لا يزال الغموض يحيط بفيروس كورونا المستجد الذي اجتاح العالم في ديسمبر عام 2019، وبلغت أعداد الإصابات به حتى الآن أكثر من 226 مليون مريض، وحصد أرواح أكثر من 4.6 ملايين شخص حول العالم، وعلى الرغم من زيادة حصيلتنا المعرفية بالفيروس وتركيبه وتطوره، وكذلك إنتاج أكثر من لقاح للوقاية منه، ما زال الباحثون يحاولون استكشاف العديد من الجوانب فيما يتعلق بتفاعُل الفيروس مع الجسم، لإيجاد إجابات لبعض الأسئلة التي تتردد في أذهاننا جميعًا، أبرزها: ما الذي يجعل شخصًا ما يصاب بالفيروس إصابةً خفيفة، في حين يصاب شخصٌ آخر  من الفئة العمرية نفسها إصابةً عنيفة، وربما قاتلة؟

وبينما لا تزال الاستجابة المناعية لعدوى كوفيد-19 غير واضحة بالكامل، تمكن فريق بحثي مصري من رصد التغيرات المناعية التي تطرأ على المرضى، عبر دراسة حديثة نُشرت في دورية "فيرولوجي"، وجد الفريق البحثي تغيرًا في التعبير الجيني للحمض النووي الريبي المرسال mRNA المسؤول عن إنتاج عدة بروتينات مكونة للجهاز المناعي (مؤشرات مناعية) لدى مرضى كوفيد-19 ذوي الحالات الحرجة الشديدة عند مقارنتهم بغيرهم من الأصحاء، إذ قل التعبير الجيني لجينات كلٍّ من IFN-γ وTNFα وFOXP3، بينما زاد التعبير لجينات IL-6 وCOX-2 بشكل كبير لدى المرضى، وخلصت النتائج إلى إمكانية استخدام بعض هذه المؤشرات لتقييم شدة المرض والتنبؤ بمراحله القادمة.

يقول أحمد سمير عبد الحميد -مدرس الباثولوجيا الإكلينيكية بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة، والباحث الأول في الدراسة- في حديثه مع "للعلم": "أردنا معرفة وفهم تفاصيل التغيرات المناعية التي تحدث لدى مرضى كوفيد-19، خاصةً فيما يتعلق بخلل التنظيم المناعي الذي قد ينتج عن العاصفة المناعية، أو ما يُعرف بـ (عاصفة السيتوكين)".

يُعَدُّ خلل التنظيم المناعي انهيارًا -أو تغييرًا لا يمكن التكيف معه- في التحكم الجزيئي بالجهاز المناعي، وهو أحد أسباب أمراض المناعة الذاتية وبعض أنواع السرطان.

درس الباحثون مجموعتين من المؤشرات المناعية، إحداهما مرتبطة بتثبيط الاستجابة المناعية والأخرى مرتبطة بـ"عاصفة السيتوكين"، يقول "عبد الحميد": "كان الهدف التعرف على المؤشرات المناعية التي يزيد مستواها في حالة الالتهاب، وتلك التي من شأنها الحد من الالتهاب في حالات الإصابة بالكورونا، وذلك لربطها مع شدة المرض والوفيات وعوامل أخرى".

المناعة.. سلاح ذو حدين

ترسل الخلايا المناعية نوعًا من الإشارات الجزيئية لتعزيز الالتهاب، تُعرف بـ"السيتوكينات"، وتؤدي دورًا مهمًّا في تنظيم التفاعلات الالتهابية، في أثناء الاستجابة المناعية التكيفية، يتم تنشيط العديد من مسارات الالتهاب، ولكن يمكن أن تؤدي الاستجابة المُبالَغ فيها إلى تفاعُل التهابي شديد قد يخرج عن السيطرة في بعض الأحيان، وذلك عندما يزيد مستوى السيتوكينات عن اللازم، فيما يُعرف بـ"عاصفة السيتوكين"، وفيها تنتشر السيتوكينات في أماكن مختلفة من الجسم، وليس فقط في المناطق المصابة بالعدوى، وتبدأ في مهاجمة خلايا الجسم السليمة وإلحاق الضرر بها.

يعتمد الجهاز المناعي عدة آليات للاستجابة لمسببات الأمراض المختلفة، يمكن تصنيف الاستجابة المناعية إلى نوعين رئيسيين: المناعة الفطرية والمناعة التكيفية أو المكتسبة، توفر المناعة الفطرية نوعًا من الحماية العامة التي نولَد بها ونتوارثها؛ إذ تتضمن الاستجابة للميكروبات ومسببات الأمراض المختلفة، وكذلك أي مواد غريبة عن الجسم، حتى البروتينات والجزيئات الصغيرة بشكل عام، من ضمن مكونات الجهاز المناعي الفطري نجد الخلايا الحبيبية المتعادلة (Neutrophils)، التي تتزايد أعدادها مع أي عدوى بشكل غير متخصص، أيًّا كانت طبيعة العدوى.

بينما تختلف المناعة التكيُّفية أو المكتسبة من شخص إلى آخر وتتطور عند التعرُّض لمسببات الأمراض، وتعمل بشكل انتقائي ومتخصص، في هذا النوع من المناعة نجد الخلايا الليمفاوية (Lymphocytes)، التي لها دور كبير في الاستجابة للعدوى الفيروسية، وتشمل أنواعًا مختلفةً من الخلايا تعمل معًا من أجل التعرف على بعض الأجزاء المكونة لمسببات المرض، مثل الفيروسات المعروفة باسم "المستضدات" أو Antigens -مثال على ذلك مركبات موجودة في أشواك فيروسات الكورونا- لتنتج بعد ذلك مناعة متخصصة لهذا النوع من الفيروسات بالتحديد، كما أن المناعة التكيفية تتميز بقدرتها على تكوين ما يُعرف بـ"الذاكرة المناعية"، إذ يتعرف الجسم على مسببات الأمراض ويحتفظ الجهاز المناعي بجزء منها ليتذكرها حين يصاب بها الجسم مرةً أخرى فيكون أكثر استعدادًا لمقاومتها.

من أجل الحد من أضرار الاستجابة المناعية وحماية الجسم من هجوم الخلايا المناعية، يحتوي الجهاز المناعي على ذراع أخرى، هي الذراع التنظيمية التي تتضمن نوعًا من الخلايا التائية يُطلق عليه Tregs أو الخلايا التائية المنظمة، التي من دونها يهاجم الجسم نفسه مسببًا أمراض المناعة الذاتية.

المؤشرات المناعية

السيتوكينات المؤيدة للالتهابات -بما في ذلك إنترلوكين-6 (IL-6)، وعامل نخر الورم (TNF)، وإنترفيرون جاما (IFN-γ)- مهمة في تطوير المناعة الفطرية المضادة للفيروسات، يعمل إنترلوكين-6 على حث الإشارات المؤيدة للالتهابات، ويرتبط بالعديد من الأمراض الفيروسية والأمراض الالتهابية وأنواع متعددة من السرطان، وجدت الدراسة أن إنترلوكين-6 يزداد في حالة الإصابة بكوفيد-19، كما يزداد مستوى COX-2 وهو إنزيم مهم في عملية تكوين الالتهاب.

من ناحية أخرى، يوجد بروتين (FOXP3) على سطح الخلايا التائية المنظمة، ويؤدي دورًا مهمًّا في قمع مختلِف الاضطرابات الالتهابية والمناعة الذاتية، بما في ذلك الالتهابات الرئوية، يقول "عبد الحميد": "في أثناء الدراسة لاحظنا أن مستويات بروتين (FOXP3) انخفضت بشكل عام لدى أغلب الحالات، حتى الحالات المعتدلة منها، بينما كان مرتفعًا لدى الحالات الشديدة، وكذلك لدى المرضى الذين فقدوا فيما بعد حياتهم".

حاول الباحثون تفسير هذه الملحوظة، حتى توصلوا إلى أنه في بداية المرض يحاول الجسم مهاجمة الفيروس فيقوم بكبح الذراع التنظيمية المسؤولة عن تثبيط الاستجابة المناعية، حتى تحدث الاستجابة الالتهابية وعاصفة السيتوكين.

في حالات الالتهاب الشديد، مع تطور المرض وتدهور الحالة الصحية للمريض، يحاول الجسم إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فيزيد من الخلايا التنظيمية المثبطة للاستجابة المناعية، والتي تحمل على سطحها المؤشر المناعي FOXP3، مما يزيد من مستواه مرةً أخرى، في محاولة من الجسم لتقليل التأثيرات السلبية لنقص الأكسجين.

وكانت دراسات سابقة قد أوضحت أن نقص الأكسجين يزيد من مستويات (FOXP3)، الذي يعمل بدوره على تقليل تلف الأنسجة من خلال آليات مضادة للالتهاب.

يرى داني ألتمان -أستاذ أمراض المناعة، بكُلية لندن الإمبراطورية- أن الدراسة مثيرةٌ للاهتمام، ويقول: "أصبحنا نعرف جيدًا أن الخلايا التائية تعمل جنبًا إلى جنب مع الأجسام المضادة في المناعة الوقائية لفيروس الكورونا، ولكن قد تكون مناعة الخلايا التائية سلاحًا ذا حدين: من ناحية، تُعتبر ضروريةً لإزالة الخلايا المصابة، ولكن من ناحية أخرى، قد يكون الكثير من مناعة الخلايا التائية في موقع مثل الرئتين سببًا في أمراض الالتهاب، وهنا يأتي دور FOXP3.

توصيات الدراسة

يقول "عبد الحميد": "في بداية المرض يستعد الجسم للمعركة التي لا تخلو من الخسائر، إذ يتضرر بشكل كبير، خاصةً عند حدوث التهاب في الرئة، في ذلك الوقت يحاول الجسم إصلاح هذا الضرر من خلال تهدئة عملية الالتهاب كي تتعافى الرئة"، لسوء الحظ فإن محاولات تدارُك الأمر وإصلاح الضرر لا تؤتي ثمارها في الحالات الشديدة، وهو ما يفسر جزئيًّا الآثار الجانبية طويلة الأمد -حتى بعد خروج الفيروس من الجسم- أو ما يُعرف بـ"متلازمة ما بعد كوفيد-19". 

يطلق مصطلح "متلازمة ما بعد كوفيد-19" على آثار كوفيد-19 التي تستمر لأكثر من أربعة أسابيع بعد تشخيصه، وتشمل العلامات والأعراض التي يشيع بقاؤها مع مرور الوقت: الإرهاق، وضيق النَّفَس أو صعوبة في التنفس، والسعال، وألم المفاصل، وألم الصدر، ومشكلات في الذاكرة أو التركيز أو النوم، وألم العضلات أو الصداع، وضربات القلب السريعة أو القوية، وفقدان حاسة الشم أو الذوق، والاكتئاب أو القلق، والحُمّى، والدوخة عند الوقوف، وتفاقُم الأعراض بعد الأنشطة البدنية أو الذهنية.

تشير نتائج البحث إلى إمكانية استخدام (FOXP3) كمؤشر بيولوجي محتمل للتنبؤ بشدة المرض، إذ ارتبط مستواه بالنقص الحاد في الأكسجين، والوفيات، كما تقترح الدراسة أن الاستخدام المبكر لعقاقير مضادة للالتهابات قد يكون مفيدًا للحد من تطور المرض، خاصةً أن هذه العقاقير متاحةٌ بشكل كبير ومنخفضة التكلفة.

يصف سيامون جوردون -أستاذ علم الأمراض الخلوي بجامعة أكسفورد- الدراسة بأنها قيمة وشيقة وتوفر معلومات يسهل التغاضي عنها في كثير من الأحيان، ويقول: "تتناول هذه الدراسة مجموعات جينية مختلفة من المرضى الذين يتلقون العلاج في نظم صحية مختلفة أيضًا، كما أنها قد تخلق منظورًا جديدًا لعلم الأوبئة وتطور الأمراض"، يضيف "جوردون": "من الجيد العثور على ملحوظات إكلينيكية ومخبرية موثقة بشكل جيد كتلك التي تقدمها الدراسة".

أقر الباحثون في الورقة البحثية الخاصة بالدراسة بوجود بعض القصور في دراستهم؛ إذ قاموا بجمع عينات الدراسة من 111 مريضًا مرةً واحدةً فقط، مما يجعل هذه العينات ممثلةً لمرحلة واحدة من مراحل المرض، يخطط الباحثون للحصول على عينات من مراحل مختلفة من المرض لكل مريض في دراستهم المستقبلية، مما سيمنحهم فهمًا أفضل لتطور خلل التنظيم المناعي، وكيف يزداد سوءًا، وكذلك الوقت المستغرق للتعافي منه.

يعتقد "جوردون" أنه من المهم دراسة مستويات البروتينات الخاصة بالمؤشرات المناعية، وعدم الاكتفاء بمستويات الحمض النووي mRNA فقط، كما يوصي بضرورة التحقق من مستويات إنترفيرون-1، إلى جانب مستويات الأجسام المضادة لفيروس الكورونا، التي تُعد جزءًا لا يتجزأ من خلل التنظيم المناعي، ويقترح إجراء دراسة مستقبلية تتضمن تنشيط الجسيم الالتهابي.

يُذكر أن الجُسيم الالتهابي هو مُركب مكون من عدة بروتينات، يؤدي دورًا مهمًّا في المناعة الفطرية غير المتخصصة، يتكون في أثناء العدوى ويعمل على تنشيط إنزيم يسمى كاسباس-1، ينشِّط بدوره ما يُعرف ببعض السيتوكينات المحرضة على الالتهاب.

يرى "ألتمان" أنه لا يزال من المبكر الحكم على مُخرَجات الدراسة، ولكنها تستحق مزيدًا من التحليل، ومن جانبه يرى "عبد الحميد" أن النتائج كانت تستحق النشر في وقت أبكر، ولكنهم واجهوا صعوبةً في نشرها في بداية الأمر.

مناعتك صحتك

تحدث التغيرات المناعية سواء أصبت بالمرض بشكل معتدل أو شديد، كما تختلف الاستجابة المناعية من شخص إلى آخر، يقول "عبد الحميد": "أفادت دراسات سابقة أن عوامل مثل السن والإصابة بالأمراض المزمنة تجعل الإصابة بالمرض أكثر شدة، ولكن يمكن لبعض الأشخاص الذين لا يعانون من أمراض مزمنة ولا يزالون في سن الشباب أن يصابوا بأعراض شديدة للمرض؛ نتيجةً لحدوث استجابة مناعية عنيفة".

ينصح "عبد الحميد" جميع الفئات بالالتزام بالإجراءات الاحترازية الوقائية، ومحاولة الحصول على لقاح كوفيد-19 فور إتاحته.