ذكر تقرير صادر عن شركة "كلاريفيت أناليتكس" (Clarivate Analytics) -وهي شركة رائدة عالميًّا في مجال توفير المعارف والتحليلات الموثوقة لتسريع وتيرة الابتكار- أن مصر احتلت المركز الثاني في معدل نمو نشر الأبحاث العلمية عام 2018.

وأشار التقرير -المنشورة نتائجه على الموقع الإلكتروني لدورية "نيتشر"- إلى أن نمو عدد الأبحاث العلمية المنشورة في 2018 شهد أكبر نسبة في الاقتصادات الناشئة؛ إذ تصدَّرت باكستان القائمة بنسبة 21% وتلتها مصر بنسبة 15.9% ثم حلت الصين ثالثًا بنسبة 15% وشهدت دول الهند والبرازيل والمكسيك وإيران نموًّا في إنتاجها بأكثر من 8% مقارنةً بعام 2017.

وارتفع الناتج البحثي العالمي بنسبة 5% في عام 2018 بعدد أبحاث يُقدر بـ1.620.731 ورقة مُدرجة في قاعدة بيانات شركة "كلاريفيت أناليتكس"، وهو أعلى رقم على الإطلاق في التاريخ.

وحسبما نقل موقع "نيتشر" عن محللة سياسات العلوم والتكنولوجيا بجامعة ولاية أوهايو "كارولين ويجنر"، فإن تلك الأرقام تؤكد "النجاح الهائل في مجال العلوم؛ بسبب تنوُّع اللاعبين في مجالات النشر الدولي".

ففي عام 1980، نشرت 5 بلدان فقط -هي الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان- 90% من إجمالي عدد المنشورات العلمية، إلا أن هناك 20 دولة الآن تنشر النسبة نفسها، وهو ما يعني وجود تنوُّع بين الدول في مجال النشر العلمي.

اعتمد التحليل الصادر عن شركة "كلاريفيت أناليتكس" على تقديرات وتوقعات ومراجعات للأوراق العلمية المنشورة في 40 دولة في الفترة ما بين يناير وأغسطس من عام 2018.

من جهته، يقول "روبرت تيجسن"، رئيس قسم العلوم والابتكار في جامعة ليدن الهولندية: "إن المرتبة المتقدمة التي احتلتها مصر في معدل نمو نشر الأبحاث العلمية ليس لها سبب واضح بعد"، مشيرًا في التقرير المنشور لدى "نيتشر" إلى أن "أحد الأسباب قد يكمن في أن مصر وباكستان بدأتا من قاعدة منخفضة في النشر الدولي، بالقرب من أسفل قائمة البلدان الأربعين في العدد الإجمالي للأوراق العلمية المنشورة".

وقد تعكس الأرقام أيضًا التغيرات التي طرأت على كيفية تنظيم قواعد البيانات، والتي أخذت بعين الاعتبار مزيدًا من المجلات المحلية.

لكن "تيجسن" يقول إن بعض المناطق الجغرافية -ولا سيما في أفريقيا- لا تزال غيرَ ممثَّلةٍ تمثيلًا كافيًا في تلك القواعد، مشيرًا إلى أن "الزيادة في التمويل والتعاون الدولي ربما يكونان قد عزَّزا ارتفاع عدد المنشورات العلمية في مصر وباكستان".

اليونسكو

في عام 2015، أصدرت اليونسكو تقريرًا مفصلًا عن حالة العلوم، جاء فيه أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يقود دول العالم في عدد الأبحاث المنشورة بمساهمة تبلغ 34% من إجمالي عدد المنشورات، تليه الولايات المتحدة الأمريكية التي تستحوذ وحدها على 25% من إجمالي عدد الأوراق المنشورة، إلا أن التقرير يعود ويؤكد أن بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية شهدت تراجُعًا في السنوات الماضية، في حين واصلت الصين صعودها الهائل بعد أن تضاعف النشر العلمي خلال الأعوام من 2010 إلى 2015، لتستحوذ الصين على ما نسبته 5% من النشر العالمي.

ويقول تقرير اليونسكو إن ذلك النمو السريع مؤشر للوصول إلى "حالة النضج من حيث قوة الأبحاث والاستثمار في عدد الباحثين والاختلافات في التخصصات"، ويُشير التقرير نفسه إلى أن كثافة البحث والتطوير لا تزال منخفضةً في الدول العربية وبخاصة في الاقتصاديات النفطية؛ إذ إن نسبة الإنفاق الإجمالي على البحث العلمي لا تزال قليلة، غير أنه يقول إن أحداث الربيع العربي حركت المياه الراكدة في مصر، فقد ارتفعت الميزانية المُخصصة للبحث العلمي من 0.43% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2009 إلى 0.68% من إجمالي الناتج المحلي عام 2013، بعد أن "اختارت الحكومة المصرية أن تشارك مصر في مسيرة التحول إلى اقتصاد المعرفة؛ بغرض تنويع مصادر الدخل".

من جهته، يقول الدكتور محمد صبري يوسف، أستاذ الفيزياء الحيوية في جامعة جنوب إلينوي الأمريكية، والذي يعمل أيضًا في مجال تحليل البيانات: إن نسبة نمو عدد الأبحاث المنشورة في مصر "خبر مُفرح بكل تأكيد"، مضيفًا في تصريحات لـ"للعلم" أن "التقرير الصادر عن شركة "كلاريفيت أناليتكس" يعكس أمرًا مهمًّا، وهو أن هناك عددًا أكبر من الباحثين يهتمون بالنشر العلمي في مصر".

غير أنه يعود ويؤكد أن نمو نسبة الأبحاث المنشورة "لا يُمكن أن يكون مقياسًا لجودة البحث"، مضيفًا: "أتمنى أن أرى انعكاسًا لتلك الأرقام على معامل الاستدلال؛ إذ إن عدد مرات الاستدلال يُعطي مؤشرًا أوضح على تأثير تلك الأبحاث".

المرصد المصري

غير أن النسبة الواردة في تقرير "كلاريفيت أناليتكس" تتناقض مع النسبة التي كشف عنها "المرصد المصري للعلوم والتكنولوجيا والابتكار" التابع لأكاديمية البحث العلمي المصرية، والذي يقول في بيان حصلت لـ"للعلم" على نسخة منه إن عام 2018 شهد نشر 20 ألف بحث دولي للباحثين المصريين، بزيادة قدرها 7% فقط عن عام 2017 الذي شهد نشر 18722 بحثًا دوليًّا.

ويوضح البيان أن نسبة الأبحاث المنشورة في العلوم بلغت 44.6% من إجمالي الأبحاث، يليها 25% لأبحاث العلوم الطبية و20.9% للعلوم الهندسية و6.2% للعلوم الزراعية، أما نسبة أبحاث العلوم الاجتماعية والإنسانية فقد وصلت إلى 33.3%.

وكان عام 2017 قد شهد انخفاضًا في عدد الأبحاث العلمية المنشورة في مصر مقارنةً بعام 2016؛ إذ نشر الباحثون المصريون في عام 2016 حوالي 18876 بحثًا دوليًّا، مُقارنةً بـ18722 بحثًا دوليًّا خلال عام 2017 حسبما ذكرت قاعدة بيانات "سكوبس" SCOPUS الشهيرة.

مؤشرات دولية

ووفق مؤشر SJR، فقد احتلت مصر المرتبة 35 في عدد الأبحاث العلمية المنشورة عام 2017، تسبق مصرَ دولٌ في المنطقة العربية، كالمملكة العربية السعودية التي تحتل المرتبة الـ32، كما تسبقها "إسرائيل" التي تحتل المرتبة 33، في حين تحتل دولة جنوب أفريقيا المرتبة الثلاثين. وتتربع على عرش الدول المنتجة للأبحاث العلمية الولايات المتحدة الأمريكية، تليها الصين، ثم المملكة المتحدة وألمانيا، ثم الهند واليابان وفرنسا وإيطاليا، كما يقدم ذلك المؤشر أيضًا متوسط عدد الاستدلالات لكل ورقة علمية منشورة.

ويُعرف الاستدلال بعدد الاقتباسات أو التنويهات للورقة العلمية المنشورة، ويقدم الاستدلال دليلًا مباشرًا على جودة البحث أو أهمية موضوعه، وخلال عام 2017، نشرت مصر 18722 ورقة بحثية بعدد استدلالات بلغت 41565، بنسبة تزيد على 2.2 استدلال لكل ورقة، وهي نسبة أقل من الاستدلال للأبحاث المنشورة في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي بلغ عددها في العام نفسه 640251 ورقة بحثية بنسبة استدلال وصلت إلى 3.2 لكل ورقة بحثية واحدة.

يقول الدكتور "ماهر القاضي" -الباحث بجامعة "كاليفورنيا لوس أنجلوس"- في تصريحات لـ"للعلم": "إن نسبة الزيادة المئوية في عدد الأبحاث كبيرة، لكن عدد الأبحاث العلمية المنشورة في مصر لا يزال قليلًا مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية والصين. إذ لا تزال مصر في ذيل قائمة الأربعين دولة التي يتحدث عنها التقرير".

ويضيف "القاضي" أن "التقرير مُبشر، إلا أن زيادة عدد الأبحاث لا تعني زيادة التمويل أو مشروعات التعاون الدولي كما يقول التقرير المنشور في "نيتشر"، لكنه يرجع إلى الشروط الجديدة التي أقرها المجلس الأعلى للجامعات، والتي تشترط لترقية الباحثين والحصول على درجات الماجستير والدكتوراة النشرَ في مجلات دولية"، مؤكدًا أن "تلك الزيادة تعود في الأساس إلى ذلك الشرط؛ فعلى الباحث الذي يريد الترقي أن ينشر في دورية علمية دولية، وهو الأمر الذي أسهَمَ في زيادة عدد الأبحاث في مصر".