يُكرس البشر الكثير من الوقت والطاقة لمساعدة الآخرين، يتبرعون بأموالهم لضحايا الحروب، أو لإنقاذ الحيوانات، يبقون مستيقظين لمواساة أصدقائهم الذين يمرون بأيام صعبة، يتوقفون في منتصف الطريق السريع لمساعدة ضحايا الحوادث، يُعرف ما سبق بالإيثار، وهو الممارسة الأخلاقية التي تهتم بإسعاد البشر والكائنات الأخرى لرفع جودة الحياة، ويُعد الإيثار فضيلةً تقليديةً في العديد من الثقافات، وركيزةً أساسيةً في بعض الأديان وحتى في النظريات العلمانية المختلفة، لكن لماذا نفعل ذلك؟ ما الدافع؟ وما هي المؤثرات التي يُمكن أن تُسهم في ذلك السلوك؟

يقول عالِم الأخلاقيات الفرنسي "فرانسوا دو لاروشفوكو": إن الإيثار كقيمة أخلاقية مُجردة "مجرد أسطورة"؛ فالدافع لممارسة ذلك السلوك هو "الأنانية"، إذ إننا نساعد الآخرين فقط بقدر ما تفيدنا مساعدتهم، فالشخص يتوقف في الطريق لمساعدة السائق المُتعطل كي يتوقف له أحدهم ويساعده حين يتعطل، والجندي الذي يحتضن القنبلة اليدوية وينقذ رفاقه يفعل ذلك للهروب من الشعور بالذنب والعار المتوقعَين من جرَّاء سماحه للآخرين بالموت.. أو حتى من أجل المكافأة في الحياة الأخرى.

إذًا فالإيثار من وجهة نظر "لاروشفوكو" –وكثير غيره- هو مجرد فعل أناني يهدف إلى الحصول على المكافأة، لكن البعض الآخر يؤمن بأن الإيثار قيمة إنسانية مدفوعة بحب الخير المتعمق في النفس البشرية.

وسواء كان الإيثار فعلًا أنانيًّا أم ممارسة أخلاقية، ماذا سيحدث لتلك الممارسة إذا ما تغيرت الظروف وزادت الضغوط؟ هل يُمكن أن يلتزم البعض بالفعل الإيثاري؟ هل سيساعد بعض الناس بعضًا؟

الضغوط تتعارض مع سلوك الإيثار

تقول دراسة نُشرت نتائجها في دورية "جيه نيوروساي": إن ممارسة ذلك السلوك "تنخفض بشدة" حال التعرُّض للضغوط.

فقد وجد الباحثون أن زيادة هرمون التوتر "الكورتيزول" ترتبط بانخفاض السلوك الاجتماعي الإيجابي المتعلق بالعطاء الخيري، يقول الباحث في قسم علم النفس المعرفي بجامعة هامبورج الألمانية "ستيفان شولريتش"، وهو المؤلف الأول للدراسة: إن ذلك التغيير ينعكس بشكل مباشر على نشاط قشرة الفص الجبهي في الدماغ -والتي تنشط في حال ممارسة الفعل الإيثاري- بسبب حساسيتها بشكل خاص لهرمونات التوتر، "وهو أمر يؤكد أن الضغوط الاجتماعية المختلفة قد ينشأ عنها انخفاض في ممارسة الإيثار"، على حد ما يقول "شولريتش" في تصريحات خاصة لـ"للعلم".

من المعروف أن الإيثار -وهو سلوك مُكلف فيما يتعلق بالآخرين- يختلف اختلافًا كبيرًا عبر الأشخاص والسياقات، لكن أحد السياقات البارزة المشتركة بين جميع الثقافات هو احتمالية اتخاذ قرار بشأن كيفية التصرف اجتماعيًّا في أثناء الوقوع تحت الضغط.

في تلك الدراسة، حاول الباحثون الإجابة عن الكيفية التي يُمكن أن يؤثر بها الإجهاد على صنع القرار الإيثاري عبر فحص الآليات المعرفية العصبية.

عمل الباحثون على تقييم النشاط العصبي المرتبط بالعطاء الخيري تحت الضغط، أكمل المشاركون (ذكور وإناث) مهمة تبرع خيرية قبل وبعد أن خضعوا لضغوط نفسية، وقام الباحثون بتصوير أدمغتهم بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

يُعرف الإجهاد بأنه حالة تُحدث إخلالًا بتوازن الكائن الحي، في الحياة اليومية هناك العديد من المواقف العصيبة التي يتعرض لها الجميع، كالضغوط الاقتصادية من جرَّاء السياسات النقدية وغيرها، وضغوط العمل والضغوط الجسدية بسبب الجراحات والمرض، والضغوط النفسية بسبب احتكاك البشر بعضهم ببعض، أو بسبب مجموعة من الاضطرابات النفسية والعصبية.

يستجيب الجسم للتوتر بتغيُّر مستوى الهرمونات المختلفة، يتم تنشيط محور الغدة الكظرية- النخامية للبدء في إفراز هرمون الكورتيزول، وإفراز مواد تُعرف باسم الكاتيكولامينات تعمل على زيادة تدفق الدم إلى العضلات والهيكل العظمي وزيادة الجلوكوز وانخفاض حركة الأمعاء، كما تفرز النواة في منطقة ما تحت المهاد مادة "الفازويريسين"، وتتعطل -في بعض حالات الإجهاد والتوتر الحادين- الغدد التناسلية. وحين يحدث ذلك الخلل، تتأثر الوظائف الأخرى بطبيعة الحال.

للسلوكيات جذور عصبية

مثله مثل جميع السلوكيات النفسية، فللإيثار جذور عصبية، هناك فرضيتان شائعتان تُستخدمان لشرح الإيثار بين الكائنات الحية، أولاهما الإيثار المتبادل الذي تستخدمه الكائنات الحية التي تضحي من أجل الآخرين للحصول على خدمات في المقابل، وثانيتهما إيثار الأقارب، التي تزعم أن الفرد يتصرف بإيثار تجاه هؤلاء الذين يُشاركونه الجينات لضمان امتداد تلك الجينات وبقائها على مر الزمان، كلا النوعين له علاقة بخلايا الدماغ العصبية؛ فوفق دراسة نُشرت قبل نحو 15 عامًا في دورية "نيتشر: العلوم العصبية"، تنشط مجموعة من الخلايا العصبية في القشرة الصدغية الدماغية بصورة أكبر حين يمارس الشخص الفعل الإيثاري.

وبما أن الإيثار له مسلك عصبي واضح، يتأثر ذلك السلوك بالخلل الهرموني الحادث نتيجة التوتر والضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

إذ تقول الدراسة إن أنماط الاستجابة العصبية متعددة المتغيرات في قشرة الفص الجبهي الظهرية الجانبية اليُمنى تتأثر مع الزيادة المُطردة في هرمون الكورتيزول، وهو أمرٌ يُحدث تعديلًا في عملية صنع القرار الإيثاري بسبب التغيير في العمليات العصبية المعرفية، مما يؤدي بدوره إلى انخفاض الإيثار.

وتشير الأدلة الناشئة في تلك الدراسة إلى دور رئيسي للإجهاد الحاد والمعدلات العصبية المرتبطة بالإجهاد في السلوك الاجتماعي وصنع القرار؛ فهرمون الإجهاد -الكورتيزول- مرتبطٌ بسلوك إيثاري متناقص.

ويقول أستاذ علم الأعصاب في جامعة "دوك" الأمريكية "سكوت هويتل"، الذي لم يشارك في تلك الدراسة: إن الورقة الجديدة "تتفق مع كل الدلائل التي ترى أن السلوكيات الاجتماعية الإيجابية يُمكنها أن تتأثر بهرمونات الإجهاد"، لكنه يرى أن الأمر مُعقدٌ للغاية؛ فالسلوك الإيثاري ليس واحدًا على مستوى المجتمعات، ويتغير بتغيُّر الثقافات، وتؤثر عليه عوامل نفسية أخرى تتعلق بما نشأ عليه الفرد.

يتأثر السلوك الإيثاري سلبًا في المجتمعات التي تتعرض لضغوط اقتصادية واجتماعية، لكن ليس بالبساطة التي يبدو عليها.

فعلى الرغم من أن هذه إحدى النتائج المحتملة كما هو موجود في تلك الدراسة، وجدت بعض الأبحاث أيضًا النمط المعاكس، وفق ما يقول "شولريتش" في تصريحاته لـ"للعلم"، يحاول الناس في بعض الأحيان الانتماء إلى الآخرين أكثر عندما يكونون متوترين، كما يسعون للحصول على الدعم، ويقترب بعضهم من بعض ويساعد بعضهم بعضًا، "تشير بعض الدراسات إلى أنه على وجه الخصوص، يمكن زيادة مشاركة التعاطف، فمعاناة فرد آخر تحت الضغط –على سبيل المثال- يمكن أن تزيد من السلوك الاجتماعي الإيجابي تجاه هذا الفرد"، كما يقول "شولريتش".

وبالتالي، قد يكون للإجهاد آثار مختلفة على السلوك الإيثاري، اعتمادًا على نوع العملية التي تدفع المجتمع إلى الإيجابية في لحظة معينة.

ولكن، إذا ما كان للإيثار دوافع عصبية، فما المكافآت العصبية التي يحصل عليها الشخص كنتيجة مباشرة لدوافع الإيثار؟

يجيب "شولريتش" على سؤال "للعلم" بقوله: إن الدراسات أظهرت أن الأفعال الاجتماعية الإيجابية تُشرك مناطق الدماغ النشطة أيضًا عند مواجهة أنواع أخرى من المكافآت، "يبدو أن هذا يعكس "التوهج الدافئ" المعروف الذي يواجهه كثيرٌ من الناس عند مساعدة الآخرين، لكن هذا النوع من المكافآت الاجتماعية يختلف أيضًا بطرق مهمة عن المكافآت المتمحورة حول الذات؛ ففي بعض النواحي يمكن أن يعطينا المزيد، يعتاد الناس مكافآت المتعة إلى حدٍّ ما بعد أن تلقوها مرارًا وتكرارًا، المكافآت المتكررة تعزز السعادة بشكل أقل وأقل، ومع ذلك، وجدت إحدى الدراسات أن "التوهج الدافئ" بعد العطاء نما ببطء أكثر، أليس هذا رائعا؟".

بدأت تلك الدراسة قبل نحو 4 أعوام، يقول "شولريتش" إنه يهتم بشكل أساسي بفهم تأثير العواطف على القرارات الفردية ومحاولة الكشف عن تأثير الإجهاد على قدرة البشر على التعلم من الآخرين وعنهم، "نعلم الآن أن الإجهاد له آثار واضحة على السلوك الاجتماعي، لكننا نعلم أيضًا أن التأثير ليس بسيطًا ولا حتى ثابت الاتجاه؛ إذ يعتمد في الأساس على السياق والثقافة، بدأت الأبحاث في محاولات فهم هذا التعقيد ببطء لمحاولة التعرُّف على ما يفعله الإجهاد في أجسادنا وعقولنا، وحتى دوافعنا الخيرية بما فيها الإيثار".