بينما نحن ننعم بالحياة على كوكبنا، ولا نكف أبدًا عن التكالب على ثرواته الطبيعية، فإن جيشًا لا ييأس أبدًا يقاتل من أجلنا ليحمي حياتنا، فهناك وعلى ارتفاع يتراوح بين 12 إلى 55 كيلومترًا من سطح الأرض، في طبقة الاستراتوسفير، يقبع جيش من جزيئات الأوزون التي تتألف من ثلاث ذرات أكسجين، تتراص معًا مكونة طبقة عازلة تحمينا من أشعة الشمس فوق البنفسجية التي تسبب أمراضًا خطيرة للإنسان. كما أنه من المعروف أن وصول هذا الجزء الضار من أشعة الشمس إلى الأرض قد يُحدِث خللًا عامًّا في النظم البيئية، ويؤثر في كل الكائنات الحية، وعلى عملية التمثيل الضوئي لدى النبات.

 إنه الأوزون، حارسنا الأمين الذي يصر على حراستنا رغم كل ما سببناه له من اختلال تحول إلى ما يشبه الثقب، وذلك بفعل انبعاثات هائلة من الغازات الضارة، خاصة مواد الكلوروفلوروكربون CFCS التي كانت تُستخدم في صناعات التبريد والتكييف، والهالونات التي تُستخدم في إطفاء الحرائق، والإيروسولات التي تُستخدم في البخاخات بأنواعها، وبروميد الميثيل الذي يُستخدم في التعقيم ومكافحة الآفات الزراعية.

ويتكون غاز الأوزون بصورة طبيعية في الغلاف الجوي، بواسطة أشعة الشمس فوق البنفسجية ذات الطاقة العالية، والتي يمكنها كسر جزيء الأكسجين الثنائي O2، فتتكون ذرتا أكسجين حُرّتان، لتتحد بعد ذلك بعض الذرات الحرة مع جزيء أكسجين ثنائي آخر، لتكوّن جزيء الأوزون الثلاثي الذرات O3.

ويعود اكتشاف جزيء الأوزون إلى عام 1839، عندما رصد الكيميائي الألماني كريستيان فريدريك شونباين جزيئًا من ثلاث ذرات أكسجين، لا لون له، حاد الرائحة، فأطلق عليه هذا الاسم، ومعناه باللاتينية "ذو الرائحة".

على طريق التعافي

ومنذ أيام قلائل، وبعد ما يقرب من ثلاثين عامًا من البحث والعمل، هاهو برنامج الأمم المتحدة للبيئة وسكرتارية الأوزون يعلنان أن أطراف بروتوكول مونتريال حققوا هدفهم بالتخلص التام والنهائي من مواد الكلوروفلوروكربون في عام 2016، حتى تلك التي كانت مستثناة لاستخدامها في البخاخات الصحية لبعض الأمراض الصدرية، وأصبح هناك الآن بدائل أفضل بكثير تُستخدم في هذه البخاخات.

كما حمل لنا شهر يونيو هذا العام أخبارًا تبث الأمل في نفوسنا حول بدء تعافي طبقة الأوزون، إذ نشرت البروفيسورة <سوزان سولومون> -الخبيرة في دراسات الغلاف الجوي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة- وفريق عملها دراسة في مجلة ساينس، في 30 يونيو 2016، تقول بأن ثقب الأوزون تناقص في عام 2015 فوق القارة القطبية الجنوبية مقارنة بعام 2000، وبمساحة تصل إلى 4 ملايين كيلو متر مربع، وهي مساحة تعادل مساحة دولة الهند تقريبًا.

ووفق الدراسة، فإنه بعد نحو ثلاثة عقود من الحظر الدولي للمواد الكيميائية التي تُسهم في تكوّن ثقب الأوزون، توجد الآن دلائل قوية على أنها استقرت بعد عملية تجديد حدثت لها في الغلاف الجوي للأرض.

تقول سولومون -المشرفة على الدراسة-: "يمكننا الآن أن نكون على يقين بأن القرارات التي اتخذناها وضعت الكوكب على طريق التعافي". وكانت الدراسة قد ركزت على معرفة الحجم السنوي لثقب الأوزون فوق المنطقة القطبية الجنوبية خلال شهر سبتمبر/ أيلول بين عامي 2000 و2015، حيث قام الفريق البحثي بتحليل هذه البيانات التي أُخذت عن طريق الأقمار الصناعية وبالونات قياس الطقس. وعملت سولومون على هذه الجزئية منذ عام 1986، لتؤكد أن نفاد الأوزون يبدأ مراحله الكبرى في الزيادة مع بدايات سبتمبر، عندما تتحول الشمس كلية للقارة القطبية الجنوبية بعد انتهاء فصل الشتاء، فالحرارة والضوء يحفزان عمل غازات الكلور وتأثيرها على الأوزون، لذا ووفقًا لقولها "المتابعة لا بد وأن تبدأ في سبتمبر"، فهل نطمئن تمامًا الآن؟

وقد حذر العلماء من الارتكان إلى هذا التعافي، مطالبين بالاستمرار في بذل كل الجهود الممكنة للتخلي عن المواد المستنفدة للأوزون، فثقب الأوزون على القطب الشمالي مثلاً لم يُظهر تحسنًا أو تعافيًا. ومع استمرار الجهود وتنفيذ بنود بروتوكول مونتريال كافة، فإن التعافي التام قد لا يحدث إلا مع نهاية القرن، وفق فريق من العلماء الذين يقولون بأن الأمر قد يحدث في عام 2075. ووصل ثقب الأوزون إلى حجمه الأقصى في أكتوبر/ تشرين الأول 2015، لكن سولومن وزملاءها يؤكدون أن هذا كان بسبب ثوران بركان كالوبكو في تشيلي.

وكانت بداية اكتشاف هذا التخلخل في طبقة الأوزون عام 1974، عندما اكتشف الكيميائيان <شيروود رولاند> و<ماريو مولينا> أن مركبات الكربون الكلورية الفلورية تستنفد طبقة الأوزون، إذ توصلا إلى نظرية مفادها أن هذه المركبات تتفاعل مع أشعة الشمس وتتحلل في طبقة الاستراتوسفير، محرِّرةً ذرات الكلور والتي بمقدورها تدمير أعداد ضخمة من جزيئات الأوزون. وفي عام 1985، ظهرت شواهد تثبت صحة نظريتهما، وقد فازا بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1995، مناصفة مع <بول كروتزن> الذي أثبت بدوره التأثير السلبي لأكاسيد النيتروجين على طبقة الأوزون.

وبعد ذلك تحرك برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) بقيادة العالِم المصري الراحل مصطفى كمال طلبة، المدير التنفيذي لليونيب آنذاك، وبعد جهود مضنية توصل العالم في 22 مارس 1985 إلى اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون. وقع الاتفاقية في البداية، 58 دولة، من بينها مصر. ومن بين ما نصت عليه الاتفاقية ضرورة الحد من المواد المستنفدة لطبقة الأوزون والبحث عن مواد أخرى بديلة، وإتاحة تبادل الخبرات لمساعدة الدول النامية في هذا الإطار.

بروتوكول مونتريال

ومن أجل أن تتحول هذه البنود إلى تطبيق على أرض الواقع، وقعت معظم دول العالم في 16 سبتمبر 1987 بروتوكول مونتريال لحماية طبقة الأوزون، الذي وضع جداول زمنية محددة للتخلص من المواد الضارة للأوزون، ووقف الإنتاج والاستهلاك، والتعامل مع مخزونات هذه المواد. كما طرح البروتوكول آليات واضحة لتنفيذ ذلك والإسراع من أجل التوصل إلى البدائل.

وفي لندن 1990، أعلن عن تأسيس الصندوق العالمي للأوزون؛ لتمويل مشروعات الدول النامية في هذا الصدد. ولقد استمرت وحتى الآن عملية إضافة تعديلات على البروتوكول لمزيد من التفعيل والإسراع بخطوات حماية طبقة الأوزون وطرح البدائل ومراعاة الجوانب الاقتصادية والقانونية كافة.

ومن مميزات بروتوكول مونتريال أنه وضع آليات عملية لإنتاج 100 مادة كيميائية واستيرادها، وفقًا للمدة المتفق عليها، كما يتضمن البروتوكول أحكامًا خاصة بالدول النامية. ويطلب البروتوكول أيضًا من كل طرف أن يقدم تقارير سنوية عن إنتاجه ووارداته وصادراته من المواد الكيميائية التي تعهد بالتخلص منها. كما شكل البروتوكول عدة لجان فنية للتقييم وطرح البدائل والحلول، وإجراء تقييم منتظم، وتوفير معلومات في مجالات عدة، منها مجال العلوم البيئية والتكنولوجيا والاقتصاد. كما قام صندوق الأوزون بدور محوري في تمكين البلدان النامية من تنفيذ التزاماتها في إطار البروتوكول، وكلها أمور جعلت منه نموذجًا يُحتذَى به في ضبط العمل الجماعي العالمي.

وفي عام 1994، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة 16 سبتمبر يومًا دوليًّا للحفاظ على طبقة الأوزون، وهو تاريخ توقيع بروتوكول مونتريال. وفي عام 2016، أصبحت المسألة الأكثر أهمية هي العلاقة المتشابكة بين قضيتي الأوزون والمناخ، فحماية الأوزون تعني أيضًا حماية المناخ. ولقد شهدت العاصمة النمساوية فيينا عدة اجتماعات في يوليو 2016 لمناقشة مقترحات للتعديل الخاص بموضوع مواد الهيدروفلوروكربون، وكيف ستدخل تحت مظلة البروتوكول للتخلص التدريجي منها.

بدائل للبدائل

بينما كان العالم يسعى حثيثًا للتوصل إلى بدائل جديدة للمواد المستنفدة لطبقة الأوزون، كانت ظاهرة التغيرات المناخية تتنامى شيئًا فشيئًا. وإذا بالعلماء يكتشفون أن المواد التي استُخدمت بدلًا من الكلوروفلوروكربون هي بدائل تسبب الاحتباس الحراري، وعلى رأسها مركبات الكربون الهيدروكلورية الفلورية hcfcs والتي استُخدمت كمرحلة انتقالية، قبل أن تتجه صناعة التبريد والتكييف إلى استخدام مركبات الكربون الهيدروفلورية hfcs . وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن هذه المركبات تُسهم أيضًا في الاحترار العالمي وتهدد المناخ، وبالتالي لا بد من التخلص منها ولو تدريجيًّا بسبب اعتماد صناعات كثيرة عليها، خاصة صناعات التبريد والتكييف التي ينمو الطلب عليها في مختلِف أنحاء العالم. ولكن هل من السهل وقف استخدام hfcs أو خفضه بعد أن كانت الصناعة قد غيرت خطوط إنتاج كاملة في هذا الاتجاه؟

يوضح المهندس أحمد القرشي -كبير مهندسي وحدة الأوزون بجهاز شؤون البيئة في مصر- أن التفاوض حول دخول Hfcs ضمن بروتوكول مونتريال بدأ منذ عام 2009 في مؤتمر الأطراف المنعقد في بورتوغالب في مصر. وقد اعترضت كل من الهند والصين -وهما من الدول المنتجة لهذه المواد- حينها على ذلك الاقتراح. يقول القرشي: "لكن الوضع الآن تغير وقد أصبحتا أكثر تجاوبًا بعد ظهور بدائل جديدة".

تشير التقارير الصادرة عن اللجان الفنية للبروتوكول أن التوصل إلى اتفاق شامل للتخلص من hfcs من الممكن أن يجنب العالم ما يوازي 105 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون المكافئ بحلول 2050، وحوالي 0.4 درجة من الدفء العالمي بنهاية القرن مع الاستمرار في حماية طبقة الأوزون.

من أجل ذلك اجتمعت 197 دولة في فيينا، في يوليو الماضي، للتفاوض واستكمال العمل على تعديل خامس لبروتوكول مونتريال، لإدراج التخلص من إنتاج مركبات الهيدروفلوروكربون واستهلاكها، والتباحث حول التحديات التي ناقشها ما يُعرف بمسار دبي، المنعقد العام الماضي.

وعن أهمية النقاشات حول قرارات مسار دبي الذي انعقد في 2015، والتي دعت إلى البحث في مختلف التحديات التي تواجه التحول إلى البدائل الجديدة قبل إقرار تعديل البروتوكول، يقول القرشي: "بعض القطاعات ليس لديها بدائل مناسبة، وبعضها خطر أو سام"، ويوضح أنه لا بد من وجود دعم تام لبناء القدرات وتعديل المواصفات العالمية لاستقبال هذه البدائل، بالإضافة إلى خطة متكاملة تشمل الصيانة والجوانب الاقتصادية، وهو دور مهم لا بد أن يقوم به الصندوق متعدد الأطراف لبروتوكول مونتريال.

خيارات صعبة

تناول التقرير التقييمي الرابع الصادر عام 2016 عن فريق التكنولوجيا والتقييم الاقتصادي التابع للبروتوكول -يصدر كل أربع سنوات- 80 مادة يجري اختبارها في برامج صناعية في مجال التبريد والتكييف كمواد بديلة ضعيفة التأثير على الأوزون والمناخ. ولكن عند التطبيق تنشأ صعوبة كبيرة بسبب تكلفة البدائل على مدى عمر التشغيل، كما تطرق التقرير أيضًا إلى مدى الأمان عند استخدام بعض مواد التبريد البديلة، إذ تحتاج إلى وعي خاص وبناء قدرات، فبعضها سام وبعضها قابل للاشتعال. كذلك تناول التقرير الحاجة إلى بناء القدرات الأكاديمية في صناعات التبريد وتشجيع البحث العلمي في هذا المجال.

ويوضح لنا الدكتور علاء عُلما -عضو لجنة البدائل التكنولوجية للتبريد والتكييف، التابعة للجنة الفنية والاقتصادية لبروتوكول مونتريال التي تصدر التقرير، وتضم ثلاثين عالمًا من العلماء المتخصصين في هذا المجال على مستوى العالم- أن من أهم النقاط في هذا التقرير ما يتعلق بالدول شديدة الحرارة، إذ إن وسائط التبريد Hfcs ليس لها حتى الآن بدائل مناسبة لمناخ هذه الدول. وأضاف أن المشكلة الأساسية أنه كلما ارتفعت درجة الحرارة في الهواء الخارجي تقل كفاءة البدائل الحديثة المطروحة، ويؤدي ذلك أيضًا إلى زيادة استهلاك الكهرباء أو تكبير حجم جهاز التكييف نفسه، ومن هنا فموضوع كفاءة الطاقة يرتبط بنوعية وسيط التبريد، وهي معضلة معقدة لن تُحَل إلا بمزيد من البحث والتطوير.

وعن أهم وسائط التبريد الجديدة، أشار إلى مركبات الهيدروكربون HC، إلا أنه يحذر من أنها شديدة الاشتعال، وهو ما يحتاج إلى بناء قدرات المتعاملين معها وتدريبهم. ويقول: "بدأت عدة دول في استخدام الهيدروكربون مثل الهند، ولكنها تستخدمها بضمانات معينة وبتعديلات معينة في أكواد التبريد والتكييف، وكذلك أكواد البناء". ويشير عُلما إلى أن هناك وسائط تبريد أخرى اكتُشفت حديثًا لا تؤثر على طبقة الأوزون ولا على المناخ عامة، ولكنها مكلفة جدًّا بالنسبة للدول النامية.

ويدعو عُلما للنظر إلى نظم التكييف الطبيعية القديمة في طريقة البناء. وفي هذا الإطار، يتساءل لماذا لا نضع العوازل الحرارية في أبنيتنا لتحمينا من التقلبات الجوية. ويشدد على أنه على البلاد الحارة تحسين استخدام وسائط التبريد الحديثة، وبناء قدرات المصانع والشركات ونظم الصيانة، والاستعداد جيدًا للمرحلة القادمة.

من جانبه، قال المهندس خالد عبد العزيز -مدير البحوث والتطوير بإحدى شركات التكييف العالمية-: إنه يجب مراعاة كفاءة الطاقة جيدًا عند استخدام بدائل جديدة؛ لأن وسائط التبريد المطروحة حتى الآن أقل كفاءة من الوسائط الحالية. وأضاف أنه لا بد من دراسة متعمقة للأسواق وخدمات ما بعد البيع والصيانة، وتدريب العمالة، والتصدي لعملية احتكار بعض الدول للتكنولوجيات الجديدة.

وتتجه الأنظار الآن إلى العاصمة الرواندية كيجالي، التي ستشهد مع أوائل أكتوبر 2016 اجتماعًا لأطراف بروتوكول مونتريال، فهل سيتفق العالم على الإدراج الرسمي لمواد الهيدروفلوروكربون ضمن البروتوكول، ويستفيد من مزايا هذا البروتوكول؟ وهل ستكون هناك رؤية واضحة لاستعادة الأوزون والمناخ معًا، مع مراعاة الاعتبارات العلمية والتقنية والاقتصادية للجميع.