يشتكي البعض من طول اليوم، فيقول إنه "يوم مرهق أو ممل"، ويود لو ينتهي بسرعة، أما البعض الآخر، والذي ربما لم ينجز كل المهمات المطلوبة منه في الوقت المطلوب، فيتمنى لو كان اليوم أطول؛ لكي يتمكن من تسليم مهماته في الموعد المحدد لها. حسنًا، بالنسبة لرفاق المجموعة الثانية، "نحن على موعد مع خبر سعيد"؛ فقد أظهرت دراسة حديثة أن الأيام على الأرض تزداد طولًا مع تحرك القمر ببطء بعيدًا عنا.

تمكن فريق الدراسة، باستخدام طريقة إحصائية، من استكشاف التاريخ الموغِل في القِدَم لعلاقة كوكب الأرض بالقمر؛ إذ أظهرت النتائج أنه قبل 1.4 مليار سنة، كان اليوم على كوكب الأرض حوالي 18.7 ساعة فقط، وبالتالي فإنه يزداد طولًا مع مرور الزمن.

 أرجعت الدراسة ذلك إلى أن هناك مجموعة من التغيرات الدورية تطرأ على مدار الأرض ومحور دورانها، بحيث تؤثر على ميل الكوكب. وكشفت عن أن القمر كان أقرب إلى الأرض إلى حدٍّ كبير، وهو ما كان يترتب عليه دوران الكوكب بشكل أسرع.

الجديد هنا -وفق تصريح "ألبرتو مالينفيرنو"، الباحث بمرصد لامونت-دوهيرتي الأرضي التابع لجامعة كولومبيا، والمؤلف المشارك في الدراسة، لـ"للعلم"- أن الدراسة "استخدمت آلية إحصائية، تُدعى الكرونولوجيا الفلكية Astrochronology، للربط بين الحسابات الفلكية والأرصاد الجيولوجية التي جرت في سجل الصخور"، فقد تحصل مالينفيرنو ورفيقه "ستيفن ماير"، من جامعة ويسكونسن ماديسون، على تأكيد تجريبي لتلك الحسابات الفلكية التي تشرح العلاقة بين الأرض والقمر عبر الزمن، وذلك من خلال دراسة الصخور الرسوبية التي وُجدت في تلك الفترة. وتُعَد تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها إثبات أن هذه الدورات لا تزال تعمل.

نُشرت نتائج الدراسة، خلال شهر يونيو الحالي، في الدورية العلمية الرصينة "بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس" 1 (PNAS).

"بسبب قوى المد والجزر بين القمر والأرض، يبتعد القمر ببطء عنَّا بمعدل 4 سم تقريبًا في السنة، مما يجعل الأرض تبطئ في دورانها حول محورها".. هكذا يبدأ "أشرف تادروس"، رئيس قسم الفلك لدى ‏المعهد القومي المصري للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية‏، غير مشارك بالدراسة، حديثه مع "للعلم"، مستكملًا: "وبالتالي يطول اليوم على الأرض تدريجيًّا مع مرور الزمن"، مضيفًا أن "الأبحاث الإحصائية الجديدة أثبتت أنه منذ مليار ونصف مليار سنة تقريبًا كان القمر أقرب إلى الأرض بشكل كبير".

دورات ميلانكوفيتش

يمكنك أن تتخيل راقصًا وراقصة يدوران معًا على الجليد ويمسك كلٌّ منهما بيدي الآخر، وكلما اقتربا من بعضهما تزداد سرعة دورانهما، أما حينما يبتعدان، في أثناء الرقص، فإن سرعة الدوران تقل، إنها حيلة شهيرة يستخدمها راقصو الجليد لتنويع أسلوبهم، وتعتمد على مبدأ فيزيائي يقول إنه لكي تحافظ على ما يُعرف بالزخم الزاوي، يجب أن تحافظ على العلاقة بين سرعة الدوران ونصف قطر مدار الأرض والقمر، فإذا ازدادت الأولى انخفضت الثانية، والعكس صحيح.

ولفهم تلك العلاقة، دعنا نتأمل حركة الأرض؛ فهي تتأثر بشكل منتظم في أثناء دورانها حول الشمس بعدة قوى، فبجانب جاذبية القمر، وجاذبية الشمس، هناك أيضًا جاذبية الكواكب الأخرى، خاصة العملاقة منها كالمشتري، تؤثر تلك القوى الجذبوية تأثيرًا مباشرًا في مدار الأرض (بالاقتراب من الشمس والابتعاد عنها)، وميل محورها، والذي يقف الآن عند 23.4 درجة.

بجانب ذلك فإن ميل الأرض يتأثر أيضًا بما نسميه ظاهرة المبادرة، وهي حركة دائرية متغيرة للأرض حول محورها تشبه تلك التي تحدث حينما يلعب الأطفال بالنحلة الخشبية فتتأرجح حول محورها، ويظهر كل ذلك التغيُّر، في كل تلك المعايير السابقة، في صورة مجموعة دورات منتظمة يحدث كلٌّ منها خلال فترة محددة تمتد من آلاف إلى ملايين السنين، تسمى بـدورات ميلانكوفيتش Milankovitch cycles.

وبطبيعة الحال تؤثر تلك التغيرات الفلكية تأثيرًا مباشرًا في مناخ الأرض؛ إذ يتركز ضوء الشمس على سطحها في مناطق دون غيرها مع كل تغيُّر، وبالتالي تتغير قيم درجات الحرارة والبرودة والنظام المناخي تغيُّرًا كاملًا بصورة جذرية من منطقة لأخرى، وفق موضع الأرض في كل دورة، وسوف ينطبع أثر هذا المناخ، طوال مئات إلى آلاف السنين، على الصخور الرسوبية التي وُجِدت في أثناء كل ذلك التغير.

على سبيل المثال، قد يكون المناخ رطبًا جدًّا أو جافًّا جدًّا، أو قد يتحول المكان من الطبيعة الصحراوية إلى الغابات المطيرة، وبطبيعة الحال سيغير ذلك من طبيعة الصخور الموجودة، هنا يمكن لتلك الطريقة الإحصائية الخاصة بالكرونولوجيا الفلكية أن ترصدها، عبر فحص أثر هذا التغير المناخي على الصخور من تلك الأزمنة القديمة.

جرى التأكد من وجود تلك الدورات، كما جرى تحديد الموعد الذي حدثت فيه بصورة تقريبية، وبالتالي تؤكد هذه الآلية أو تنفي أو ترفع من دقة الحسابات الفلكية المتوقعة لدورات ميلانكوفيتش.

علم الفلك في الصخور!

كانت تلك الطريقة الإحصائية قد نجحت بالفعل في دراسة عدد من الدورات المحتملة للتغيُّرات المناخية على كوكب الأرض، إذ كانت مجموعة بحثية2 من مرصد لامونت-دوهيرتي الأرضي قد حفرت عميقًا في صحراء أريزونا لاكتشاف أثر واحدة من تلك الدورات، والتي يتغير فيها ميل الأرض مرة كل 405 آلاف سنة، بسبب تأثيرات جاذبية كوكبي المشتري والزهرة على الصخور؛ إذ اتفقت نتائج فحص الصخور مع توقعات الحسابات الفلكية بدقة إحصائية. أما بالنسبة للقمر، فإن الطريقة ذاتها قد استُخدمت لتحديد أثر اقترابه من الأرض بدقة.

في الحقيقة ربما لا يدرك الكثيرون أن قمر الأرض ليس فقط هدفًا للتأملات الرومانسية من قِبَل الأحبَّة، لكن وجوده أساسي لوجود الأرض، يشرح تادروس تلك الجزئية قائلًا لـ"للعلم": "لعل أهم تأثير للقمر على الأرض هو إسهامه في ثبات استقرار دوران الأرض حول محورها"، مضيفًا: "يساعدها على التوازن، فلا تتأرجح أو تترنح كثيرًا في محورها في أثناء دورانها".

وذلك لأن حجم القمر وكتلته الكبيرة نسبيًّا، يثبِّت الأرض بدرجة أكبر، فتحدث تلك التغيرات في ميلها على مدى فترات زمنية طويلة جدًّا، بحيث تسمح بظهور الحياة وتطورها، بل يقال –وفق تعبير تادروس لـ"للعلم"–: "إن تأثير القمر على الأرض من حيث حدوث المد والجذر ساعد في تكوين الأحماض النووية التي ارتكز عليها قيام الحياة منذ قرابة 4 مليارات سنة، عندما كان القمر قريبًا جدًّا من الأرض، وكانت ظاهرة المد والجزر عنيفةً جدًّا أيضًا".

ويُعتقد أن تلك الآلية، الكرونولوجيا الفلكية، قد تتدخل لدراسة تطوُّر الحياة على كوكب الأرض وعلاقتها بميله على محوره، والذي تسبب في تغيرات مناخية كارثية. وكان ماير، الرفيق المشارك في الدراسة، قد بحث3 من قبل، مع آخرين، علاقة ميل الأرض بدورات التطور والانقراض الخاصة بالـ"جرابتوليت"، مجموعة من الكائنات التي عاشت وانتشرت بكثرة قبل 450 مليون سنة، والتي أكد توزيع أحافيرها في الصخور وجود تلك الدورات.

يقول مالينفيرنو لـ"للعلم": "أكدت النتائج وجود تلك التغيرات في مدار الأرض، ويعني ذلك أننا سنتمكن بدقة من فحص النظام الأرضي القمري، والكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية، في فترة زمنية بعيدة جدًّا".

ويضيف: في الحقيقة يمكن القول إن تطوير آلية كتلك، تربط بين علم الفلك والجيولوجيا، سوف يساعد بصورة ستعطي دقة غير مسبوقة في دراستنا لتاريخ الأرض، والمجموعة الشمسية، القديم للغاية والذي لا نتمكن بسهولة من فحصه وتأكيده، وبالتالي يمكن توقع مستقبلها خلال آلاف وملايين السنوات القادمة، لكن ما نحن متأكدون منه، في النهاية، هو أن المجموعة الشمسية عمومًا، والأرض بالخصوص، لا تستقر على حال واحد، فالشيء الوحيد الثابت –كما يبدو- هو حدوث التغير!

مصادر:

1- http://www.pnas.org/content/early/2018/05/30/1717689115

2- https://arxiv.org/ftp/arxiv/papers/1511/1511.06043.pdf

3- http://www.pnas.org/content/115/22/5686.long