تميزنا أوجهنا، فلكلٍّ منَّا تفاصيل وجهه المميّزة، ولكل شعب تقاسيمه الخاصة التي يتميز بها، فإذا مر أمامك رجل أو امرأة من جنوب شرق آسيا على سبيل المثال فسرعان ما تستنتج هويته، وكذلك الهنود وغيرهم من الشعوب الأخرى.

ولسكان شرق إفريقيا من الملامح المتفردة ما يميزهم عن سكان أوروبا مثلًا، فلا أحد يُخطئ في التمييز بين فرد إفريقي وآخر أوروبي؛ إذ هناك من السمات ما يكفي لتفرقة هذا عن ذاك، لكن يبدو أن للعلم رأيًا آخر، إذ كشفت دراسة نشرتها دورية "بلوس جيناتيكس" (PLOS Genetic) الخميس 19 أغسطس، عن تشارُك سكان شرق إفريقيا وأوروبا لبعض الجينات المسؤولة عن ملامح الوجه.

عكف الباحثون على حل ألغاز الوجه البشري ودور الجينات في تشكيله، واستطاعوا اكتشاف 100 موقع جيني مسؤول عن ملامح الوجه المختلفة.

يقول "سيز وينبرج" -عالِم الوراثة بجامعة بطرسبرج، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": ركزت معظم الأبحاث السابقة على دراسة عينات من الشعوب الأوروبية والآسيوية فقط، ونستطيع القول بأن دراستنا الحالية أتت بما هو مستجد في علم الوراثة؛ فقد ركز فريقنا البحثي بقيادة ليو شينزينج على سكان شرق إفريقيا لتوسيع معرفتنا بالعوامل الوراثية الكامنة وراء ملامح الوجه البشرية.

وتمكن الباحثون من تحليل 2595 صورة ثلاثية الأبعاد لوجوه أطفال من تنزانيا، لدراسة التغيرات المختلفة في الشكل التي يمكن رصدها، وذلك من خلال ضبط عدة عوامل مثل: العمر والجنس والطول والوزن وحجم الوجه والتقسيم الطبقي للسكان، كمتغيرات مستقلة تؤثر بشكل مباشر على شكل الوجه.

ومن خلال تلك التحليلات، تم فحص الجينوم الخاص بالأطفال للعثور على مواقع وراثية مرتبطة بسمات معينة ومقارنتها بجينات الأوروبيين، وهنا كانت المفاجأة، فقد حدد الباحثون 20 منطقةً على الجينوم مرتبطة بشكل الوجه، ومنها 10 مناطق موجودة أيضًا في الأوروبيين، مما يؤكد حلقات الوصل بين سكان الكرة الأرضية وتشارُك بعض الجينات في رسم ملامح الوجه في الشعوب المختلفة.

وتؤدي العديد من الجينات المكتشَفة دورًا حيويًّا في الخلايا الجنينية المسؤولة عن تكوين عظام الوجه في الأسابيع الأولى من الحمل (الأسبوع الثالث إلى السادس)، وبوجود جينات منهم مشتركة بين فصيلين مختلفين من البشر فهذا دليل على أن الأساس الجيني لشكل الوجه البشري مشترك جزئيًّا في شعوب الأرض.

يقول "جون شافير" -عالِم الأنثروبولوجي بجامعة بطرسبرج، والمؤلف المشارك في الدراسة- في البيان الصحفي: تؤكد النتائج التي توصلنا إليها أن الجينات التي من خلالها ترتسم ملامحنا المختلفة، تتشارك في الأساس مع جينات غيرنا من البشر، والاختلافات الملحوظة بيننا ما هي إلا نتاج اختلافات في عدد مرات تكرار الأليل (الأليل هو شكل من أشكال الجين) في مجموعة سكانية معينة.

يؤكد الباحثون أن هذه الدراسة تعمِّق فهمنا للتتابُع الجيني المؤثر في التبايُن الطبيعي للوجه، وتوجه نظرة ثاقبة حول الأسس الجينية التي تترتب عليها بعض التشوهات في الوجه، وقد ساعدت الدراسة من خلال مقارنة المجموعات السكانية المختلفة في الكشف عن الإشارات الجينية الخفية، مما يؤدي إلى البحث في نطاق أضيق للمتغيرات الجينية التي تؤثر وظيفيًّا بصفة أساسية على سمات الوجه.