طوّر علماء من جامعة البحوث النووية الوطنية في روسيا تكنولوجيا هجينة تجمع بين استخدام مصادر الطاقة داخل المحطة النووية من جهة ووحدة معالجة أولية تستكشف درجة الملوثات بالمياه ونسب ملوحتها، من خلال التركيز على تعدد مراحل المعالجة لإنتاج مياه نظيفة بجودة وكمية عاليتين.

ويُنتظر أن تُستخدم نتائج الدراسة في مشاريع كبرى لشركة "روس آتوم" الروسية في المحطة النووية المزمع إنشاؤها في مصر لتوليد 1200 ميجاوات لكل مفاعل من مفاعلاتها الثمانية، وإزالة ملوحة 170 ألف متر مكعب من مياه البحر المتوسط يوميًّا لسد احتياجاتها من مياه الشرب.

وتشير الدراسة، التي أعدها الباحث آي.إم كورتشاتوف، إلى أن الطريقة الجديدة تعتمد على استخدام الكواشف الكيميائية، إلى جانب التنشيط الهيدروديناميكي في سحب الملوثات من خلال عمليات التخثر والامتصاص، ما سيؤدي إلى إزالة غالبية الأملاح المذابة خلال عملية المعالجة الأولية.

وخلصت النتائج إلى أن التقنية ستُخرج مياهًا عذبة بجودة عالية وتقلص حجم نظام إزالة الملوحة ككل وتكلفته.

ويقول باحثون إن إعذاب مياه البحر ومعالجتها الحل الأمثل للمنطقة العربية، بسبب ما تعانيه من درجات جفاف وتقلبات مناخية ومعدلات كبيرة في الزيادة السكانية ونسب التلوث.

  وتُظهر بيانات للبنك الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بها 6% من سكان العالم وأقل من 2% من الموارد المائية المتجددة به، ما يجعلها المنطقة الأكثر جفافًا على سطح الأرض.

جودة عالية

إبراهيم العسيري -كبير المفتشين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقًا، ومستشار هيئة المحطات النووية المصرية السابق- يقول لمجلة "للعلم": "تصميمات مفاعل الضبعة حتى الآن مُعَدة لتوليد الكهرباء فقط، لكنه مجهز لإدخال تكنولوجيا إعذاب المياه في مرحلة لاحقة لإنتاج مياه نظيفة بجودة وكميات عاليتين".

 ومن الخصائص المميزة للمفاعل -كما يقول الخبير الدولي- تشغيل المحركات "التوربينات" بتقنية الجيل الثالث المعتمدة على تحويل مياه البحر إلى بخار، وهو ما يمكن الاستفادة منه عبر نظام الأغشية النووية لمعالجته، بدلًا من إلقاء المياه بعد تحولها من حالتها الغازية في البحر مرة أخرى.

 وقال إن التكنولوجيا الجديدة تسهم بدرجة كبيرة في تجنب الآثار البيئية التي تخلفها الطرق التقليدية.

وتشهد دراسات إعذاب المياه في العالم سباقًا محمومًا؛ نظرًا لأزمة المياه النظيفة التي تجتاح العالم، وفي مقدمته المنطقة العربية، خلال العقدين المقبلين، إذ يعاني نحو 14% من سكان العالم نقصًا في المياه النظيفة. وخلصت دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن المواطن العربي العادي لديه قدرة على الحصول على المياه المتجددة ثماني مرات أقل من غيره من المواطنين في العالم.

 وتعتمد غالبية الطرق الحديثة في إزالة ملوحة مياه البحر على ثلاث طرق رئيسية، هي التقطير والتناضح العكسي والبلورة.

ويعتمد التقطير غير المضغوط على رفع درجة حرارة المياه إلى درجة الغليان لتكوين بخار ماء ومن ثم تكثيفه، بينما يعتمد التناضح العكسي على فصل الماء عن الأملاح من خلال أغشية شبه مسامية تسمح بمرور الماء وتحتجز أيونات الأملاح، في حين تُجرى البلورة عبر تبريد الماء تحت درجات منخفضة لتصبح على شكل بلورات متجمدة ومن ثم تقطيرها.

"تدمير للمياه الجوفية"

ويوضح الخبير الدولي في شؤون البيئة، الدكتور مجدي علام، لـ"للعلم"، أن التكنولوجيا الجديدة تعتمد على اكتشاف نسب الأملاح والمعادن في المياه قبل تنقيتها ومعالجتها.

وترتكز التقنية على تعدد أنظمة المعالجة لإنتاج مياه بأفضل جودة ممكنة، كما يقول علام، لذلك فهي ملائمة بدرجة كبيرة لمياه البحر المتوسط دون غيره؛ نظرًا لدرجة ملوحته المنخفضة مقارنة بغيره كالبحر الأحمر، لكنه لا يعتقد أنها ستذلل عقبة بقايا المياه الناتجة عن عملية الإعذاب وضررها للبيئة.

 وأضاف: "كما في جميع طرق التنقية تمثل بقايا المياه المعالجة وطرق صرفها المشكلة الرئيسية لدول العالم. فبعض الدول تقوم بإنشاء برك خاصة (ملّاحات) لهذه البقايا لاستخراج الملح، أو تركها لتصرف تلقائيًّا إلى المياه الجوفية، وهو ما يدمر هذا المصدر المهم من المياه".

فاتورة إعذاب المياه

لكن تظل فاتورة إعذاب مياه البحر باهظة على الكائنات الدقيقة والنباتات البحرية، التي تؤثر بدورها في كامل السلسلة الغذائية للمنطقة، لا سيما في ظل "تجاهل" الأصوات الحقوقية المعنية بحماية البيئة كما هو الوضع في مصر، وفق محمد ناجي، مدير مركز حابي للحقوق البيئية.

 ودعا ناجي السلطات إلى إجراء دراسات تقيِّم الأثر البيئي لمثل هذه التكنولوجيا، وعقد جلسات نقاش مع المعنيين بمثل هذه المشاريع الخطيرة بعيدًا عن "الجلسات الديكورية" مع المواطنين.

وحذّر من أن الأثر البيئي في حالة حدوث كارثة لن تقتصر تداعياتها على أهل الضبعة فقط، بل ستمتد إلى محافظات بكاملها.

وأضاف: "للأسف، الجلسة الوحيدة التي عُقدت مع أهالي الضبعة كانت جلسة ديكورية من نوع بالروح بالدم نفديك يا...".

وتحذر منظمات دولية من اختلال السلسلة الغذائية لمناطق صرف مخلفات إعذاب مياه البحر، وتدمير الكائنات الدقيقة بها، على رأسها الشعب المرجانية.