في عام 1910، أنتج المخترع الأمريكي الشهير "توماس أديسون" فيلم "رحلة إلى المريخ" "A Trip to Mars"، الذي عُدَّ أول فيلم للخيال العلمي؛ لتبدأ بعده سلسلة لا تنتهي من الرحلات العلمية على طريق استكشاف الكوكب الأحمر.

اكتسب المريخ اسمه الإنجليزي "مارس" من الرومان القدماء بعدما رأوا في لونه الأحمر صورةً محاكية لـ"إله الحرب" لديهم. أمَّا العرب، فاختاروا تسميته بـ"المريخ" في إشارة لظهوره كـ"بقعة حمراء"، وهي البقعة التي ما زالت تجذب عقولهم حتى الآن؛ إذ أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة قبل أكثر من عام أنها تخطط لإنشاء مستوطنة عليه.

ووسط تلك الآمال الممتدة لاستيطان الكوكب الأحمر، خرج فريق من الباحثين بجامعة "واجينيجن" الهولندية، بدراسة تؤكد قدرة ديدان الأرض على الحياة والتكاثر في تربة شبيهة بتربة المريخ، ما يفتح المجال أمام إعادة إنشاء نظام بيئي شبيه بالأرض على سطحه، ويمنح البشر القدرة على الزراعة عليه للحصول على الغذاء حال اختيارهم الحياة هناك.

الأمير الجذاب

وتحتل نتائج الدراسة الجديدة أهميةً بالغة ضمن خطط استيطان الكوكب؛ إذ تخطط وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" لإرسال البشر إلى المريخ في عام ٢٠٣٠، ما قد يمثل خطوةً أولى باتجاه إنشاء "مستعمرة مريخية".

اختبر الباحثون قدرة ديدان الأرض على الحياة في تربة شبيهة بتلك الموجودة على المريخ. وجاءت النتائج مفاجئة؛ إذ صمدت الديدان في مواجهة هذه الظروف المغايرة واستمرت في الوجود، كما بدت نشيطةً في أداء وظيفتها التقليدية، فضلاً عن أنها بدأت في التكاثر.

وكان أرسطو قد أطلق على دودة الأرض لقب "الأمير الجذاب"؛ لدورها الحيوي في الحفاظ على التربة الزراعية وتهويتها عبر شق الأنفاق وتقليبها والتغذية على المخلفات النباتية والحيوانية.

يقول ويجر واملينك -الباحث في علم الأحياء بجامعة "واجينيجن"، وقائد فريق البحث- لـ"للعلم": "استهدفت التجارب معرفة كيف سيتمكن البشر من زراعة المحاصيل في المريخ مستقبلًا؛ إذ اختبرنا نمو النباتات في تربة مماثلة لتربة المريخ، وبالفعل وُلدت اثنتان من الديدان الصغيرة فيها، وهو ما يُعَدُّ حدثًا مهمًّا بالنسبة للمزارعين المستقبليين على الكوكب الأحمر".

نظام زراعي مستدام

يعتقد واملينك أن دودة الأرض يمكنها تعديل مكوِّنات تربة المريخ وإنشاء نظام زراعي مستدام على الكوكب، مشيرًا إلى أن "الدود سيؤدي دورًّا مهمًّا في تحليل المادة العضوية النافقة، وذلك بافتراض أن إنسان المريخ سيقضي حاجته، وأن هذه المخلفات ستُستخدَم في تسميد التربة".

ويضيف: لأسباب تختص بأمان التجربة وكونها عملية، استُخدِمت مخلفات الخنزير "طين الخنزير" ودودتين بالغتين مع التربة المحاكية للمريخ وبذور نبات الجرجير، بحيث يحفِّز السماد الدودتين على النمو في تلك التربة، قائلًا: راقبنا نشاط الدودتين، وكانت المفاجأة، في نهاية التجربة، عندما ظهرت دودتان صغيرتان جديدتان في التربة المحاكية لتربة المريخ.

يشدد واملينك على أنه "لم يكن التأثير الإيجابي لإضافة السماد العضوي متوقعًا، لكننا كنا مندهشين؛ لأنه جعل التربة المحاكية للمريخ تتفوق على تربة الأرض".

حدائق مستقبلية

تشير الدراسة إلى أن ديدان الأرض ذات أهمية كبيرة للتربة الصحية، لا على سطح الأرض فحسب، لكن أيضًا بالنسبة للحدائق "المستقبلية" المغلقة التي يسعى العلماء لزراعتها على سطح الكوكب، إذ تؤدي دورًا مهمًّا في السلسة الغذائية، حيث تنمو على المواد العضوية الميتة مثل بقايا النباتات وتمضغها وتخلطها بالتربة، ثم تقوم البكتيريا بعد ذلك بتحليلها مستقبلاً، ثم تُخرِج عناصر غذائية للنبات مثل النيتروجين والبوتاسيوم والفسفور. وتقوم ديدان الأرض بحفر جحور في التربة، ما يسمح بتهويتها وتحسين خواصها ويسهل عملية الري، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاج.

 
[Credit: Wamelink Wieger]

يقول واملينك: سنحل بذلك مشكلة إطعام البشر الذين سيعيشون مستقبلًا على سطح المريخ، وكذلك القمر، إذ يهدف مشروع "الطعام على المريخ والقمر" إلى إنشاء نظام زراعي مستدام، موضحًا: لقد عرفنا الآن أنه لن تكون هناك مشكلة في نمو المحاصيل على سطح المريخ في حالة تجهيز التربة والرمال النقية، والهدف الجديد الآن هو أن ننشئ نموذجًا بيئيًّا زراعيًّا مصغرًا مستدامًا يحتوي على فطريات ومعادن وجذور نباتات وبكتيريا ومعادن ونيتروجين وديدان ونحل طنان للتلقيح. لقد بتنا نعلم أن الديدان يمكنها العيش والتغلُّب على الظروف الصعبة للكوكب الأحمر، وكذلك المساعدة في إنتاج المحاصيل.

ظروف جوية مصطنعة

 وبسؤال واملينك عن الظروف الجوية على المريخ، التي تختلف تمامًا عن الأرض، قال: "أُجريت التجربة تحت الظروف العادية لكوكب الأرض من حيث الجاذبية والهواء"، موضحًا أن في المريخ ضغطًا جويًّا منخفضًا جدًّا، لا يستطيع الإنسان ولا النبات أو الديدان الحياة فيه، ولهذا السبب فإن نمو النبات والديدان سيكون تحت "ظروف مصطنعة"، بحيث يكون هناك هواء يشبه هواء الأرض.

وأضاف أنه يمكن نموها في كهف ليحمي البشر والنبات والحيوانات من الإشعاع الكوني السام الذي ينهي الحياة على الكوكب، والذي يحتوي أيضًا على ثاني أكسيد الكربون المتجمد (الثلج الجاف).

ويستطرد: عند إحضار ثاني أكسيد الكربون إلى داخل الصوبات الموجودة على المريخ وإذابته، سيتحول إلى الحالة الغازية، ويستطيع النبات استخدامه للنمو، ويمكن أيضًا "فلترته" بشكل ميكانيكي والحصول على الهواء لو كان ذلك ضروريًّا، ولذلك لا أتوقع حدوث أي مشكلة بين ثاني أكسيد الكربون والديدان.

 
[Credit: Wamelink Wieger]

يتفق محمد أبو السعود -وكيل المعمل المركزي للمناخ التابع لوزارة الزراعة المصرية- مع ما جاء في الدراسة، مضيفًا، في تصريحات لـ"للعلم" أن "دودة الأرض يمكنها أن تُسهِم في تحسين البيئة الزراعية وتحسين الإنتاجية، خاصةً عند الزراعة في بيئات مثل الرمل والبيتموس (مادة عضوية متحللة توجد في المناطق الرطبة من العالم)، والبيرليت الذي يُستخدَم بصورة منفردة أو يدخل في عمل خلطات مع بيئات أخرى مثل البيتموس، وذلك لزراعة العديد من محاصيل الخضر والشتلات ونباتات الزينة".

خطط مستقبلية

تحتل الدراسة الأخيرة مكانةً بارزة ضمن حملة التبرعات التي تمولها مؤسسات عالمية كبرى مثل "ناسا"، وشخصيات بارزة مثل إيلون ماسك -الملياردير الأمريكي ذي الجذور الجنوب أفريقية ومؤسس شركة "سبايس إكس" لصناعات الفضاء- لتنظيم رحلات إلى المريخ، ما يستوجب توفير الغذاء لـمَن سيذهبون في تلك الرحلات ويقيمون مدةً طويلة على سطح الكوكب الأحمر.

يقول واملينك: "يُجري الفريق البحثي حاليًّا تجارب تستهدف إنتاج عشرات المحاصيل، مثل الفول الأخضر والبسلة والفجل والطماطم والبطاطس والجزر والجرجير، داخل التربة المحاكية لتربة المريخ، بحيث تصبح زراعتها ممكنةً في الحدائق المستقبلية المغلقة.

 ويضيف: يتركز هدفنا الأساسي في العام القادم على دراسة سبل الحماية من الإشعاع الكوني السام، كما سنكمل أبحاثنا حول إمكانية إنبات ونمو البطاطا والفول السواداني في التربة المحاكية لتربة المريخ، خاصةً أن المحصولين الأخيرين يُعَدان جزءًا أساسيًّا من النظام الغذائي النباتي، وسيتم تحليل المحاصيل لمعرفة نِسَب المعادن الثقيلة في النباتات واختبار أمانها على الاستهلاك البشري.

 يختتم واملينك كلامه قائلًا: "بعد تخطي هذه الاختبارات سنُعِدُّ لكل مَن ساعدنا في تمويل المشروع عشاءً مكونًا من المحاصيل المزروعة في التربة المحاكية لتربة المريخ".