في 16 ديسمبر عام 1974، وُلد الصحفي الأمريكي جاستن هول بمدينة شيكاغو الأمريكية، وفي عام 1981، مع بلوغه السابعة من عمره، أهدته والدته أول جهاز كمبيوتر في حياته، فبدأ ولعه بتلك الأجهزة.

في سن العشرين، دخل "هول" التاريخ بعدما أصبح أحد رواد "التدوين"، وذهب البعض إلى حد وصفه بـ"الأب الروحي للمدونات الشخصية"، وظهرت أولى تدويناته على موقع Links.net في عام 1994.

بعدها انتشر التدوين على الإنترنت بسرعة كبيرة، وظهر موقع (Xanga) للتدوين على الإنترنت في عام ١٩٩٦، إذ ارتفع عدد تدوينات الموقع من مئة تدوينة عند إطلاقه إلى 20 مليون تدوينة في عام 2005.

وفي سنة ٢٠٠٤، اقتحمت كلمة (Blog) مفردات اللغة الإنجليزية، وأصبحـت المدونات ظاهرةً عامةً بانضمام العديد من مستخدمي الإنترنت، ما بين كتابة المدونات وقراءتها.

وأصبح عام ٢٠٠٥ عام المدونات، حينما خصصت صحيفة الجارديان البريطانية الصفحـة الثانية منها لنشـر يوميات عن المدونات، وفي عام ٢٠٠٦، أنشأت هيئة الإذاعة البريطانية مدونات لمحرريها.

ومع الإعلان عن جائحة "كوفيد-19" نهاية عام 2019، وجد العالم نفسه أمام طوفان من الأخبار التي تنوعت بين أخبار "مضللة" وأخرى "زائفة"؛ إذ وفرت الجائحة بيئةً خصبةً لنشر قصص إخبارية حملت العديد من الشائعات والمعلومات المغلوطة حول فيروس "سارس-كوف-2"، ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى وصف ما يحدث بـ"وباء المعلومات".

وما بين "وباء كوفيد-19" و"وباء المعلومات"، وجد المدونون المهتمون بالمجالات العلمية أنفسهم أمام مهمة علمية أخلاقية إنسانية، بعدما تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى سلاح ذي حدين؛ فكما سارعت تلك الشبكات بنقل المعلومات من مصادرها الموثوقة، فقد نقلت في الوقت نفسه كثيرًا من الشائعات والمعلومات غير الموثقة، بصورة دفعت مسؤولي منظمة الصحة العالمية إلى مطالبة الجميع "متخصصين وجماهير" بتحري المعلومات من مصادرها الموثوقة، سواء من وزارات الصحة في البلدان المختلفة أو من مواقع منظمة الصحة العالمية.

وبطبيعة الحال، لم تكن البلدان العربية بعيدةً عن انتشار الأخبار "المضللة" و"المزيفة" التي انتشرت حول "كوفيد-19".

ودفع هذا الانتشار عددًا من المدونين العرب "المؤثرين" لتطويع منصاتهم ومدوناتهم على وسائل التواصل الاجتماعي لخوض معارك "تنويرية" لمواجهة "وباء المعلومات".

من هؤلاء الدكتور إسلام حسين -عالِم الفيروسات الجزيئية الحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، وكبير العلماء في شركة "مايكروبيتكس"- الذي خاض معركةً ضاريةً منذ اللحظة الأولى للإعلان عن الجائحة.

الدكتور إسلام حسين

يقول "حسين" في تصريحات لـ"للعلم": أخوض معركة محاربة الشائعات بالفعل منذ سبع سنوات، إذ أنشأت قناة VirolVlog على منصة يوتيوب، وبدأت من خلالها بث فيديوهات قصيرة لزيادة وعي المتلقي العربي بالفيروسات والأمراض التي تسببها، ومع بداية جائحة الكورونا -وما صاحبها من فيضان معلومات مضللة- كان من الطبيعي أن أستمر فيما بدأت، بل وأحاول تكثيف مجهوداتي لكي تتناسب مع حجم الجائحة المعلوماتية وحاجة الناس إلى معلومات صحيحة وسهلة الفهم، ولذلك اتجهت أيضًا إلى المحتوى الصوتي، وبدأت تقديم بودكاست VirolCast عن الفيروسات باللغة العربية.

معركة الوعي

يشير "حسين" إلى أن أهم التحديات التي واجهته في معركته ضد انتشار المعلومات المغلوطة حول الجائحة تتمثل في ضيق الوقت وضعف الإمكانيات، مضيفًا: "أقوم بكل ذلك من خلال استوديو متواضع أنشأته في قبو منزلي، وبمساعدة ابني أدهم البالغ من العمر ١٧ عامًا، وعلى الرغم من ولعي الشديد بهذه الهواية، إلا أنها تظل هواية ولا أتكسب من خلالها ما يكفي حتى لتغطية ما أنفقه عليها".

                         يقوم "حسين" بنشاطه التدويني بمساعدة ابنه أدهم

يعمل "حسين" باحثًا رئيسيًّا في شركة "مايكروبيتكس"، المختصة باكتشاف الأدوية المضادة للميكروبات وتطويرها، ويحاول اقتطاع بعض الوقت من عطلته الأسبوعية لاستثماره في إنتاج المحتوى العلمي، وفي ظل الإمكانيات المتواضعة، وعدم توافر دعم مالي يساعده على الاستعانة بخبرات متخصصين في مجال إنتاج المحتوى المرئي، يظل عدد الفيديوهات التي يستطيع إنتاجها بمفرده محدودًا.

يضيف "حسين": أرى أن مَن يشارك في نشر معلومات مغلوطة ليس شخصية علمية، لأنه ببساطة تخلى عن ميثاق الشرف الذي يحكم هذه المهنة، وأتجاهل التعامل مع هذه الشخصيات حتى لا أسهم في زيادة شهرتهم، وأن أوفر البديل من خلال تقديم محتوى صحيح وسهل الفهم، وأحاول قدر الإمكان تجنُّب مواجهة مثل هذه الشخصيات بشكل مباشر، لأن هذه المواجهات غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية، ولكن في أحيان نادرة حينما تتوافر فرصة مناسبة، أحاول زعزعة ثقة الناس بهذه الشخصيات من خلال الكشف عن ضحالة فكرهم وخبرتهم بمجال تخصصي.

5 محاور

يعتمد "حسين" في معركته التي يمكن أن نطلق عليها "استعادة الوعي" على 5 محاور أساسية لإقناع الآخرين بوجهة النظر الصحيحة تجاه ما يُنشر من معلومات مغلوطة حول الجائحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن هذه المحاور الخمسة يمكن أن تقصر المسافة بينه وبين المتلقي.

يعمل "حسين" باحثًا رئيسيًّا في شركة "مايكروبيتكس"، المختصة باكتشاف الأدوية المضادة للميكروبات وتطويرها

ويتابع: يجب تناول الموضوعات المرتبطة بالشخصيات المثيرة للجدل، والتي غالبًا ما تسلط عليها وسائل الإعلام الأضواء الساطعة، من زاوية علمية مختلفة وبطريقة هادئة، وفي أغلب الأحيان يحظى مثل هذا المحتوى باهتمام الكثيرين بسبب تمهيد القنوات الإعلامية التي تصل إلى الملايين، ويتمثل المحور الثاني في تناول الموضوعات التي تثير العاطفة باعتبارها إحدى أهم وسائل الإقناع؛ فعندما يلمس المتلقي قصة شخصية بتفاصيلها يشعر بأنه من الممكن أن يكون هو بطلًا لهذه القصة، ويعتمد المحور الثالث بشكل كبير على عرض الحقائق والأرقام والأشكال التوضيحية المبتكرة التي تسهل على المتلقي استيعاب المفاهيم الصعبة في ثوانٍ معدودة، ويتمثل المحور الرابع في الاقتراب من ثقافة المتلقي ولغته اليومية لكي أزيل الحواجز بيني وبينه وأجعله يشعر كأني صديقه القديم الذي يتجاذب معه أطراف الحديث على المقهى، أما المحور الخامس فيقوم على بناء علاقة طويلة الأمد مع المتلقي تستند إلى المصداقية، وباختصار، أحاول إبرام عقد غير مكتوب بيني وبين المتلقي، البند الأول فيه أنه لن يندم على الدقائق التي يستثمرها معي؛ لأنه سيخرج منها رابحًا على طول الخط.

بطل الرواية

يسعى "حسين" إلى إزالة الحواجز بينه وبين المتلقي عبر وسائط متعددة

وحول أهم الوصايا التي يمكن من خلالها التصدي لـ"اللوبيات السياسية والأيديولوجية" التي تدعم انتشار المعلومات المغلوطة، كما هو الحال بالنسبة للجماعات المناهضة لتلقي اللقاحات بصورة عامة ولقاحات "كوفيد-19" بصورة خاصة، يقول "حسين": وصيتي الأولى هي الاستمرار في خوض معركة "التوعية" مهما كانت التحديات وعدم ترك أرض المعركة، لأن هذا الفراغ سيجد مَن يملؤه بمعلومات مغلوطة، ولو لم يكن لدى مَن يخوضون معركة الوعي الشغف الكافي النابع من داخلهم والذي يدفعهم نحو الاستمرار، فعليهم أن يعلموا أنهم يقفون في المكان الخطأ، أما الوصية الثانية، فهي تحري الدقة في كل معلومة ننقلها للآخرين؛ فـ"الكلمة مسؤولية"، وتتمثل الوصية الثالثة في الاستماع إلى آراء الآخرين فيما تقدمه ومحاولة الاسترشاد بها في تحسين المحتوى؛ إذ إن التعلم من الأخطاء لا يزال إحدى أهم طرق التعلم وأفضلها، وأخيرًا تجديد النية دائمًا وتذكير النفس بأن ما تقدمه هو خدمة عامة للمجتمع، ولكن قد يأتي من ورائها بعض الأضواء، وحاول قدر الإمكان أن تتعامل مع الجميع بتواضع وإنسانية، وتذكر دائمًا أن المتلقي هو بطل الرواية، وليس أنت.

الاسبتاليا

ومن قلب القاهرة، قررت الطبيبة الشابة "إيمان الإمام" خوض معركة الوعي في مواجهة "كوفيد-19" من خلال منصتها "الاسبتاليا"، رافعةً شعار أن "كل إنسان من حقه الحصول على معلومات علمية موثوقة وصحيحة ودون تكلفة ودون عناء".

تقول "إيمان" في تصريحات لـ"للعلم": المحتوى العلمي العربي على الإنترنت ضعيف وقليل جدًّا، ووجدت أن باستطاعتي -ومن واجبي- أن أوفر المعلومات المتعلقة بـ"كوفيد-19" من خلال منصتي، خاصةً أن لديَّ مساحة يمكنني من خلالها تقديم هذه المعلومات، كما أن لديَّ من الأدوات ما يساعدني على تحقيق ذلك والإسهام في وصول معلومات صحيحة ومدققة إلى عموم جمهور المنطقة العربية بلغة بسيطة ومفهومة وخالية من التعقيد.

درست الدكتورة "إيمان" الطب في جامعة المنصورة وحققت قناتها عبر اليوتيوب نجاحا كبيرا

وتتابع: أهم التحديات التي واجهتني في معركة "كوفيد-19" هي المعلومات المغلوطة؛ إذ إن الإنترنت مساحة حرة لا تخضع لقيود، وحتى القيود التي فُرضت بعد فترة من تفشِّي الجائحة كانت قليلةً جدًّا وجاءت متأخرة، وعلينا الاعتراف بأن ساحة الفضاء الإلكتروني الرحبة ليست قاصرةً على الأطباء والعلماء وأصحاب المعلومات الموثوقة فقط، بل يشاركهم فيها أصحاب الضلالات والخزعبلات والادعاءات، ما يستوجب تفنيد المعلومات المضللة والتحقق منها.

معاركة الأفكار المغلوطة

وترفض "إيمان" فكرة التعامل مع مَن يروجون لأفكار ومعلومات مغلوطة باسم العلم، مضيفةً: لا أتعامل مع شخصيات، بل مع الأفكار المغلوطة المتداولة، ولم يحدث قَط أن دخلت في معارك أو خلافات شخصية أو ناقشت أشخاصًا بعينهم؛ فحديثي دائمًا موجه إلى عامة الجمهور، بما يساعدهم على التحقق من المعلومات التي يسمعونها ومن الخلفية العلمية لمَن يقول المعلومة ومن مصادره العلمية، فمثل كافة المجالات، يمكن أن يكون هذا الشخص غير أمين في نقل المعلومة، أو لديه منفعة شخصية من الترويج لمعلومات وأفكار مغلوطة.

وتتابع: رسالتي لا تقوم على تغيير قناعات أحد، بل تقوم على فكرة أن الأشخاص من حقهم الحصول على معلومة دقيقة، وصحيحة، ومبسطة، ومفهومة، ومجانية، وأدواتي في تحقيق ذلك هي المصادر والدوريات العلمية الموثوقة، والقناة الخاصة بي على وسائل التواصل الاجتماعي وصوتي ووجودي، وأصدقائي الذين يمثلون فريق العمل التحريري، بما يساعد على ظهور حلقات منتجة بصريًّا وسمعيًّا من أجل نقل المعلومة سواء كانت مكتوبة أو مسموعة أو مرئية.

تحاول "إيمان" تسهيل وتصحيح المفاهيم الطبية ونشر الوعي العام بالأمراض النادرة

وتشدد "إيمان" في تصريحاتها لـ"للعلم" على الدور الذي يجب أن يؤديه الجمهور العادي في معركة "الوعي"، مؤكدةً "ضرورة أن يتحلى جمهور "السوشيال ميديا" بالتريث قبل تصديق أي معلومة، وأن يعطي المتلقون لأنفسهم فترة بسيطة للتفكير قبل إعادة نشر أي معلومة سواء مرئية أو مسموعة أو مكتوبة، وكذلك عدم الانفعال العاطفي مع ما يقرأونه أو يشاهدونه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأن يكونوا أكثر اتزانًا وعقلانيةً في التعامل مع المنشور أو القصة التي تلفت انتباههم، وكذلك التأكد من مصدر المعلومة حتى لا يكونوا ضحيةً لأشخاص أو جهات غير معلومة، إضافةً إلى الرجوع إلى المصادر التي وردت على لسان الشخص الناقل للمعلومة؛ فمثلًا لو أشار إلى مؤسسة أو دورية بعينها، يجب العودة إلى تلك المؤسسة أو الدورية للتأكد من احتوائها بالفعل على تلك المعلومات".

وبالنسبة للمتخصصين، ترى "إيمان" أنه "يجب عليهم استخدام كل الأدوات المتاحة لتوضيح المعلومات وتوثيقها وتدقيقها، بدايةً من الحديث مع المحيطين بهم وكتابة المعلومات الصحيحة وتدقيق المعلومات المغلوطة على صفحاتهم الشخصية، وأن عليهم استخدام أي أداة تمكنهم من توصيل صوتهم بمعلومة صحيحة تنفي معلومة خطأ –أو تصححها- أو تساعد الآخرين على إعادة النظر فيها".

تنصح "إيمان" جمهور "السوشيال ميديا" بالتريث قبل تصديق أي معلومة

وفيما يتعلق بالتصدي لـ"اللوبيات السياسية والأيديولوجية" التي تدعم انتشار المعلومات المغلوطة، تقول "إيمان": لن نستطيع الرد على هذه اللوبيات والجماعات إلا بالكلمة والمعلومة الصحيحة الموثقة والنقد العلمي، ولا نملك أدوات لمواجهتها إلا بعلمنا ووسائل التواصل المتاحة لنا، والتي تتيح وصول صوتنا إلى العالم.