كشفت الدراسة التي أجراها فريق من الباحثين السويديين بمعهد كارولينسكا في ستوكهولم أن احتمالات إقدام النساء المصابات بفقدان الشهية العصبي والمصابات بالنهام العصبي على ارتكاب جرائم كالسرقة وغيرها تزيد 4 مرات على احتمالات إقدام النساء اللواتي لا يعانين هذه الاضطرابات على ارتكابها.

و"فقدان الشهية العصبي" –أو "القَهَم"- هو مرض نفسي ينتج عنه اضطراب في الأكل؛ إذ يعاني المصاب به من عدم الإقبال على الطعام، كما يعاني خوفًا مرضيًّا من زيادة الوزن فيحدث انخفاض شديد في وزن الجسم. ويُعرف عن المصابين بهذا المرض أنهم يتحكمون بأوزانهم عن طريق تجويع أنفسهم طوعيًّا وممارسة الرياضة بإفراط أو غير ذلك من وسائل التحكم في الوزن مثل تعاطي الأدوية المدرة للبول. أما "الشَّرَه" أو "النهام العصبي" فهو أيضًا اضطراب في الأكل ولكنه متمثل في تناول الطعام بإفراط وعلى نحو قهري؛ إذ يستهلك المريض بالشره كميات هائلة من الطعام في فترة قصيرة جدًّا، ويفقد القدرة على التوقف عن الأكل حتى يشعر بآلام في المعدة وشعور بالغثيان والخجل والنفور من الذات أو التقزز منها".

وخضع للدراسة 957 ألفًا و106 نسوة سويديات، وُلِدن بين عامي 1979 و1998، بينهن 410 آلاف و26 من الشقيقات، وجرت الاستعانة بالسجلات الرسمية السويدية المعنية بالصحة ومواجهة الجرائم لتحديد النساء اللواتي بدأن يعانين اضطرابات الأكل بداية من سن الخامسة عشرة، وجرى تتبُّع سلوكياتهن على مدار الـ20 عامًا التالية، ورصد حالات مَن جرت إدانتهن بارتكاب جرائم خلال تلك الفترة.

ناقوس خطر

وأوضحت النتائج أن "11 ألف سيدة ممن خضعن للدراسة كن مصابات بفقدان الشهية العصبي، و5 آلاف مصابات بالشره، وأن 12% من النساء المصابات بفقدان الشهية جرت إدانتهن بالسرقة حتى سن 35، في حين أدين 7% منهن بجرائم أخرى، أما النساء المصابات بالشره فأدين 18% منهن بالسرقة، و13% بجرائم أخرى، واقتصرت الإدانات بالنسبة للنساء غير المصابات باضطرابات التغذية على 5% بالنسبة لجرائم السرقة، و6% بالنسبة للجرائم الأخرى".

ووفق ما قاله الباحثون في الدراسة التي نشرتها دورية "إنترناشونال جورنال أوف إيتينج ديس أوردر"، فإنه "يجب على الأطباء الانتباه إلى الخطر المتمثل في الميول الإجرامية لدى النساء اللواتي يعانين اضطرابات الأكل التي قد تؤدي بهن إلى الانحراف وتزيد من احتمالات إدانتهن بالسرقة؛ إذ يتسبب عزوف النساء عن الأكل أو إقبالهن بنهم على تناوله إلى تزايُد الضغوط عليهن وإصابتهن بالقلق، ما يؤدي بهن إلى الجريمة ويَعوق محاولات العلاج".

الجرائم البسيطة

وتمحورت الدراسة حول جرائم السرقة التي ارتُكبت للمرة الأولى، والتي يحددها قانون العقوبات السويدي في الفصل الثامن، وتتنوع بين السرقة البسيطة والجسيمة وسرقة المركبات والانتزاع غير القانوني للملكية وغيرها من الجرائم، وكانت "السرقة البسيطة" الأكثر شيوعًا بين النساء المصابات بفقدان الشهية العصبي أو النهام العصبي، مقارنة باللواتي لا يعانين تلك الاضطرابات.

وفيما يتعلق بشريحة النساء اللواتي وُجهت لهن اتهامات بالسرقة في عمر الخامسة والثلاثين، فقد "بلغت نسبة المصابات بفقدان الشهية العصبي 11.6% مقابل 5.04% ممن لا يعانين فقدان الشهية، فيما بلغت نسبة المصابات بالشره 17.97% مقابل 5.07 من غير المصابات به".

وبلغت نسبة ارتكاب المصابات بفقدان الشهية لجرائم أخرى غير السرقة 7.39%، مقارنةً بـ13.17% لدى المصابات بالشره، في حين تراجعت تلك النسب إلى 6.24% و6.23% بالنسبة للنساء اللواتي لا يعانين فقدان الشهية أو النهام العصبي على الترتيب.

كما كشفت الدراسة أن معدلات إقدام الشقيقات على ارتكاب جرائم السرقة وغيرها من الجرائم ارتفعت لدى مَن يعانين اضطرابات التغذية مقارنةً بشقيقاتهن اللواتي لا يعانين هذه الاضطرابات، منوهةً بأن "تأثير العوامل الوراثية المشتركة كان منخفضًا مقارنة بتأثير اضطرابات التغذية".

نقاط ضعف

ويقر القائمون على الدراسة أنفسهم بوجود بعض القيود التي شابت الدراسة وحالت دون تحقُّق الشمولية لها، ومن بينها أنها "اعتمدت على سجلات وزارة الصحة السويدية للتعرُّف على المصابات بفقدان الشهية أو النهام العصبي، ما يعني أن الدراسة لم ترصد سوى حالات النساء اللواتي بحثن عن العلاج، وبالتالي سقطت حالات أخرى، لأنها لم تكن مسجلة في سجلات وزارة الصحة. وثمة قيد آخر تَمثَّل في أن العديد من السلوكيات الإجرامية في السويد لا يجري توثيقها والإبلاغ عنها، ما يعني أن هناك أفرادًا خارجين على القانون قد لا توجه إليهم اتهامات أو تتم إدانتهم، وهو ما أثر سلبًا على إحصاء النتائج الجنائية في الدراسة".

يقول الدكتور راف كوجا -أحد الباحثين المشاركين في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة اعتمدت على سجلات وزارة الصحة السويدية لمعرفة عدد المصابات بفقدان الشهية والنهم، ولا نعرف على وجه التحديد ما إذا كانت نتائج هذه الدراسة يمكن أن تنطبق على المجتمعات الأخرى غير المجتمع السويدي أم لا".

وحول ما إذا كان من الممكن أن يكون للاضطرابات الغذائية التأثير نفسه على الرجال بحيث تجعلهم أكثر ميلًا للسرقة مثل النساء يقول كوجا: "لم نستطع في الدراسة قياس آثار الاضطرابات الغذائية على الرجال والشباب بسبب انخفاض درجات الاضطرابات الغذائية لديهم مقارنة بالنساء والفتيات، وبالتالي لا نستطيع أن نعرف هل تأثيرها على الرجال والنساء واحد أم لا".

غير مقنعة

من جهته، يقول مصطفى سويلم -أستاذ التغذية بجامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم": "إن نتائج الدراسة السويدية غير مقنعة، ولا يمكن تعميمها على مستوى العالم، ومن الصعب الربط بين اضطرابات التغذية وإصابة السيدات بمرض السرقة".

يضيف سويلم أن "سوء التغذية يعرض الإنسان لاضطرابات مرتبطة بالعاطفة على وفق الطبيعة النفسية والعاطفية لكل فرد، فهناك أشخاص عندما يغضبون يمتنعون عن تناوُل الطعام والعكس صحيح، كما أن الانفعال العاطفي يؤدي الى سوء التغذية والعكس، لكن الانفعال الذي يسببه سوء التغذية لم يصل قَط إلى حد السرقة".

وفي السياق ذاته، يشير مجدي إبراهيم حسين -أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس- إلى أن "نتائج الدراسة السويدية لا يمكن تعميمها وتطبيقها على المجتمع المصري مثلاً؛ بسبب اختلاف العادات والتقاليد والأوضاع الاجتماعية بين مصر والسويد، فالمرأة السويدية شديدة الحرص على وزنها، لدرجة أنها يمكن أن تنتحر بسبب عدم قدرتها على إنقاص وزنها، وهو أمر لا يمكن تعميمه على أي مجتمع آخر".

وبالرغم من عدم وجود إحصاء رسمي حول عدد المصابات بفقدان الشهية في مصر، يرى حسين أن "نسبتهن في مصر تقدر بنحو 2%، وتتراوح أعمارهن بين 15 و25 عامًا، وأغلبهن يعمل في مجالات الأزياء أو ممن يمارس الرياضة بشكل احترافي"، مضيفًا: "لا نستطيع ربط اضطرابات الطعام سواء بالإقبال عليه أو الامتناع عنه بإقدام السيدات على السرقة"، فيما تتراوح نسبة الإصابة بـ"النهام العصبي" في العالم العربي بين 8 و15%.