من كل 100 مصري، عددٌ يتراوح بين 9 و10 أشخاص يحملون جينات مرض ثلاسيميا بيتا، وتصيب الثلاسيميا الكبرى -أحد أنواع ثلاسيميا بيتا- ألف طفل من بين 1.5 مليون يولدون سنويًّا في مصر. إذ لا يزال علاج هذا المرض يشكل عبئًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا كبيرًا، فعلى الرغم من وجود العديد من الطرق العلاجية التجريبية، إلا أن أيًّا منها لا يعمل بالكفاءة المطلوبة حتى الآن.

ووفقًا لدراسة حديثة أجراها فريق بحثي مصري، ونشرتها دورية ستيم سيل ريسيرش& ثيرابي Stem Cell Research& Therapy، فإن "تقنية كريسبر تمثِّل وسيلةً علاجيةً واعدةً لتصحيح إحدى الطفرات الأكثر شيوعًا بين مرضى ثلاسيميا بيتا المصريين".

 تمكَّن الباحثون من عزل خلايا جذعية من دم مرضى مصابين بثلاسيميا بيتا من مستشفى الأطفال الجامعي "أبو الريش المنيرة"، ثم استخدموا نظام كريسبر لتعديل النسخة التالفة من الجين المسؤول عن إنتاج سلسلة بيتا فى بروتين الهيموجلوبين.

استخدم الباحثون الخلايا الجذعية المُعدلة في إنتاج خلايا دم حمراء، وذلك باستخدام هرمون الإريثروبويتين EPO المُحفِّز لتمايُز الخلايا الجذعية إلى خلايا دم حمراء مكتملة النمو.

في الخطوة التالية، أجرى باحثو الدراسة عددًا من التجارب التي تقيِّم الخصائص الوظيفية للخلايا، وتحديدًا القدرة على إنتاج الهيموجلوبين، إذ أوضحت أن الخلايا المُعدلة أنتجت الهيموجلوبين بشكل طبيعي. تقترح الدراسة أن هذا النهج قد يمثِّل علاجًا جذريًّا للثلاسيميا بيتا.

أنيميا البحر المتوسط

تُعد الثلاسيميا اضطراب دم وراثيًّا -ينتقل مع الجينات من الآباء إلى الأبناء- ويؤدي إلى انخفاض نسبة الهيموجلوبين في الجسم عن المعدل الطبيعي. 

تحتاج أجسامنا إلي الهيموجلوبين لأنه يُمكِّن خلايا الدم الحمراء من حمل الأوكسجين، وينتج عن انخفاضه الإصابة بفقر الدم. يتكون الهيموجلوبين من نوعين من السلاسل البروتينية ألفا وبيتا.

توجد عدة أنوع من الثلاسيميا تختلف فيما بينها وفقًا لنوع السلسلة البروتينية التالفة وكذلك عدد النسخ التالفة من الجينات الموروثة. يرث مرضى ثلاسيميا ألفا من آبائهم سلسلة بروتين ألفا تالفة، بينما يرث مرضى ثلاسيميا بيتا من آبائهم سلسلة بروتين بيتا تالفة، وتختلف شدة المرض وفقًا للعدد الموروث من الجينات التالفة. في حالة ثلاسيميا بيتا، يشارك اثنان من الجينات فى تكوين سلسلة بيتا، كلٌّ منهما موروثٌ من أحد الآباء.

إذا حصل الجنين على جين متحور من أحد الأبوين فقط والجين الآخر سليم، فإنه سيكون حاملًا للمرض وستكون الأعراض خفيفة، ولكن إذا حصل الجنين على نسختين متحورتين من كلا الأبوين فإنه سيصاب بثلاسيميا بيتا الكبرى، المعروفة باسمها الشائع "أنيميا البحر المتوسط"، وتُعرف كذلك بـ"فقر دم كولي"، وهي أكثر أنواع الثلاسيميا خطرًا.

يوجد أكثر من 350 طفرة وراثية مرتبطة بثلاسيميا بيتا، ويختلف توزيعها اختلافًا كبيرًا من الناحية الجغرافية، وهي أكثر شيوعًا بين سكان القارة الأفريقية وسكان دول البحر المتوسط مثل اليونان، وإيطاليا، ومصر.

يعاني مرضى الثلاسيميا من فقر الدم، والتعب الشديد، والضعف العام، وضيق في التنفس، وعدم انتظام ضربات القلب، وشحوب الجلد الناتج عن نقص الهيموجلوبين.

يحتاج مرضى الثلاسيميا بيتا إلى نقل دم بشكل دوري كل عدة أسابيع، نظرًا لموت خلايا الدم الحمراء وتجدُّدها كل 120 يومًا. يمكن أن يساعد ذلك فى تحسُّن الحالة الصحية للمرضى، ولكن ينتج عن نقل الدم المستمر ما يسمى بـ"اكتناز الحديد" أو "دَاء تَرَسُّبِ الأَصبِغَةِ الدَّمَوِيَّة"، وهي حالة طبية تنتج عن تراكم الحديد فى الدم.

يؤدي الحديد دورًا أساسيًّا في العديد من وظائف الجسم، ويشمل ذلك المساعدة في تكوين هيموجلوبين الدم. ولكن تراكُم الحديد في الجسم سام، ويسبب العديد من التعقيدات الصحية التي قد تصل إلى فشل القلب والكبد.

لذلك كان من الضروري البحث عن وسائل علاجية بديلة، وهذا ما شغل الفريق البحثي المصري، تقول هالة جبر -قائد الفريق البحثي وأستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية بكلية طب القصر العيني- في حديثها مع "للعلم": "لدينا تاريخٌ طويلٌ في تجارب العلاج الجيني لمرض الثلاسيميا، وأردنا تجربة تقنية كريسبر للتعديل الجيني، التي كانت تبدو واعدةً للغاية".

كريسبر.. هدية من البكتيريا

لاحظ العلماء نظام كريسبر لأول مرة من خلال دراستهم للبكتيريا؛ إذ وجدوا أنها تستخدم هذا النظام كنوع من المناعة المكتسبة من أجل التصدي لهجمات البكتريوفاج، وهو نوعٌ من الفيروسات يصيب خلايا البكتيريا.

عندما يهاجم الفيروس الخلية البكتيرية، تحتفظ البكتيريا بجزء من تسلسل المادة الوراثية الخاصة به، وتضيفها إلى نظام كريسبر الخاص بها، الذي يعمل على فحص المادة الوراثية بحثًا عن ذلك التسلسل.

وعندما تتكرر إصابة الفيروس للبكتيريا، يرصد نظام كريسبر تسلسل المادة الوراثية الخاصة بالفيروس، ويقوم بقطعها من خلال بروتين يسمى Cas9، وهو أحد أجزاء نظام كريسبر.

في عام 2015، تصدرت تقنية كريسبر أغلفة الصحف والمجلات العلمية، كوسيلة غير مسبوقة للتعديل الجيني داخل الخلايا، حملت الأخبار الكثير من الآمال حول إمكانيات تلك التقنية.

منذ ذلك الحين وحتى الآن، تُقدم تقنية كريسبر الكثير من الحلول المحتملة لعلاج الكثير من الأمراض الوراثية وغير الوراثية. وبالفعل دخلت بعض محاولات علاج السرطان باستخدام كريسبر حيز التنفيذ فى مرحلة التجارب السريرية.

هذا العام، حصلت الفرنسية إيمانويل شاربنتييه، والأمريكية جينيفر دودنا، على جائزة نوبل في الكيمياء؛ لدورهما في تطوير نظام كريسبر وتحويله إلى تقنية لقطع تسلسل المادة الوراثية في أحد الجينات المستهدفة والتعديل عليها عن طريق حذف تسلسل معين أو إضافة تسلسل جديد، ما يُعد اعترافًا وتقديرًا لِما يُتوقع لهذه التقنية أن تقدمه للبشرية.

استخدم الفريق البحثي المصرى تقنية كريسبر لتعديل طفرة جينية تسمى "IVS 1-110" تقع فى الجين المسؤول عن سلسلة هيموجلوبين بيتا، ووفقًا لما قالته "جبر" فإن هذه الطفرة تؤدي إلى خلل في إنتاج هذه السلسلة، وبالتالي إلى خلل فى جزيئات الهيموجلوبين، ينتج عنه فقر الدم الانحلالي الوراثي "الثلاسيميا"، مع آثار مدمرة على جميع أعضاء الجسم، وحاجة متكررة إلى نقل الدم.

وتضيف "جبر": "وجدنا أن تقنية كريسبر قابلة للتطبيق على الخلايا البشرية بتكاليف معتدلة، مقارنةً بخيارات العلاج الجيني الآخر، كما يمكن لتلك التقنية أن تصحح بشكل فعال الطفرات الشائعة المسببة للثلاسيميا في مصر".

تُؤكد نفرتيتي النخيلي -مدرس مساعد فى قسم التكنولوجيا الحيوية بمعهد الدراسات العليا التابع لجامعة الإسكندرية- أهمية الدراسة المصرية، وتقول: "على الرغم من أنها ليست الأولى من نوعها في محاولات علاج مرض الثلاسيميا، إلا أنها تمثل بديلًا جذابًا للعلاجات الحالية"، وتُشدد على أنه من بين العدد القليل من الدراسات التي أُجريت من أجل التوصل إلى علاج جيني للثلاسيميا، لم تصادف دراسات على مرضى مصريين.

من جانبها، أشارت جبر إلى أن النتائج التي توصلت إليها هي وفريقها تقترح إستراتيجية علاجية تتمثل فى أخذ الخلايا الجذعية المكونة للدم "CD34+" من المريض وتصحيحها باستخدام تقنية كريسبر، ثم إعادتها إلى المريض مجددًا.

هذه الإستراتيجية توفر علاجًا بالخلايا الذاتية (خلايا المريض نفسه) دون القلق من احتمالات رفضها من قِبَل الجهاز المناعي، أو حدوث أي مضاعفات أخرى، وفق "جبر".

وتعليقًا على هذه النقطة، أوضحت "النخيلي" أن فكرة استخدام خلايا ذاتية وتعديلها جينيًّا هي طريقة واعدة لعلاج العديد من الاضطرابات، ولكن سيتطلب الأمر متابعةً مستمرةً عن كثب، للتأكد من أن تصحيح الطفرات حدث بشكل دائم، وستكون هناك حاجة إلى تعديلات جينية لاحقة؛ نظرًا للتجدُّد الدوري في الخلايا.

يتفق محمود خليل -رئيس قسم العلوم البيولوجية فى جامعة بيروت العربية، وأستاذ فى كلية العلوم، جامعة الإسكندرية- مع "النخيلي" في رأيها حول أهمية الدراسة، ويقول: "توجد طفرة IVS 1-110 لدى حوالي 20٪ من سكان البحر المتوسط والعديد من السكان الغربيين، وتقتصر خيارات العلاج الحالية على زراعة نخاع العظام، أو العلاج بالخلايا الجذعية المكونة للدم، المعزولة من متبرعين أصحاء متوافقين توافُقًا نسيجيًّا مع المرضى".

والتوافق النسيجي Histocompatibility هو خاصية مرتبطة بالاستجابة المناعية تجاه الخلايا غير الذاتية، أى الغريبة عن الجسم.

في السياق ذاته، تتفق دراسة أخرى نُشرت منذ أربع سنوات مع نتائج الدراسة الحالية، ولكنها كانت قد استهدفت العلاج الجيني بكريسبر لنوع مختلف من الطفرات. كما استهدفت بعض الدراسات العلاج الجيني للثلاسيميا عن طريق تحفيز إنتاج أحد أنواع الهيموجلوبين، وهو الهيموجلوبين الجنيني الذي تنتجه الأجنة والأطفال حديثو الولادة، ويتوقف إنتاجه في الكبر.

من أجل علاج آمن

بشكل عام، يكافح الباحثون لتحديد التأثيرات غير المستهدفة المحتملة لتقنية كريسبر، والتي تظل العائق الرئيسي أمام استخدام تلك التقنية على المرضى في العيادات. فعلى الرغم من أن نظام كريسبر محدد للغاية، إلا أنه يمكن أن يولّد طفراتٍ عشوائيةً غير مقصودة تسمى "التأثيرات غير المستهدفة". يقول "خليل" إن المؤلفين لم يتحققوا من الآثار المحتملة غير المستهدفة، بينما سيؤدي تحديد هذه التأثيرات إلى زيادة دقة النتائج، فقد تؤدي تلك الطفرات غير المقصودة إلى تكوُّن أورام سرطانية.

تعلق "جبر" على الأمر بقولها: إن هذه الدراسة تمثل مرحلةً مبكرةً لإثبات المفهوم (POC)، وإن خطوات فريقها التالية ستكون الانتقال بهذه الإستراتيجية إلى مرحلة التجارب الحيوانية ومن ثم التجارب السريرية.

من جانبه، يشدد "خليل" على أنه يجب إجراء المزيد من الدراسات لتحسين عملية التعديل الجيني وتقليل الطفرات الضارة المحتملة قبل الاتجاه إلى التجارب السريرية البشرية، ويشير إلى أهمية اعتبار تقنيتين مشهورتين آخرتين في التعديل الجيني، وهما ZFNs ، TALENs ومقارنتهما بتقنية كريسبر.

وتتفق "النخيلي" مع أهمية النظر فى استخدام أساليب تعديل جيني أخرى، وتقترح أن يتم تجميع عدد من الطفرات المختلفة والشائعة في الثلاسيميا وتصحيحها لدى مريض واحد، فمن شأن ذلك أن يزيد من معدلات نجاح هذه الإستراتيجية. وتضيف: "سيكون من المهم أيضًا اختبار طرق مختلفة لعزل الخلايا الجذعية من الدم، وذلك لاختيار الطريقة الأكثر أمانًا ومناسَبة، التي تمكننا من إعادة الخلايا مرةً أخرى إلى المرضى بعد التعديل".