في مثل هذا الوقت من كل عام، يمر النسر المصري المُهاجر بمصر في مسار هجرته الخريفية، التي يبدؤها في أغسطس ويُنهيها في نوفمبر، ليجتاز خلال هذه الأشهر الأربعة رحلةً بطولية، يتنقل خلالها بين ثلاث قارات، ويقطع مسافة تصل إلى قرابة 5 آلاف كيلو متر، مواجهًا خطرًا تلو الآخر، ما بين قتل بالرصاص وصعق بالكهرباء وتسمُّم بمواد كيميائية مميتة، توشك كل رحلة من هذه الرحلات أن تكون رحلته الأخيرة.

 تناقصت أعداد النسر المصري في السنوات الأخيرة إلى درجة خطيرة، جعلت الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة يدرجه ضمن "القائمة الحمراء" للأنواع الأقل حظًّا في البقاء، وبات الطائر الذي قدسه أجدادنا الفراعنة، واقتنص الإعجاب عبر التاريخ لذكائه ولوجهه الأصفر  الجذاب وريشه الأبيض المذهل، يواجه الآن خطر الانقراض!

المهاجر

يُعد النسر المصري -أو كما يُعرف أيضًا بـ"الرخمة المصرية"- من أصغر أنواع النسور في أوروبا والشرق الأوسط، وهو النوع الوحيد الذي يهاجر بانتظام في الربيع والخريف من كل عام عبر منطقة الشرق الأوسط، من مناطق التكاثر في جنوب أوروبا وغرب آسيا ومنطقة البلقان باتجاه مناطق التشتية في وسط وشرق أفريقيا وجنوب غرب آسيا، على الرغم من كونه يدفع تكلفةً باهظةً لرحلات هجرته، وفق نابغ غزال أسود، مسؤول الحماية في مؤسسة بيرد لايف إنترناشيونال بمنطقة الشرق الأوسط، ومنسق مشروع حياة جديدة للرخمة المصرية، في حديثه إلى "للعلم".

من أجل رصد المخاطر التي يتعرض لها النسر المصري وتقييمها، تتبعت دراسة نُشرت نتائجها في مارس الماضي في دورية جورنال أوف أنيمال إيكولوجي 220 نسرًا مصريًّا مهاجرًا عبر أجهزة الرادار والأقمار الصناعية في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا خلال العقدين الماضيين، وأكدت الدراسة أن فترات الهجرة ترتبط بمعدلات بقاء أقل للنسور، مقارنةً بفترات الاستقرار.

ففي نهاية فترة الدراسة التي امتدت من 2007 إلى 2020، لم يكن هناك سوى 72 نسرًا على قيد الحياة من أصل 220 نسرًا، واختلفت مصائر بقية النسور ما بين 52 حالة "وفاة مؤكدة"، و38 نسرًا "على الأرجح ماتوا"، و8 آخرين "فشل مؤكد في جهاز الإرسال"، و50 نسرًا "مصيرهم مجهول".

وتنوعت حالات النفوق معروفة الأسباب (47 حالة) ما بين الغرق (17 حالة)، والصعق الكهربائي أو الاصطدام بالبنية التحتية (9 حالات)، والاضطهاد من البشر سواء بالضرب بالرصاص أو الحصار (7 حالات)، والتسمم الكيماوي (6 حالات)، والوفاة لأسباب طبيعية (4 حالات إرهاق وحالتي افتراس)، وحالتي اصطدام بقطار، ونوهت الدراسة بأن نصف هذه الوفيات لأسباب"بشرية المنشأ"، مشيرةً إلى أن متوسط العمر الطويل المعتاد للنسور المصرية يبلغ 20 عامًا على الأقل.

ويعدد "أسود" المخاطر التي يتعرض لها النسر المصري في كل منطقة والإجراءات الواجب اتخاذها لحمايته، قائلًا: إنه في دول البلقان يجب العمل على حمايته من التسميم وضرورة مكافحة الاستخدام غير المشروع للطُّعوم السامة، وفي الشرق الأوسط يحتاج إلى توفير مسار هجرة آمن له، وحمايته من أخطار الصيد والإمساك والمتاجرة غير القانونية، وتقليل خطر اصطدامه وصعقه بمنشآت توليد ونقل الطاقة الكهربائية، وكذلك حمايته من الإزعاج والتسميم العَرَضي، أما في وسط وشرق أفريقيا فتجب حمايته من خطر الصيد والتسميم، بالإضافة إلى مكافحة الخرافات والحد من استخدام أجزائه في العلاج التقليدي والشعبي والسحر والشعوذة.

وتقدر أعداد النسر المصري في العالم بحوالي 21000-67000 نسر، وفقًا لمشروع حياة جديدة للرخمة المصرية، المدعوم من الاتحاد الأوروبي، والذي انطلق عام 2017 بالتعاون بين 10 منظمات في 14 دولة في مناطق البلقان والشرق الأوسط وأفريقيا، بهدف حماية النسر المصري في مسار هجرته، وتقليل المهددات التي يتعرض لها.

الطائر المقدس

خُلد النسر المصري في نقوش المصريين القدماء، واستُخدمت صورته بكثرة في الكتابة الهيروغليفية، يقول خالد النوبي، مدير الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، لـ"للعلم": "إن احتفاء الفراعنة بالنسر المصري ووجوده في كثير من النقوش والبرديات، علاوة على وجوده بكثرة في مصر قبل آلاف السنوات هو سبب ارتباط اسمه باسم مصر".

ولكن ليس من أفراده في مصر في الوقت الحالي سوى أعداد محدودة جدًّا، تحديدًا في الجنوب في أسوان وفي محمية وادي الجمال ومنطقة جبل علبة.. وفق "النوبي"، الذي يُرجع تناقص أعداده في مصر على مر العصور إلى "تغير الطبيعة في مصر نتيجة الجفاف الشديد، وقلة الأمطار التي أدت بدورها إلى تقليل أعداد الثدييات ومن ثم شح الغذاء".

الزبال

يتمتع النسر المصري بجهاز هضمي قوي، يسمح له بتناول جيف الكائنات الميتة المتعفنة دون أن يصاب بالتسمم من البكتيريا، وبهذا يؤدي دورًا حيويًّا للطبيعة، وفق "النوبي"، الذى يوضح: "يقوم النسر بتنظيف مجاني للبيئة، ويسهم في الحد من انتشار الأمراض والتلوث المصاحب لبقاء الجيف في البيئة، وعلى سبيل المثال يؤدي انخفاض أعداد النسور إلى زيادة أعداد الكلاب الضالة التي كانت تتنافس معها على الغذاء وتناول الجيف، ومن ثم انتشار داء الكلب".

إلا  أن الجهاز الهضمي القوي للنسر المصري لا يحميه من التسمم، سواء بالمبيدات الحشرية أو الطعوم المسممة التى تستهدف التخلص من القطط والكلاب الضالة، وفق دراسة نُشرت عام 2002 في دورية بيولوجيكال كونفرزيشن Biological Conservation.

ويقول مدير جمعية حماية الطبيعة: "النسر حساس للمواد الكيميائية الموجودة في الطعوم المسممة، وكذلك لمادة "الديكلوفيناك"، وهي عقار طبي تُعالَج به الحيوانات من الالتهابات، وعند انتقالها إليه عبر تناول الجيف قد يَنفق بدوره".

الانخفاض الكارثي في أفراد النسر المصري يهدد بلا شك التنوع البيولوجي.. وفق شريف بهاء الدين، عالِم الطيور المصري، الذي أسهم في تأليف كتاب "طيور مصر الشائعة"، ويقول لـ"للعلم": إننا لن ندرك الحجم الفعلي لهذا التأثير، موضحًا: "الإخلال بالنظام البيئي لا يمر دون ثمن، ويُسهم بطريقةٍ ما في ظهور الفيروسات حيوانية المنشأ وغيرها من الأضرار"، مشددًا على أننا  "نحتاج إلى العديد من الدراسات حتى نستطيع تحليل المنظومات البيئية".

ويساعد تناول النسر المصري للجيف الميتة على تحليلها ودخولها إلى دورة المعادن لتستفيد منها البيئة من جديد، بما يحافظ على التوزان البيئي.. وفق إيهاب عيد، خبير في حفظ التنوع الحيوي وعضو الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة.

الذكي

إضافة إلى الجيف، يتغذى النسر المصري على بعض الثدييات الصغيرة والزواحف، ويأكل بيض النعام، مبرهنًا على "ذكاء نادر وسط الطيور"، وفق توصيف "عيد" في حديثه لـ"للعلم"، موضحًا أن "النسر المصري من الطيور الذكية؛ فهو يستعمل الحجارة لكسر بيض النعام عن طريق التقاطها من الأرض وإلقائها بمنقاره على البيضة حتى تنكسر قشرتها".

صفاته النادرة وخدماته الجليلة للطبيعة تستوجب حمايته من المخاطر التي تهدد بقاءه، وهناك طريقتان للحماية، وفق "عيد"، وهما: "حماية البيئة الطبيعية التي يعيش فيها النسر المصري من أي عوامل خطر عبر تطبيق القانون المجرِّم للصيد أو أي انتهاكات يتعرض لها، وهو ما يُعرف بالحفظ داخل الموائل".

ويستطرد: أما الطريقة الثانية فهي الحماية خارج الموائل عن طريق برامج إعادة الإكثار، وتكون من خلال جلب النسور ووضعها في حدائق الحيوانات أو مناطق خاصة تهيئ لها كافة الظروف المعيشية بما يساعد على تكاثرها، ومن ثم إطلاقها مرةً ثانيةً في البرية.

وتضع أنثى النسر المصري بيضتين في معظم الأحيان، ويقوم الزوجان بحضانة البيض وتربية الفراخ في عش مبني على أطراف جرف صخري، وتتشابه الأنثى كثيرًا مع الذكر في الشكل، فلكليهما لون الجسم الأبيض المشوب باللون الأصفر والخطوط السوداء في نهايات الأجنحة، إلا أن الأنثى أكبر  قليلًا في الحجم، في حين أن الطيور الفتية يغلب عليها اللون البني مع زركشة سوداء.

المُحلق

يقطع النسر المصري خلال هجرته مسافات طويلة، ويرجع ذلك إلى اعتماده على تيارات الهواء الساخنة في مناطق عنق الزجاجة التي ترفعه عاليًا، بما يحافظ على طاقته ولا يحتاج إلى بذل مجهود كبير عبر الرفرفة بجناحيه، ثم ينزلق مقتربًا من الأرض في انتظار تيار هواء ساخن يرفعه من جديد، وهكذا تمضي رحلته.. وفق واتر بحري، الباحث البيئي ومراقب الطيور.

ويضيف "بحري" لـ"للعلم": لذلك من المهم جدًّا الحفاظ على طبوغرافية مسارات الهجرة، ولا سيما مناطق عنق الزجاجة، كمضائق البحار والمسارات بين الجبال دون أي تغيير في طبيعة المكان؛ لأن الطائر لا يستطيع تغيير مسار الهجرة ويتجنب عبور البحر لمسافات طويلة، بسبب تيارات الهواء الباردة التي ستجعل رحلته شاقة، وربما تعرِّضه للغرق.

ولهذا السبب -وفق واتر- أُجريت دراسات لتقييم الأثر البيئي عند التخطيط لإنشاء محطات طاقة رياح في مصر في مسار هجرة البحر الأحمر بمناطق خليج السويس وجبل الزيت؛ لحماية النسر المصري وغيره من الطيور المهاجرة سنويًّا عبر هذا المسار، مضيفًا: "خلال مواسم الهجرة يوجد مراقبو طيور في هذه المحطات لرصد الطيور وعمل ممرات آمنة؛ حتى لا تصطدم بمراوح طواحين الهواء عند عبورها، وإذا رصدنا فردًا واحدًا من أفراد النسر المصري المهدد بالانقراض نبلغ المحطة لإغلاق المراوح حتى يعبر في أمان".

إلا أن هناك خطرًا آخر ما زال قائمًا يهدد النسر المصري وجماعة الطيور المهاجرة عبر مسار هجرة البحر الأحمر، يتحدث عنه أسامة الجبالي -مدير مشروع صون الطيور الحوامة بوزارة البيئة- لـ"للعلم"، قائلًا: "خطوط نقل الكهرباء تمثل خطرًا كبيرًا؛ لأن الطيور المهاجرة لا تراها وتصطدم بها فتصعق وتموت على الفور، وبالفعل وقعت لدينا أكثر من حادثة كبيرة، لذلك وضعنا برتوكول تعاون مع وزارة الكهرباء بالتعاون مع الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، وحاليًّا في مرحلة الدراسة لوضع المعايير المطلوبة لتفادي هذه الحوادث".

وأخيرًا، ربما ارتبط النسر المصري باسم مصر، إلا  أنه كغيره من الطيور لا يعترف بالحدود، يجوب العالم ويتخذ بيوتًا لأفراده في دول مختلفة منه، وتتشارك هذه الدول في مسؤولية حمايته والإبقاء على وجوده، كإرث إنساني وكصاحب خدمات جليلة للطبيعة.