في عام 1984، أوفد وزير الدفاع المصري، محمد عبد الحليم أبو غزالة، بعثة مصرية على رأسها الضابط المصري المهندس مختار النمرسي، المتخصص في هندسة الطيران، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتطوير طائرة دون طيار لمهمات الاستطلاع والمراقبة لصالح القوات الجوية المصرية، كانت تلك الطائرة المعروفة باسم UAV324 قمة تكنولوجيا في ذلك العصر؛ فهي طائرة نفاثة مزودة بذيل مزدوج الزعانف، يُمكن أن تُطلق من منصات ثابتة، وتوفر نظامًا للتحكم اللاسلكي، وهي قادرة على أداء مهمات المراقبة والاستطلاع.

في ذلك العام، وُلد هيثم عزت طه، داخل منزل بمنطقة "مصر القديمة" جنوبي القاهرة، لوالد يعمل أستاذًا جامعيًّا في جامعة بغداد العراقية.

credit: Haithem Taha مع والده السيد عزت طه في يوم التخرج من الدكتوراة. ديسمبر 2013. فرجينيا

منذ الصغر، أحب "هيثم" دراسة الرياضيات، ومن داخل مدرسة تطل على النيل، حلم بالتوسع في دراستها داخل كلية العلوم.

في الثانوية العامة، حصل "هيثم" على مجموع كبير، أخبر والدته بحلمه الذي طالما تمنى تحقيقه فرفضت رفضًا قاطعًا، كان أغلب أفراد عائلته يعملون في مجال السياحة والإرشاد، فوالده عاد من العراق إبان الحرب العراقية-الإيرانية وترك عمله -كأستاذ للغات- وتفرغ للعمل في ذاك المجال، "أخبرتني والدتي بضرورة الالتحاق بكلية الألسن.. وبالفعل دونتها كرغبتي الأولى في استمارة رغبات التنسيق للالتحاق بالجامعة نزولًا على إرادة والدتي.. درست هناك لمدة شهر واحد ثم تأكدت أن ذلك لم يكن قَط طريقي".

credit: Haithem Taha مع والدته في يوم مناقشة رسالة الدكتوراة. أكتوبر 2013. فرجينيا

التلميذ والأستاذ

في الأيام الأولى لسنوات "هيثم" الجامعية، تحدث إلى مُدرسه الأثير "الأستاذ بدوي"، كان الرجل معلم الرياضيات في مراحل "هيثم" التعليمية الإعدادية والثانوية، يقول هيثم: "كان لي بمنزلة المُرشد.. تحدثت معه فطلب تحديد موعد مع والدتي".

وبالفعل، جاء الأستاذ، وجلس مع العائلة، وكانت تلك هي نقطة التحول الأولى في حياة "هيثم".

فـ"الأستاذ بدوي" أقنع والديه بضرورة التحاق "هيثم" بكلية الهندسة، كان "بدوي" يعرف تمام المعرفة أن والدة "هيثم" تُقدر أساتذة الجامعة وتجلهم فأخبرها أن ابنها سيغدو "أستاذًا جامعيًّا متميزًا" في المستقبل القريب إن هو التحق بكلية الهندسة.

على مضض، وافقت السيدة، فالتحق هيثم بكلية الهندسة جامعة القاهرة.

في سنوات الدراسة الأولى، كان هيثم متميزًا ومتفوقًا، لكن اللحظة الفارقة جاءت في سنته الثالثة، حين قابل أستاذيه: الدكتور علي الهاشم، والدكتور سيد دسوقي حسن.

يقول "هيثم": في تلك اللحظة عرفت ماذا تعني كلمة "علم"!

بعدها.. قابل "هيثم" مختار النمرسي، الأستاذ في الكلية الفنية العسكرية، وهو عينه الشخص الذي صمم بمساعدة الأمريكان أول طائرة دون طيار تُصنع لحساب القوات المسلحة المصرية.

كان "النمرسي" وقتها رئيسًا لمركز بحوث الطيران، صمم "هيثم" مشروع تخرجه بمساعدته، أسبغ الرجل عليه كرمه وعلمه، يقول "هيثم" إن حديثه مع الرجل كان له عظيم الأثر في نقاط بحثية ناقشها خلال إحدى فترات حياته، "ظللت أقابل الدكتور النمرسي، طيلة عامين مرة واحدة أسبوعيًّا، كانت كلماته تزن ثقلها ذهبًا، ولا تزال أحاديثنا مُستدعاة في أبحاثي الحالية".

سنوات الانتظار

في عام 2005، تخرج "هيثم" في الجامعة، متفوقًا على دفعته، وعُين مُعيدًا، وبدأ في التفكير في مستقبله العلمي.

راسل الشاب الجامعات الأمريكية بغرض الحصول على منحة لدراسة الماجستير، إلا أن الحظ لم يحالفه، فقرر دراسة الماجستير في جامعة القاهرة، ثم سجل في برنامج الدكتوراة في الجامعة ذاتها، وبعد نحو عام قضاه في دراسته استغله في الحصول على مجموعة من الدورات التدريبية في مجالات تتعلق بالطيران والرياضيات، تلقى خطاب القبول من إحدى الجامعات الأمريكية التي كان قد راسلها للالتحاق بها.

سافر "هيثم" في أغسطس 2010، وبمجرد أن وطئت قدماه المطار، تذكر كلمة العالِم المصري الجليل، بهي الدين عرجون -الذي يعتبره البعض أبا الفضاء المصري- والذي قال له: "لا عالم أفضل من نصف عالم"، أي إما أن تكون باحثًا وتهب حياتك للبحث العلمي أو لا تكون.

credit: Haithem Taha في مؤتمر الرياضيات الأمريكي. مارس 2019. هاواي

تعويض سنوات الانتظار كان ذلك هو الهاجس المُلح على الباحث المصري، "ظللت خمس سنوات في مصر بعد التخرج، فاتني الكثير والآن أنا هنا للتعويض"، قال "هيثم" لنفسه حين دخل جامعة فرجينيا تك في أمريكا لأول مرة.

في يناير 2011، قامت الثورة المصرية، التي يصفها "هيثم" بالملهمة والعظيمة، قرر إنجاز رسالته بسرعة والعودة إلى مصر لمشاركة الثوار في البناء، في الولايات المتحدة، يدرس طالب الدكتوراة 9 مناهج (كورسات) في المتوسط خلال 5 سنوات، تمكن "هيثم" من دراسة 21 منهجًا دراسيًّا والحصول على ماجستير في الرياضيات ونشر 10 أوراق علمية والحصول على درجة الدكتوراة في ثلاث سنوات ونصف السنة فقط، وهو إنجاز يقول "هيثم" إنه يدين للثورة المصرية به.

جرت في النهر مياه كثيرة، وحدث للثورة ما حدث لها، فقرر "هيثم" الاستغناء مؤقتًا عن حلم العودة إلى مصر، والعمل في الولايات المتحدة الأمريكية أستاذًا جامعيًّا، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة!

ففي أمريكا، لا يجري توظيف الحاصلين على درجة الدكتوراة بسهولة، يقول "هيثم" إن 6٪ فقط من الحاصلين على تلك الدرجة يُمكنهم العمل في السلك الأكاديمي، لذا، من المطلوب والضروري الحصول على درجة أخرى تُسمى درجة ما بعد الدكتوراة.

لكن "هيثم" لم يستطع الحصول على تلك الدرجة بسبب الظروف المالية، "كنت مُنهكًا ماليًّا بعد الدكتوراة، لذا قررت السفر خارج الولايات المتحدة".

أرسلت له إحدى الجامعات السعودية عرضًا مغريًا، وبالفعل سافر لعمل المقابلة الشخصية، إلا أن مُشرفه في الولايات المتحدة الأمريكية رفض رفضًا قاطعًا كتابة خطاب التزكية المطلوب للتعيين في تلك الجامعة، "قال لي إن مكاني الحقيقي هنا، وإن مستقبلي في أمريكا".

بدأت رحلة ثانية من إرسال الخطابات "تواصلت مع الجامعات للتعيين، إلا أن ثمة مفاجأة كانت في انتظاري".

فقد وصله 6 عروض للعمل، وهو أمر لم يكن في الحسبان.

اختار العمل في جامعة "كاليفورنيا آريفين"، وبمجرد دخوله ضمن بوتقة أساتذتها، صُدم الشاب المصري.

"كنت أتصور الأمر سهلًا، إلا أني وجدت نفسي في مجتمع يعج بالنجوم"، في أمريكا، يُعد الحصول على التمويل أحد مقاييس كفاءة الأستاذ الجامعي، "كنتُ مُطالبًا بمنافسة أساتذة يفوقونني عمرًا وخبرةً بكثير، وفي جامعات كبرى ولها وزنها"، بدأ "هيثم" يفقد الأمل، إلا أنه قرر "المعافرة"، وفق قوله.

credit: Haithem Taha من حفل التخرج من الدكتوراة مع الدكتور كريج وولسي .

حياة جديدة

بدأ "هيثم" يستغل قدراته على التحصيل، تعلَّم أدوات جديدة، وقرأ في تاريخ العلوم، وعمَّق معرفته بالرياضيات، "كل عام أجلس مع الطلبة في مدرج لتعلُّم منهج دراسي جديد، التعلم هو أساس العمل الجامعي، يجب على الأستاذ عدم التوقُّف عن تلقِّي العلم، يجب أيضًا أن نعرف أن التحليق في سماء البحث العلمي يستلزم مقاومة الإحباط".

كان نشر الدراسات العلمية في الدوريات الكبرى هدفًا أساسيًّا للشاب المصري، ولأيّ باحث بطبيعة الحال، يعتز "هيثم" بدراسات ثلاث، منها تلك الدراسة التي أحدثت صدى كبيرًا في المجتمع العلمي؛ إذ إنها صححت نظرية ظلت سائدة طيلة ثمانية عقود.

ففي عام 1935، وضع العلماء نظرية خاصة بقوى الرفع غير المستقر في الطيران، وهي نظرية كلاسيكية تُهمل تأثير لزوجة الهواء حال طيران الطائرات، قام "هيثم" بعمل نموذج جديد، يستمد قوته من الرياضيات.

يفيد ذلك النموذج أن اللزوجة لها تأثيرٌ مهمٌّ في أثناء عملية الطيران، وخصوصًا عند السرعات العالية جدًّا أو المنخفضة جدًّا.

كما قام أيضًا بتصميم نظام للتحكم يتيح للطائرات المدنية والحربية تقليل سرعتها إلى الحد الأدنى دون أن تتعرض للسقوط.

credit: Haithem Taha مع العالم العربي من أصول فلسطينية، علي نايفة،  قبل تقلبده ميدالية بينيامين فرانكلين. مارس 2014. بنسلفانيا

من حيث المبدأ، لا تتحطم الطائرات التجارية فحسب، بل تتحطم الطائرات الصغيرة أيضًا بمعدل مرتفع نسبيًّا، ينجم ذلك عن ظاهرة تُعرف باسم Stall يُمكن ترجمتها إلى الكلمة العربية "المناورة".

تَسبَّب الشكل الخاص بالأجنحة في إكساب الطائرة قدراتها التحليقية؛ إذ يولِّد الجناح قوى رفع إلى أعلى نتيجة تدفًّق الهواء واختلاف الضغوط، تُؤدي زاوية الهجوم إلى عمل دوامات على سطح الجناح العلوي، لكن يجب أن تبقى الأجنحة في الزاوية الصحيحة للهجوم عل الهواء المحيط، فإذا أصبحت تلك الزاوية شديدة الانحدار (أكثر من 15 درجة تقريبًا) فستنفصل الخطوط الانسيابية في الطرف الخلفي للجناح عن سطحه.

يزداد الأمر سوءًا إذا لم يُعدل الطيار زاوية الهجوم عن طريق دفع مقدمة الطائرة، إلا أن الكارثة تحدث في ثوانٍ معدودة، فعند زاوية هجوم تقدر بنحو 20 درجة، يفقد الطيار السيطرة على الطائرة ويبدأ الهواء فوق الجناح بالدوران، ويفقد الجناح قوة الرفع، وبالتالي يفقد وظيفته بالكامل، وتميل الطائرة لتسقط بعنف.

ابتكر "هيثم" نظامًا للتحكم في الطائرة حال دخولها تلك المنطقة الخطرة، وقد أبدت شركة "لوكهيد مارتن" العملاقة اهتمامًا بذلك النظام.

مؤخرًا أيضًا، نشر "هيثم" ورقة علمية جديدة تكشف لغزًا ظل نحو قرن من الزمان، يتعلق ذلك اللغز بطريقة طيران الحشرات.

في تلك الورقة، أثبت الباحث المصري أن الحشرات تحصل على الاستقرار في الهواء في أثناء الطيران من جَرَّاء اهتزاز أجنحتها بقدر معين من السرعة الكافية لتحقيق ذلك، أو ما يُعرف في علوم الديناميكا باسم ظاهرة "الاستقرار بالاهتزاز".

لكن الأهم من نشر الورقة هو التطبيق؛ ففي علوم الطيران التي أصبح التنافس فيها صعبًا للغاية، يجب أن يبحث العالم عن سبل التمويل، وتُعد البراءات واحدةً من تلك السُّبل.

ولأن ورقة لغز الحشرات حازت اهتمامًا كبيرًا، فقد تقدم "هيثم" للحصول على براءة اختراع خاصة بتصميم أجنحة تعتمد على نظرية طيران الحشرات، وبالفعل تقدمت شركة ألعاب للحصول على تلك التصميمات؛ لعمل طائرات دون طيار لأغراض الترفيه والتسلية.

credit: Haithem Taha مع زوجته من حفل تخرجه وحصوله على الدكتوراة وحصول زوجته على الماجيستير. ديسمبر 2013

البراءة الأكثر إثارة

أما البراءة الأكثر إثارةً للغرابة فتتعلق بابتكار جهاز تنفس اصطناعي!

ففي وسط الوباء الحالي، والتوقف الشامل للحياة، فكر "هيثم" وأحد أصدقائه في استغلال الوقت، "أنا مهندس مهتم بالتحكم في الأساس، وأرغب في التعلم، تساءلت مع صديقي: لمَ لا نستغل الوقت ونُصمم جهاز تنفس اصطناعي؟".

تعاني الاقتصاديات في الدول النامية من ارتفاع ثمن أجهزة التنفس الاصطناعي، لذا كان هدف "هيثم" وصديقه ابتكار جهاز رخيص الثمن يصلح للتسويق في تلك الدول.

"وجدنا أن التكنولوجيات المستخدمة في جهاز التنفس الاصطناعي بسيطة للغاية مقارنةً بسعره"، بحثنا في الأمر، "كان الوباء الحالي حافزًا، كما وفر لنا الإغلاق الشامل الوقت اللازم، علَّمنا أنفسنا وواجهتنا مشكلات عديدة، إلا أننا نجحنا في النهاية".

صمم الفريق المصري جهازًا محمولًا حجمه أصغر من "شنطة يد"، يقل سعره عن أسعار الأجهزة المتاحة بنحو 15 ضعفًا، تعاقدت إحدى الشركات بالفعل على إنتاجه، وبمجرد حصوله على موافقة هيئة الدواء والغذاء الأمريكية، سيُتاح في الأسواق، "ربما سيكون من ضمنها السوق المصرية"، على حد قول "هيثم".

أصبحت علوم الطيران مُشبَعة، بمعنى أن الاكتشافات الكبيرة أصبحت نادرة، ينعكس ذلك الأمر على تمويل الأبحاث الأساسية في مجال الطيران، إلا أن "هيثم" يجد طاقة أمل مفتوحة بسبب أمرين: فأما الأمر الأول فهو بدء شركات كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية الأبحاث الخاصة بالتاكسي الطائر، لم تستقر تلك الشركات على شكله، وهو ما يعطي أملًا كبيرًا لمجال التصميم.

وأما الثاني فهو الطائرات المسيرة دون طيار (الدرونز)، يقول هيثم إن "الدرونز" أعطت قُبلة الحياة لعلوم الطيران وباحثيه.

يأمل هيثم أن تتبنى الدولة المصرية مشروعًا كبيرًا لصناعة الطائرات، يقول إن مصر لديها تاريخ مبهر يتعلق بإنتاج أول طائرة مصرية تخترق حاجز الصوت -القاهرة 300- إلا أن حاضرها في المجال مؤسف.

فعلى الرغم من قوة التعليم الهندسي الجامعي، الذي ينافس نظيره في كُبريات جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، يقول "هيثم" إن الحلقة المفقودة هي التعليم ما بعد الجامعي، فضَعف مرتبات أساتذة الجامعة يجعلهم منشغلين بالحصول على مقابل مادي عبر عملهم خارج الجامعة، كما لا تتوافر أيضًا إرادة سياسية حقيقية وتخطيط إداري لعمل مشروع بهذا الحجم.

"من جهتي، أعمل على تسهيل استضافة طلاب من مصر في مرحلة الماجستير والدكتوراة، وخلال الأعوام الماضية أشرفت على 6 طلاب من مصر، أتمنى أن تنتبه الدولة لذلك المشروع وتجمع الكفاءات من الداخل والخارج تحت راية "صناعة أول طائرة مصرية دون طيار"، يقول "هيثم"، الذي يأمل أن يمتد عمره ليشهد تلك العبارة -التي ستجعله فخورًا أبد الدهر- على أحد ابتكاراته.. عبارة "صنع في مصر".