لطالما بحث العلماء عن آثار لوجود حياة سابقة على سطح المريخ، ولكنهم حتى الآن لم يجدوا أي أثر يدل على حياة رغم الكشف عن مياه سائلة على سطحه. فمن الواضح أن نشوء حياة على سطح أي كوكب يحتاج إلى العديد من العوامل، أبرزها السطح الصخري والمياه والجو الدافئ، وكذلك "المجال المغناطيسي". ذلك المجال الذي أتاح للأرض أن تحتضن تلك الحياة المزدهرة الآن على سطحها.

كل يوم يتكشف للعلماء الكثير حول سبل تكوُّن المجال المغناطيسي للأرض، الذي يعتبر الداعم الأول لحياتنا –نحن البشر- والداعم كذلك لمختلِف أشكال الحياة الأخرى على هذا الكوكب.

مؤخرًا، كشفت دراسة علمية حديثة أن المجال المغناطيسي للأرض أوشك على الاختفاء بالكامل منذ حوالي 565 مليون سنة، وأن عمليةً جيولوجيةً ربما تكون قد أنقذته في النهاية وأنقذت معه الحياة المستقبلية التي دعمها كوكب الأرض.

وكانت أدلة علمية سابقة قد أشارت إلى أن لب الأرض الداخلي المعروف بالـ"نواة" كان سائلًا في وقتٍ ما، ولكنه بدأ يتصلب حين توافرت الظروف لذلك.

تكوَّن المجال المغناطيسي عن طريق احتكاك نواة الأرض الصلبة بالسائل المحيط بها، مما تسبب في توليد الكهرباء في باطن الأرض، والتي تحولت بدورها إلى مجال مغناطيسي بسبب حركة الأرض ودورانها حول محورها. وتختلف تقديرات العلماء لعمر المجال بشكله الحالي والذي لم يبدأ إلا بعد تصلُّب نواة الأرض. ويشير بعض العلماء إلى أن بداية التصلُّب كانت منذ 2.5 مليار، بينما يعتقد آخرون (ومنهم مؤلفو الدراسة التي نتصدى لها) أنه كان أكثر حداثة- وربما قبل 500 مليون سنة فقط.

يقول أستاذ العلوم الجيوفيزيائية ورئيس قسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة المنصورة والباحث غير المشارك فى الدراسة "أحمد المحمودي" في تصريح لـ"للعلم": إن تحديد عمر النواة الداخلية للأرض أمر أساسي في فهم عملية تَطوُّرها. ولقد أسهَمَت هذه الورقة العلمية في حسم الجدل الذي ساد مدةً طويلة بين العلماء على توقيت تكون اللب الداخلي للكرة الأرضية.

قدمت الورقة دليلًا علميًّا على أن ذلك حدث في الوقت المناسب لإعادة شحن الجيودينامو الأرضي، وفيها تتحول الطاقة الحرارية الموجودة في باطن الأرض إلى طاقة كهربائية، وهي العملية الأساسية التي توفر درع الأرض المغناطيسي.

ووفق بحث منشور في دورية نيتشر جيوساينس، توصل فريق مشترك من جامعات روشستر وليفربول وكاليفورنيا إلى أدلة علمية جديدة على التوقيت الزمني الذي ربما تكون قد بدأت عنده عملية تصلُّب اللب الداخلي للكرة الأرضية.

وتشير الدراسة إلى أن الباحثين فحصوا معادن كريستالية صغيرة عُثر عليها في باطن الأرض تسمى البلاجيوكليز والكلينوبيروكسين. تكونت تلك المعادن في منطقة بشرق مدينة كيبيك الكندية، قبل 565 مليون سنة خلال العصر الإديكاري (الفترة الزمنية بين 635 إلى 541 مليون سنة مضت). وحلل الباحثون إبرًا مغناطيسية متناهية الصغر (بين 50 و100 نانومتر) كانت موجودةً داخل هذه المعادن. هذه الإبر قادرة على تسجيل المجال المغناطيسي والاحتفاظ بشدته واتجاهه لمليارات السنين، لذا تحظى بأهمية جيولوجية كبيرة، خاصةً إذا وُجدت بداخل صخور منصهرة.

وبمجرد أن وضع الباحثون المعادن الكريستالية داخل الماجنيتوميتر (جهاز قياس المغناطيسية)، اكتشفوا أنها تحمل قيمةً منخفضةً للغاية من المغناطيسية تعود إلى ذلك التاريخ الذي انتهت إليه الدراسة.

اعتمد الباحثون في تلك الدراسة على افتراض علمي مفاده أن قيمة المجال المغناطيسي لكوكب الأرض كانت شبه منعدمة قبل تصلُّب اللب الداخلي، حسبما يقول رئيس قسم علوم الأرض والبيئة في جامعة روشستر "جون تاردونو"، وهو أحد مؤلفي الدراسة. وحين وجد الفريق البحثي آثار ضعيفة للمغناطيسية في العينات التي عُثر عليها، استنتجوا أن عمر ذلك المعدن ربما يكون هو الزمان الذي انخفضت فيه قيمة المجال المغناطيسي للأرض، لدرجة جعلته قريبًا من الاختفاء. يقول "تاردونو" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن حالة الضعف غير الاعتيادية للمجال المغناطيسي في ذلك التوقيت بمنزلة دليل على بداية ولادة لب داخلي صلب في توقيت يتزامن مع عمر تلك الصخور.

عملية بطيئة ومركّبة

وفق الدراسة الجديدة، فقد كان لب الأرض الداخلي سائلًا، ولكن قبل 565 مليون سنة، بدأت عملية بطيئة ومركّبة انتهت به إلى التصلب، وكنتيجة طبيعية لتلك العملية تم تعزيز الحقل المغناطيسي للأرض. يقول "ريتشارد بونو" -الباحث الرئيسي فى الدراسة- لـ"للعلم": "قبل أن يبدأ اللب الداخلي للأرض فى التصلب كانت الطاقة الوحيدة المتاحة لتوجيه المجال المغناطيسي للأرض هي التبريد البطيء للنواة، ولأن هذا التبريد يصبح أبطأ وأبطأ، تتنبأ النماذج الدراسية بأن المجال المغناطيسي سيصبح تبعًا لها أضعف وأضعف".

حين يبدأ اللب الداخلي للأرض في التصلب، يتم طرد العناصر الأخف مثل السيليكون والمغنسيوم والأكسجين إلى الطبقة السائلة المُحيطة بالنواة، في تلك الحالة، يتولد اختلاف في درجات الحرارة بين لب الأرض والطبقة المُحيطة بها، وكنتيجة لتلك العملية، يحدث انتقال حراري بينهما، يُعرف باسم الانتقال الحراري بالحمل، ليخلق تيارًا كهربائيًّا يتسبب بدوره في تكوين الحقل المغناطيسي.

 "تلك العملية هي المصدر الأساسي للتيار الكهربي المُولد للمجال المغناطيسي، ومع زيادتها يصبح المجال أقوى، مما يمنع انهياره ويسمح بزيادة قيمته يومًا بعد يوم حتى وصل إلى القيمة التي نعرفها اليوم". على حد ما يقول "بونو" لـ"للعلم"، الذي يستطرد موضحًا: يعني تكوين اللب الداخلي أن العديد من العناصر الأثقل والأكثر كثافةً كانت معه، وجرت إزالتها من اللب الخارجي، وبالتالي، فقد ترك الجزء الخارجي مع العناصر الأقل كثافة، وبدأت المادة المنصهرة في الارتفاع والسقوط بكفاءة أعلى من ذي قبل، مضيفًا أن ذلك عزَّز قدرة الأرض على توليد مجالها المغناطيسي مجددًا.

الدرع المغناطيسي

يتسبَّب دوران الأرض باتجاه عكس دوران عقارب الساعة مع وجود تيارات حمل حراري في غلاف اللب الخارجي السائل ولب آخر داخلي صلب في توليد تيارات كهربائية خفيفة عبر ما يُعرف علميًّا بـ"عملية الدينامو أو الجيودينامو"

يؤدي التداخل بين التيارات الكهربائية وحركة تيارات الحمل الحراري في غلاف اللب الخارجي إلى توليد مجال الأرض المغناطيسي الأرضي (والذي يُعد الأقوى مقارنةً بكل كواكب المجموعة الشمسية). ويؤدي اللب الداخلي للأرض دورًا حيويًّا غايةً في الأهمية لاستمرار الحياة على الأرض. لكن يبقى السؤال: متى تكوَّن اللب الداخلي؟

تطوُّر الأرض وولادة الحياة

وللمجال المغناطيسي للأرض أهمية كبيرة، إذ من دونه لا تستطيع الحيوانات المهاجرة الوصول إلى وجهتها، كما لا نستطيع الإبحار بالسفن في البحار والمحيطات، ولولاه لكانت الرياح الشمسية -التي تصل طاقتها إلى 1 كيلو إلكترون فولت وسرعتها إلى أكثر من مليون ونصف المليون كيلومتر في الساعة– ستصل إلى الأرض لتدمر الحياة على كوكبنا، كل هذا وأكثر كان يمكن له أن يحدث في حال لو فقدت الأرض مجالها المغناطيسي؛ إذ يُعد المجال المغناطيسي هو الدرع الأساسي للحياة على الأرض.

ووفق الدراسة، لوحظ أن انخفاض شدة المجال المغناطيسي كان آنذاك عند مستوى غير مسبوق، مستنتجين أن هناك ترددًا كبيرًا في الانعكاسات المغناطيسية في ذلك الوقت، مما يوحي بأن الجيودينامو الأرضي كان على وشك الانهيار، ومفترضين أنه الوقت ذاته الذي حدثت فيه ولادة اللب الداخلي للأرض.

كان المجال المغناطيسي للأرض قبل 565 مليون سنة، أكثر ضَعفًا بـ10 مرات مما هو عليه اليوم، وهو أضعف مستوى موثق على الإطلاق. علاوةً على ذلك، أظهرت القياسات أن تواتر انقلابات القطب الشمالي والجنوبي كان عاليًا جدًّا (والذي يعني تغيُّر الحقل المغناطيسي لكوكب الأرض؛ إذ يتم تبادل المجالين المغناطيسيين الشمالي والجنوبي، بحيث تشير إبرة البوصلة إلى الاتجاه المعاكس).

يقول عالِم الكواكب الشهير "فرانشيس نيمو" والباحث المشارك فى الدراسة، متحدثًا لـ"للعلم": لاحظنا أن ما حدث لكوكبنا في تناقُضٍ حادٍّ مع ما حدث لكوكب المريخ، والذي كان له في السابق حقل مغناطيسي قوي. ولكن اليوم، المريخ غير محمي ضد الإشعاعات الشمسية المميتة، مجاله المغناطيسي الخاص ميت نسبيًّا، والنقاش حول سبب حدوث هذا بالضبط ما زال مستمرًّا.

فيما صرح عالم الجيوفيزياء السوري "إسماعيل إبراهيم" –أستاذ العلوم الجيوفيزيائية المساعد بمعهد الجيوفيزياء والأرصاد الجوية بجامعة كولونيا بألمانيا والباحث غير المشارك فى الدراسة-  لـ"للعلم": "التوقيت الذي انتهت إليه الدراسة توقيت بارز جدًّا في التاريخ الجيولوجي، إذ يسبق مباشرةً الانفجار الكامبيري الذي ظهرت منه كل أشكال الحياة التي نعرفها اليوم، مضيفًا أنه يمكننا فى النهاية أن نقول إن تكوُّن اللب الداخلي للأرض كان بمنزلة الضوء الأخضر الذي مهَّد لنشأة الحياة على سطح الكوكب الأزرق".