على الرغم من أن صناعة الإلكترونيات تتجه نحو تصغير أبعاد الترانزستورات، هناك عقبات كبيرة تعوق الاستمرار في هذا التصغير؛ إذ إن أشباه الموصلات المستخدمة في الصناعة مثل السيليكون لها حدود فيزيائية يصعب التغلب عليها، ومن هنا برزت الحاجة إلى مواد بديلة يمكن أن تكون أكثر مرونةً وتجاوُبًا مع التوجه نحو التصغير.

وقبل نحو 27 عامًا، ظهر التوجه نحو ما يُعرف بـ"أنابيب الكربون النانومترية" -وهي مادة مصنوعة من الكربون، على شكل أنبوب، وذات قطر صغير جدًّا يقاس بالنانومتر- لتكون بديلاً لأشباه الموصلات. أظهرت التقنية الجديدة تميُّزًا ملحوظًا في التوصيل الحراري والكهربائي، فضلاً عن أنها تتيح مزيجًا فريدًا من مزايا الصلابة والقوة وخفة الوزن والمرونة، مقارنةً بغيرها من المواد.

دفعة قوية

بالرغم من هذه المزايا المتعددة، كانت هناك مشكلة تعوق دمج أنابيب الكربون النانومترية في صناعة الإلكترونيات؛ إذ كانت طرق تحضيرها لا تتيح إنتاج خليط متجانس منها يتميز بحجم قطر موحد وبالصفات ذاتها، وهو الأمر الذي مثَّل عائقًا سعى الباحثون لتجاوزه؛ لإعطاء دفعة قوية لهذا المجال.

شارك بدوي أنيس -الباحث بقسم الطيف بالمركز القومي للبحوث- قبل نحو عامين في دراسة ضمت باحثين من اليابان وألمانيا؛ في محاولة لتقديم حل لهذه المشكلة، عُرضت نتائجها في مجلة كربون.

حصل أنيس، في أغسطس الماضي، على منحة قيمتها مليون جنيه من صندوق العلوم والتكنولوجيا، التابع لأكاديمية البحث العلمي المصرية؛ لاستكمال أبحاثه في هذا المجال.

يقول أنيس لـ"للعلم": "إن أنابيب الكربون النانومترية -المحضَّرة سواء عن طريق الترسيب الكيميائي للبخار أو الترسيب بالليزر أو التفريغ الكهربي- ينتج عنها توزيع غير متجانس من الأقطار والصفات؛ فبعض الأنابيب مثلًا يكون قطرها 1.6 نانو، والبعض الآخر 1.2 نانو، كما أن بعضها يكون موصلًا للكهرباء والبعض الآخر يكون شبه موصل".

يضيف أن "المزايا المتعددة لهذه الأنابيب تتيح استخدامات كثيرة رغم هذا العيب؛ لأن هذه الاستخدامات لا تحتاج إلى صفة التجانس في الأقطار والصفات، مثل استخدامها في خرسانة البناء أو صناعة البلاستيك، لكن الأمر يزداد تعقيدًا في استخدامات مثل صناعة الإلكترونيات؛ إذ يتعين فرز الأنابيب المنتجة والعمل على تطوير صفاتها.

تمكَّن العلماء باستخدام طريقة التحضير الكيميائي من الحصول على أنابيب متجانسة في الأحجام والصفات، ومنها طريقة بذور النمو الانتقائي لأنابيب النانو (تقوم فكرتها على إنتاج بذور جزيئية تتيح إنماء نوع واحد فقط من أنابيب الكربون النانوية أحادية الجدار، بدلًا من مزيج من أنواع عدة)، وهي الطريقة التي قدمها فريق بحثي ألماني- سويسري، بعد دراسة امتدت عقدين،  ونُشرت نتائجها بدورية «نيتشر» في أغسطس من عام 2014.

يوضح أنيس أن "البذور المقصودة في هذه الطريقة هي جزيئات عضوية محضَّرة بطريقة تتضمن عددًا من الخطوات، ويجري إنماء الأنابيب النانوية الأحادية الناتجة من كل بذرة على سطح بلاتيني عند درجة حرارة 500 درجة مئوية باستخدام الإيثانول كمصدر لذرات الكربون".

مجس مستشعر

استمر التنافس بين العلماء لتحسين صفات تلك الأنابيب، فظهر ما يُعرف بالتوجه نحو تطعيم أنابيب الكربون بمواد أخرى ذات خواص إلكترونية مُعَرَّفة ومُحَدّدة جيدًا، وهو الأمر الذي شارك فيه أنيس، موضحًا أن فريقه البحثي اختبر الخواص الضوئية لأحد أنواع أنابيب الكربون، ويُسمَّى أنابيب الكربون النانوية أحادية الجدار (11,10)، التي يبلغ قطرها 1.44 نانوميتر، وذلك بعد تطعيمها بجزيئات الفلورين الستيني (فوليرين C60).

يضيف: وجدنا أن ملء الأنابيب بهذه المادة غيَّر من الخواص الفيزيائية للكربون، بما يسمح باستخدامه كمجس "مستشعر"، كما غيَّر أيضًا من قيمة طاقة الفجوة، وهي المساحة الفاصلة بين منطقة التكافؤ والتوصيل في المواد شبه الموصلة إلى 60 ميلي إلكترون فولت.

ويواصل الباحثون دراساتهم على الأنابيب المطعمة بالفلورين الستيني؛ إذ اكتشفوا أنها تتحمل ضغطًا أعلى من 20 جيجا بسكال، ويعملون حاليًّا على إعداد ورقة بحثية لنشر هذه النتائج الجديدة في إحدى الدوريات العالمية.

محاولات لا تنتهي

يقول بدوي: "لن تتوقف الأبحاث عند التطعيم بالفلورين؛ فأنابيب الكربون النانومترية يمكن تطعيمها بمواد أخرى غير الفلورين الستيني، وفق نوعية التطبيق المراد استخدامها فيه، وستكون هناك أبحاث على التطعيم بمواد أخرى، تتضمن اليود والبروم والنيتروجين والمعادن وهاليدات المعادن".

من جهته، يشدد خالد عبد العليم -الأستاذ بقسم الكيمياء بكلية العلوم في جامعة الزقازيق- على ضرورة أن يستهدف المشروع البحثي تحقيق انطلاقة في مجال التطبيق دون الاكتفاء بما جرى التوصُّل له معمليًّا.

يوضح عبد العليم -في تصريحات لـ"للعلم"- أن "أنابيب الكربون تتمتع بصلابة تجعلها تتربع على عرش المواد، فهي أقوى من الألماس، وتتميز بمقاومة للشد أقوى من الحديد بأكثر من ١٠٠ مرة، وتستطيع تحمل الصدمات بقوة تفوق الحديد الصلب بـ٢٥ مرة، وهي مع كل ذلك تتسم بالمرونة وخفة الوزن، وكل هذه المزايا تؤهلها للدخول في صناعة الطائرات والسيارات والخلايا الشمسية والإلكترونيات ومواد البناء، وما نرجوه أن نرى أبحاثًا تطبيقية في هذه المجالات تتجاوز حدود المعامل البحثية".

بدوره، يؤكد بدوي أن أحد أهداف المشروع البحثي الذي يعكف عليه حاليًّا يتمثل في تجاوز التجارب المعملية إلى مرحلة التطبيق، والاستعانة بمتخصصين في مجالات أخرى من أجل تحقيق ذلك، مضيفًا: "وظيفتي تنتهي عند توصيف أنابيب الكربون النانومترية المطعَّمة، وتحديد المزايا التي أتاحها التطعيم، ويبقى على الباحثين الآخرين الاستفادة من هذه المزايا في التطبيقات المختلفة، وهذا ما يسعى إليه المشروع".

 ينهي بدوي حديثه قائلاً: "نهدف إلى تعزيز التعاوُن بين مختلِف التخصصات مثل الفيزياء والكيمياء والهندسة، وأيضًا بين الفرق البحثية المختلفة، كما سنعطي صغار الباحثين الفرصة لاكتساب خبرات جديدة في مجال المواد النانومترية الكربونية وتكنولوجيا النانو بصفه عامة".