لا يشعر أمير -من القاهرة- بالندم على مشواره المهني في الطب سوى لأمرين: أحدهما أنه يتمنى لو كان قد بدأ في وقت أبكر التحضير للحصول على الشهادات والتدريب المطلوبَين من الأطباء المصريين لممارسة الطب في المملكة العربية السعودية أو المملكة المتحدة. والآن في محاولة لتعويض ما فات، يُقسِّم الطبيب البالغ من العمر 31 عامًا وقته بين ممارسة المهنة في أحد المستشفيات الحكومية بمحافظة الجيزة، حيث يتقاضى حوالي 140 دولارًا أمريكيًّا شهريًّا، وتدريب في مستشفى جامعي بالدلتا، يكلفه حوالي 170 دولارًا شهريًّا.

"ما لم تكن قد ورثت ممارسة مهنة الطب عن والدك، فالانتقال إلى الخارج -خاصةً إلى دول الخليج العربي- أمرٌ بدهيّ لا يحتاج إلى تفكير"، كما يقول أمير، وهو ليس اسمه الحقيقي. فمثله كمثل الطبيب الآخر الذي أُجريت معه مقابلة من أجل كتابة هذا المقال، طلب أمير عدم ذكر اسمه حتى يتمكن من الحديث بحُرية عن مسألة تعتبرها الحكومة المصرية حساسة1. وبالفعل، فإن الكثير من زملاء أمير من خريجي دفعة 2013 أطباء يزاولون المهنة في دول الخليج العربي وأوروبا، وفق ما يقول.

وعلى الرغم من أنه كان ملحوظًا توجُّه الأطباء المصريين نحو السفر إلى الخارج بأعداد كبيرة2، فإنه نادرًا ما لقي هذا الاتجاه اهتمامًا وطنيًّا، حتى مجيء فيروس كورونا.

كشف فيروس كوفيد-19 بجلاء عن إحدى نقاط الضعف المفاجئة في مصر، فالدولة التي تتفوق على جميع الدول الأخرى بالمنطقة العربية من حيث عدد السكان، وهي من الدول التي تحظى بأكبر عدد من كليات الطب بالمنطقة3، تعاني واحدةً من أدنى نِسَب الأطباء إلى عدد السكان في المنطقة.

كشفت أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية4 عن أنه كان لدى مصر 445,000 طبيب يعملون داخل البلد في عام 2018، وهو ما يعادل حوالي 5 أطباء لكل 10,000 مواطن. وهذه نسبة منخفضة وفق المقاييس الإقليمية، بالمقارنة مع نسبة 26 طبيبًا لكل 10,000 شخص في السعودية، و23 في الأردن، و7 في العراق والمغرب، و17 في تركيا، على سبيل المثال.

تعاني مصر واحدةً من أدنى نِسَب الأطباء إلى عدد السكان في المنطقة.

وثمة اتجاهٌ آخر مثيرٌ للقلق بالقدر نفسه بشأن البيانات الخاصة بمصر لعام 2018؛ فبعد أن شهدت النسب ارتفاعًا ما بين 2003 و2014 بلغ ذروته عند 11 طبيبًا لكل 10,000 شخص، انخفض المتوسط مرةً أخرى إلى حوالي 8 أطباء على مدار السنوات الثلاث التالية ليشهد مزيدًا من الانخفاض مجددًا في 2018. ومن منظور إقليمي، مثّلت مصر حالة شاذة؛ ففي كل الدول السابق ذكرها أعلاه، ثبتت النسب أو تحسَّنت في الغالب على مدار المدة نفسها.

وتكمن المفارقة في أن بعض تلك البلدان الأخرى، كالسعودية، تحقق نِسَبها بجذب الأطباء المصريين إليها.

قد يبدو السبب واضحًا -كما يشرح أمير- قائلًا: "فما تجنيه من العمل في السعودية لمدة عام واحد يكافئ تقريبًا ما يمكنك الحصول عليه على مدار ثلاثين عامًا في مصر".

ولكن الأمر لا يتعلق بالأجر اللائق فقط، فوفق المرتبات التي يحصل عليها الأطباء الشبان في مصر حاليًّا، يجب على الكثير منهم التردد ذهابًا وإيابًا في غضون يوم واحد على عيادتين أو ثلاث عيادات لكسب العيش. وهذا يعني تراجُع العناية التي يحصل عليها كل مريض، وإنهاك الطبيب، وقلة الوقت -إن توافر من الأساس- الذي يمكنه تخصيصه للدراسات العليا والتطوير الوظيفي.

يقول شريف، أستاذ مساعد مصري في طب الأسنان، يمارس المهنة حاليًّا في أحد المستشفيات بالسعودية: "لم أستوعب سوى مؤخرًا ماذا تعني إجازة نهاية الأسبوع". فمع إمكانية العمل لمدة ثماني ساعات يوميًّا -وهي رفاهية لم تُتح له في القاهرة قَط- يستطيع الآن أن يكتسب مهارات جديدة في التصميم الرقمي والطباعة ثلاثية الأبعاد في مجاله الذي يشهد تغيرات سريعة.

ليست دول الخليج وحدها التي تجذب الأطباء المصريين، فعلى مدار الأعوام العديدة الماضية، تسعى الدول الأوروبية إلى توظيف أطباء أجانب6،7 على إثر تضاؤل أعداد الأطباء لديها5.

قد تفسر تلك الاتجاهات جزئيًّا الانخفاض في نسبة الأطباء لكل فرد في مصر بعد عام 2014. كما تلقي الضوء أيضًا على نقطة أكثر عمقًا؛ فسوق ممارسي مهنة الطب هي سوق عالمية، والأطباء في كل مكان -وضمنهم الأطباء المصريون- يدرسون "الخيار السعودي" في مقابل الخيارين البريطاني والسويدي عند تفكيرهم في مستقبلهم المهني.

ونتيجةً لذلك، فعلى الرغم من أن حوالي 7,000 طبيب جديد يتخرج سنويًّا في مصر8، إلا أنه لا يوجد سوى 213,000 طبيب مسجلين كممارسين للمهنة، وذلك وفق دراسة أعدتها وزارة الصحة المصرية ويُستشهد بها على نطاق واسع9. وتذكر الدراسة أنه من بين الأطباء المسجلين، فنسبة الذين يمارسون المهنة بالفعل داخل البلد لا تتعدى الخُمسَين، أي 82,000 طبيب. ولكن حتى تلك الأرقام المتدنية لا تنقل الصورة كاملةً؛ فالقاهرة تستأثر بنصيب الأسد من أطباء مصر، مما يتسبب في حرمان المحافظات الأخرى، ولا سيما تلك الأبعد عن العاصمة10.

بناءً على ما تقدم، كان مُقدّرًا أن تكون الجائحة بالغة الصعوبة على مثل تلك المنظومة الصحية الهشّة، بيد أن آثارها ازدادت سوءًا على الأطباء؛ بسبب الإجراءات الحكومية، والبيانات الصادرة عن المسؤولين، والنقص في معدات الحماية الشخصية (PPE) للأطباء الذين يتعاملون مع المرضى مباشرةً.

ومع الزيادة في أعداد الوفيات بسبب فيروس كورونا بين الأطباء، والتي تجاوزت 90 حالة وفاة اعتبارًا من 26 يونيو11، تأزمت العلاقات بين النقابة العامة لأطباء مصر والحكومة. فقد ألمح رئيس الوزراء في بيان له إلى إلقاء اللوم على عاتق الأطباء الذين يتغيبون عن نوبات عملهم بخصوص الوفيات المتزايدة في مصر من جَرَّاء فيروس كورونا، التي وصلت إلى حوالي 90 وفاة خلال الأسبوع الأخير من شهر يونيو، وفق الأرقام الرسمية. وقد دانت النقابة التصريحات، محذرةً من أنها قد تحرض على العنف بحق الأطباء12.

أثارت التصريحات مناقشاتٍ واسعة النطاق عبر المنافذ الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي حول جذور الأسقام طويلة الأمد التي تعاني منها المنظومة الصحية. كان أحد هذه الجذور فشل الحكومة في الامتثال للنص الدستوري الذي يُلزم بأن يخصص لنظام الرعاية الصحية 3% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي للدولة (GDP)، على أن ترتفع تلك النسبة تدريجيًّا لكي تضاهي المتوسطات العالمية. وفي ميزانية عام 2020-2021 التي اعتُمدت في شهر أبريل، شملت نسبة 3.65% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد الإنفاق على الصحة، والتعليم قبل الجامعي والتعليم العالي، والبحث العلمي، بدلًا من نسبة 10% المنصوص عليها في الدستور13.

"السلامة مشكلة مستديمة يعاني منها الأطباء"

رفض عمرو الشوبكي -السياسي واختصاصي العلوم السياسية- في منشور له على فيسبوك14 التصريح «الصادم» من رئيس الوزراء، مشيرًا إلى "أن السبب الحقيقي [لمعدل الوفيات المتصاعد] هو الطاقة المحدودة للمنظومة الصحية، والتي تعود إلى عجز الدولة عن توفير الحد الأدنى من الموارد اللازمة لهذه المنظومة بموجب الدستور".

إحدى المشكلات المستديمة الأخرى هي مشكلة سلامة الأطباء. لم يكن التساهل مع العنف بحق الأطباء داخل غرف الطوارئ في مصر حدثًا فرديًّا، وظل الأطباء سنوات طويلة يطالبون بإصدار علاج تشريعي للموقف15. ازدادت قضية العنف سوءًا مع فيروس كورونا، وكذلك أضحت أكثر وضوحًا. وفي الوقت الحالي تلقى الدعوات لإصدار تشريع بعقوبة أشد على ممارسة العنف بحق الطواقم الطبية اهتمامًا ودعمًا أوسع نطاقًا.

وفي هذا الصدد أيضًا، تتخلف مصر عن الدول العربية الأخرى. ففي شهر مايو، أقرّ السودان تشريعًا يشدد العقوبات على العنف بحق الطواقم الطبية16. وفي السعودية، يمكن أن تؤدي التجاوزات بحق العاملين بالقطاع الطبي إلى قضاء عشر سنوات في السجن وغرامات بقيمة مليون ريال سعودي (274,000 دولار أمريكي)17.

يرى شريف -الأستاذ المساعد بالسعودية- أن التأخُّر في سَنِّ قوانين مماثلة في مصر أمرٌ غير مفهوم. فهو يضيف إلى الإحساس العام السائد بين الأطباء "المثقلين في العادة بالعمل دون أن يتقاضوا أجرًا مكافئًا، بأنهم لا يحظون بالتقدير المستحق من المجتمع، إلى الحد الذي تكون عنده ممارسة العنف بحقهم أمرًا مشروعًا"، حسبما يقول.

ومن المدهش أنه في ضوء حالة السخط التي تعم أوساط الأطباء بشأن الوضع الذي تعانيه مهنتهم، يستمر الشباب المصري في السعي إلى امتهان مهنة الطب. يشعر أمير -الطبيب الشاب من القاهرة- في بعض الأحيان بالندم على الالتحاق بكلية الطب. فيقول: "نصحت أبناء عمومتي الأحدث سنًّا بألا يكرروا الخطأ الذي ارتكبته"، لكن تحذيراته لم تلق منهم آذانًا صاغية. "لقد استجابوا لنصيحتي كما فعلت عندما تلقيت نصيحة مماثلة: لم يصغوا لها"، وهذا سبب يدعو للأمل.

  1. Rothwell, James (2020. June 8). Egyptian doctors accused of treason after criticising government's coronavirus response. The Telegraph.   
  2. Abd El-Galil, Tarek (2019. July 19). Egypt’s Doctors are Fleeing, Leaving Behind a Physician Shortage. Al-Fanar Media.  
  3. The World Directory of Medical Schools Last updated 2016, June 1.
  4. WHO (2020, June 3). Global Health Observatory Data Repository – Medical Doctors.  
  5. Jovetic, Andjela (2019. January 27). German Health Minister Says Rules Needed to Stop Doctors from Emigrating. European Views.  
  6. Torry, Harriet (2015. July 20). Germany Seeks Foreign Cure for Its Doctor Shortage. The Wall Street Journal.   
  7. Campbell, Dennis (2017, October 10). Make It Easier for Foreign Doctors to Work in Britain, Minister Told. The Guardian.  
  8. Abdel Galil, Tarek (2018. September 20). Egypt prescribes changes for doctors in training. Al Fanar Media. Retrieved from 
  9. Al Arabi Al Jadeed (2020. May 25). Doctors Resigning Amid Pandemic Threatens Health System, Prompting Efforts to Assuage Them (Arabic).  
  10. Al Ahram (2013. February 13). The Medical Syndicate: Only 44% of Registered Doctors Registered Practice in Egypt, and Remote Governorates “hit hardest” by shortages (Arabic).  
  11. The Egyptian Medical Syndicate Website (2020. June 26). Doctors Lose More Than 90 Martyrs.  
  12. Badr, Atef (2020. June 24). The Medical Syndicate to Prime Minister: Doctors’ Conduct Exemplary and Selfless Despite the Huge Strain. Al Masry Al Youm (Arabic).  
  13. Al Arabi Al Jadeed (2020. April 21). Egypt’s Budget Flouts the Constitution Again on Health and Education Spending (Arabic).  
  14. El Shobaki, Amr (2020. June 23). On the Prime Minister’s Shocking and Regrettable Remarks (Arabic). Facebook post.  
  15. El Hadary, Hadeer (2016. March 16). The Medical Syndicate Finalizes Draft of Law Criminalizing Violence Against Doctors (Arabic). Shorouk News.  
  16. Abdel Rahman, Kamal (2020. May 31). A Legislation Passed in Sudan to Deter Violence Against Doctors. (Arabic).  Sky News Arabia.  
  17. Saudi Arabia Ministry of Health (2017. August 19). Verbal or Physical Assault on Medical Practitioners is a Crime (Arabic). Twitter post. 

* كاتب المقال: كاتب حر* يكتب لدورية «نيتشر ميدل إيست» و هو صحفي علمي يتمتع بخمسة عشر عامًا من الخبرة في الكتابة في الشؤون العلمية بالعالم العربي. قرر المحرر عدم الكشف عن اسم الكاتب بسبب الوضع الأمني الحالي في مصر وحساسية الموضوع.