا على أن هذا الفهم المبكر يمكِّننا من التخطيط ومعرفة كيف نحمي الشواطئ والسكان والأنشطة الاقتصادية استنادًا إلى بيانات حقيقية، وموضحًا أنه على سبيل المثال، سيؤدي ارتفاع منسوب مياه البحر إلى التداخُل بين المياه العذبة والمالحة في الأراضي الزراعية وزيادة نسب الملوحة، وعلينا أن نفكر كيف نتعامل مع ذلك"، وعلَّق بأن: "مساحة مصر مليون كيلومتر مربع، ونحن نعيش في 5% فقط من هذه المساحة و90% منها في مدن الدلتا ووادي النيل.. حياتنا كلها مرتبطة بالدلتا التي تتآكل شواطئها".

الاستعداد للكوارث الطبيعية

إضافة إلى المشروعات السابقة، وقَّعت وزارة الاتصالات المصرية والهيئة العامة للأرصاد الجوية التابعة لوزارة الطيران المدني في يناير الماضي بروتوكولًا لتنفيذ مشروعات تساعد على الاستعداد للكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية، من خلال تقنيات "الذكاء الاصطناعي" للتنبؤ بحالات الطقس، محمود شاهين مدير مركز التنبؤات والتحاليل بهيئة الأرصاد الجوية، قال: إن البروتوكول من ضمن عناصره إطلاق تطبيق إلكتروني خاص بالأرصاد الجوية لمتابعة التغيرات المناخية وحالة الطقس ودرجات الحرارة والظواهر الجوية المتوقعة في كل محافظة بطرق سهلة، وبالتالي يصبح لكل شخص معرفة التطورات المناخية التي ستحدث في منطقته الجغرافية من منبه الطقس، ويستفيد منه العاملون بقطاعات مختلفة مثل الزراعة والسياحة وغيرها.

وتابع في تصريحات لـ"للعلم": إن البروتوكول سيعمل على إنشاء نظام سهل لنقل المعلومات للمسؤولين عن الظواهر الجوية الحرجة المتوقعة، مثل الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة والأتربة التي يمكن أن تؤثر على الطرق، وبالتالي إبلاغ غرف الأزمات والوزارات المعنية، كما سيتم إنشاء نظام إلكتروني يوفر البيانات التاريخية المتعلقة بالتغيرات المناخية وبيانات التنبؤ، وهذا سيفيد الجهات الراغبة في إعداد مشروعات كبيرة، على سبيل المثال سيتطلب بناء المصانع معرفة البيانات المناخية القديمة واتجاه الرياح السائد طوال السنة لتجهيز أماكن التهوية وأماكن تفريغ الملوثات عكس اتجاه المناطق السكنية.

فجوات في شبكات مراقبة الأرصاد الجوية

ولكن لا يزال إنشاء نظم الإنذار المبكر في الدول النامية يواجه تحديات كبيرة، فوفق تقرير صادر في 28 ديسمبر الماضي لمنظمة الأرصاد الجوية، فإن هناك فجوات في شبكات مراقبة الأرصاد الجوية في العديد من البلدان النامية، لذا تحتاج هذه الشبكات إلى الدعم لأنها الأساس في التكيف مع التغيرات المناخية وإنقاذ الأرواح وسبل العيش، كما رأى تقرير آخر للمنظمة أن حوالي 70% من الكوارث في أفريقيا ناتجة عن ظواهر الطقس والمناخ القاسية، ما يحتاج إلى زيادة الاستثمارات في أنظمة الإنذار المبكر لتجنب الكوارث، وبناء قدرات العاملين لاستخدام هذه النظم.

وعلى المستوى العالمي، يتزايد الاهتمام بأهمية نظم الإنذار المبكر في حماية السكان من التغيرات المناخية، ففي عام 2015، اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ما يسمى بـ"إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث"، وكان من أهدافه الوصول إلى زيادة كبيرة في نظم الإنذار المبكر بالأخطار المتعددة، وتعزيز استفادة الناس منها بحلول 2030، كما أطلقت منظمة الصحة العالمية في سبتمبر الماضي دليلًا لتقييم جودة نظم الإنذار المبكر بالمناخ والأمراض المعدية، وقالت إن استخدام هذه الأنظمة يمكن أن يؤدي إلى زيادة فاعلية مكافحة الأمراض من خلال التدخل في بداية منحنى الوباء أو قبل حدوثه، بدلًا من البدء في الإجراءات متأخرًا، وبالتالي يصبح من الممكن تحسين توقيت مكافحة المرض وتأثيرها.

في السياق ذاته، أطلقت الأمم المتحدة في ديسمبر 2019 "تحالف تطوير الأرصاد الجوية الهيدرولوجية" للعمل على سد فجوة القدرات في مجالَي الإنذار المبكر والمعلومات المناخية بحلول عام 2030، ويستهدف تعزيز قدرة البلدان النامية على توفير تنبؤات جوية عالية الجودة، وأنظمة إنذار مبكر، وخدمات هيدرولوجية ومناخية، كما أطلقت "الفاو" في 2018 النظام العالمي للإعلام والإنذار المبكر عن الأغذية والزراعة (GIEWS)، ويعمل على تسهيل بيانات الاستشعار عن بُعد القادرة على توفير رؤية حول توافُر المياه والصحة النباتية خلال المواسم الزراعية، وإعطاء تقديرات حول الهطولات المطرية، وخلال هذا المؤشر يمكن اختيار المنطقة والبلد لمعرفة التقديرات.

وفي عام 2020، قالت مبادرة أنظمة المخاطر المناخية والإنذار المبكر، إن هناك زيادة بمقدار 21% في التمويل المخصص لأنظمة الإنذار المبكر منذ 2019، بمقدار 66.16 مليون دولار، وأن هناك أكثر من 114 مليون شخص تمت حمايتهم من الجفاف والعواصف الرملية خلال هذا العام بفضل هذه النظم.