لا يزال اعتلال عضلة القلب التضخمي يمثل أحد أكثر أمراض القلب الوراثية شيوعًا، ويحدث المرض عادةً بسبب طفرات جينية، تجعل عضلة القلب تنمو لتصبح سميكةً بشكل غير طبيعي، إذ يُصبح الجدار العضلي (الحاجز) بين الغرفتين السفليتين للقلب (البُطينات) أكثر سُمكًا من المعتاد، ما يصعُب معه ضخ الدم من القلب إلى باقي أجزاء الجسم، ويمكن أن يسبب المرض ضيق التنفس وألمًا في الصدر ومشكلات في نظام كهربية القلب، ما قد يؤدي إلى اضطراب نظم القلب أو الموت المفاجئ، وفي محاولة جديدة لفك شيفرة هذا المرض الوراثي، توصل فريق بحثي مصري إلى متغير جيني يُرصد لأول مرة، يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالمرض.

وأوضح الباحثون بمؤسسة مجدي يعقوب- مركز القلب بأسوان، في دراسة نُشرت في العدد الأخير من دورية (Circulation) التابعة لجمعية القلب الأمريكية، أن المتغير الذي تم رصده لدى المرضى المصريين يُعرف بالرمز الكودي (c.5769delG)، ونجح الفريق لأول مرة في إيجاد رابط بينه وبين هذا المرض الوراثي.

تقول ياسمين عجيب، مدير قسم علوم الحياة بمؤسسة مجدي يعقوب، والباحث الأول في الدراسة: إن الطفرة الجديدة التي تم رصدها لأول مرة لدى عائلات مصرية، تعكس آليةً جديدةً لحدوث اعتلال عضلة القلب التضخمي لم تكن معروفةً من قبل، ما يساعد العالم على فهم المرض على نحوٍ أفضل، ومن ثم إمكانية إيجاد علاجات فعالة يستفيد منها المرضى.

وأضافت في حديثها لـ"للعلم"، أن اهتمام المركز باكتشاف مسببات هذا المرض، يأتي بحكم تخصصه الرائد في مصر وأفريقيا، في إجراء جراحات شديدة التعقيد ذات تكلفة مرتفعة للغاية لعلاج المرض، لذلك نبحث عن حلول مبكرة لاكتشاف مسبباته، وقبل وصول المريض إلى مرحلة متأخرة من تضخم عضلة القلب، ما يتطلب إجراء هذه الجراحة لعلاج فشل القلب في ضخ الدم.

وعن أهمية الاكتشاف، أوضحت "عجيب" أن فهم الآلية التي تقود إلى الإصابة بالمرض يمكن أن يُجنّب المرضى إجراء جراحات مُعقّدة، إذ يمكن اكتشاف الطفرة الجديدة على مستوى الجينات في مراحل مبكرة من العمر، ويأتي الاكتشاف الجديد في ظل تطور التكنولوجيات التي تتيح اكتشاف طفرات جينية مختلفة وتشخيصها في اختبار واحد بالمعمل.

قاعدة بيانات جينية

وكان الفريق البحثي قد نجح في بناء قاعدة بيانات جينية تتعلق باكتشاف التغيرات الجينية المرتبطة بأمراض القلب عند المصريين، تشدد "عجيب" على أن القاعدة مكّنت الفريق من رصد الطفرات الجينية الغريبة لدى العائلات المصرية المصابة بأمراض القلب ودراستها، ما ساعد الفريق على الوصول إلى هذا الاكتشاف الذي كان جزءًا من رسالة الدكتوراة للباحثة منى علوبة، من مؤسسة مجدي يعقوب لأمراض وأبحاث القلب، والمؤلف الأول المشارك في البحث.

وللوصول إلى نتائج الدراسة، أجرى الفريق دراسته على 514 مريضًا باعتلال عضلة القلب التضخمي جاءوا إلى المؤسسة من مدن مصرية عديدة للعلاج من المرض، بالإضافة إلى مجموعة ضابطة من المصريين الأصحاء، أعطى جميع المرضى الخاضعين للتجارب موافقةً خطيةً مستنيرة، وتمت مراجعة الدراسة والموافقة عليها من قِبل لجنة أخلاقيات البحث المؤسسي.

وكشفت النتائج العثور على هذا المتغير (c.5769delG) في 3.3٪ من عينة المرضى (17 من 514)، في حين لم يُعثر عليه في المجموعة الضابطة.

مسببات المرض

ووفقًا للدراسة، فإن المجتمع العلمي اتفق حتى الآن على أن اعتلال عضلة القلب التضخمي ينجُم بشكل أكثر شيوعًا عن المتغيرات في جينات ترميز القسيم العضلي أو "ساركومير" (Sarcomere) الذي يوجد في الليفة العضلية للعضلات الهيكلية المخططة والعضلات القلبية، بما في ذلك جين يُدعى (MYH7)، ويمثل السبب الثاني الأكثر شيوعًا لاعتلال عضلة القلب التضخمي العائلي، ويرتبط المتغير الجديد (c.5769delG) بشكل أساسي بحدوث طفرات في هذا الجين المسبب للمرض.

تقول "عجيب": إن ما اكتشفه الفريق يُعد بدايةً مبكرةً لاكتشاف جميع مسببات المرض التي لا تزال مجهولةً حتى الآن، ورغم أن المجتمع العلمي اتفق على أن هناك جينًا واحدًا يؤدي إلى المرض هو (MYH7)، إلا أن هناك متغيراتٍ جينيةً أخرى يمكن أن تدعمه لم يتم الكشف عنها حتى الآن، كما أن هناك عوامل جينية وغير جينية قد تؤدي إلي تغيير الشكل النهائي للمرض لا تزال مجهولةً أيضًا، ومن خلال متابعتنا للمرض وجدنا أنه يمكن أن يصاب به أحد أفراد العائلة في سن الطفولة أو الشباب، بينما يصاب به فردٌ آخر في العائلة نفسها في سنٍّ متأخرة، مشددةً على أننا ما زلنا لا نعلم سبب ذلك حتى الآن.

وأضافت أن هناك عوامل أخرى قد تتداخل مع العوامل الجينية وتزيد من خطر الإصابة بالمرض، ربما يتم تأكيدها عبر دراسات مستقبلية، بالإضافة إلى دراسة "الإكسبوزوم" (Exposome) ، وهو التأثير الناشئ عن التعرُّض للعوامل البيئية على الصحة، ونحن الآن في مرحلة البحث عن أدلة تعضد تلك الافتراضات، عبر دراسة عائلات مصرية تتشارك أسسًا جينيةً متشابهة.

وأشارت إلى أن ما توصل إليه الفريق حتى الآن هو إثبات أن تلك الطفرة الوراثية لها دورٌ فاعلٌ في الإصابة بالمرض، وأنها إذا رُصدت لدى طفل أو شخص معين، فهذا يعني أن لديه احتمالية مرتفعة للإصابة، لكنها أكدت أن هذه النتيجة تُعد خطوةً أوليةً لفهم تأثير تلك الطفرة الجينية على الإصابة بالمرض، ولكي ينجح الفريق في اقتفاء أثر تلك الطفرة الجينية بشكل كامل، لا يزال أمامه الكثير من الوقت، والبحث يمكن أن يستمر سنوات.

اكتشاف مهم

وتعليقًا على نتائج الدراسة، يقول البروفيسور المصري شريف الخميسي، أستاذ الطب الجيني، ورئيس قسم الأبحاث بجامعة شيفيلد في المملكة المتحدة: إن الدراسة توصلت إلى اكتشاف وجود ارتباط، يتم رصده لأول مرة، بين طفرة جينية رُصدت لدى عائلات مصرية والإصابة باعتلال عضلة القلب التضخمي.

ورأى -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- أن أهمية الدراسة تعود إلى سببين: الأول أنها تُعد مثالًا حيًّا لأهمية بحوث الجينات في مصر، ما قد يقود إلى نتائج مختلفة عما توصلت إليه دراسات جينية أُجريت في أوروبا وأمريكا على سبيل المثال، مشددًا على أن هذا ما حدث في دراسات جينية أخرى أُجريت في مصر على أمراض أخرى مثل السرطان وباركنسون، والسبب الثاني للأهمية -وفق قوله- أن معرفتنا لهذه الطفرات يمكن أن تساعد مستقبلًا في التشخيص المبكر للمرض، وربما تُسهم في الوقاية منه. 

من جانبه، يقول أحمد بنداري، مدرس أمراض القلب بكلية الطب بجامعة بنها المصرية: إن ما يميز هذه الدراسة هو تشخيص مرض اعتلال عضلة القلب التضخمي، باستخدام تقنيات شديدة التطور، شملت رنين القلب المغناطيسي وتحليل الأنسجة، واصفًا هذا النوع من الدراسات الجينية بأنه بالغ الأهمية، إذ يُعتبر بمنزلة مفتاح لاكتشاف ميكانيكية حدوث المرض، وبالتالي تمهيد الطريق لتجربة علاجات مستقبلية ممكنة قد يكون من شأنها منع حدوث المرض، أو -على أقل تقدير- تخفيف حدة تأثيره الإكلينيكي على حياة المرضى.

آلية حدوث المرض

يوضح "الخميسي" آلية حدوث هذا المرض عبر بروتين (MYH7)، مضيفًا أن ما كان متعارفًا عليه قبل هذه الدراسة، هو أن المرض يأتي بسبب طفرات في هذا البروتين تجعله يُشكّل ترسبات في القسيم العضلي أو "ساركومير" بالقلب، ما يؤدي إلى حدوث سُمِّيّة، إذ يكون هذا البروتين مفيدًا للقلب في مستوياته وحالته الطبيعية، ولكن عندما تحدُث له طفرة جينية، تجعله فعالًا بصورة زائدة، يسبب ضررًا ويوجد في أنسجة معينة لا يُفترض أن يكون موجودًا فيها، وبالتالي يُحدث سُميّة في نسيج القلب تنتج عنها الإصابة بالمرض.

وأضاف أن الجديد الذي اكتشفه فريق الدراسة الجديدة أن بعض أنواع الطفرات الموجودة في مصر ومنها المتغير (c.5769delG) لا تُحدث طفرةً في مستويات بروتين (MYH7) كما هو متعارف عليه في هذا المرض، لكنها تقلل مستوياته بصورة كبيرة أو تمنع وجوده بالمستويات الطبيعية في الجسم، إذ رصدت لأول مرة ارتباطًا بين هذه الطفرة الجينية والإصابة باعتلال عضلة القلب التضخمي.

وتابع: هذا الاكتشاف مهم؛ لأنه يرجّح بشكل كبير أن المرض لا يأتي بسبب زيادة مستويات بروتين (MYH7) فحسب، بل قد ينتج أيضًا عن انخفاض مستوياته في الجسم، وأن المعدل الطبيعي هو السبيل الوحيدة للوقاية من المرض.

وأشار إلى أننا نحتاج إلى تأكيد هذه النتائج عبر عينات أكبر من المرضى، كما أن الفريق لم يتوصل أيضًا إلى الآلية التي تقود إلى نقص مستويات بروتين (MYH7) نتيجة الطفرة المكتشفة، وهذا يتطلب دراسات مستقبلية أيضًا.

دراسات مستقبلية

ووافقته الرأي "عجيب"، مضيفةً أن الدراسات المستقبلية يمكن أن تكشف عن آلية الإصابة بالمرض، وجدوى التدخلات الطبية التي يمكن أن تحدث مبكرًا، وما إذا كان إصلاح العيوب الوراثية عبر تقنيات تحرير الجينات المختلفة يمكن أن يكون مُجديًا في الوقاية من المرض مستقبلًا أم لا، بالإضافة إلى الكشف عن العوامل الأخرى التي يمكن أن تتداخل معها.

وأضافت أن الفريق البحثي سيستكمل دراسته في هذا الشأن لرصد مدى الاختلاف في تأثير تلك الطفرة على الأفراد في العائلة الواحدة، عبر فحص عدد كبير من مرضى اعتلال عضلة القلب التضخمي الذين يترددون على المركز من جميع أنحاء الجمهورية، إذ يجري تفادي المرض في أفراد بعض العائلات رغم إصابتهم بالطفرة، بينما يُتوفى أفراد آخرون من العائلة نفسها نتيجة وجودها.

وتابعت: يُجري الفريق أيضًا دراسةً أخرى على مستوى الخلايا في المختبر، وستتبعها دراسة على نماذج الفئران، حتى يتم الوصول إلى آلية الإصابة بالمرض، والنجاح في تطوير أدوية فعالة تعالج المرض بدقة، وتُركّز على إصلاح هذه الطفرة بشكل أساسي، مشيرةً إلى أن العالم في سباق حاليًّا لتطوير دواء فعال للمرض، إذ تقتصر الأدوية المتاحة حاليًّا على علاج أعراض المرض فقط، والسبيل الوحيدة المتاحة حتى الآن هي التدخل الجراحي المُعّقد.